“اليمني الأميركي” – متابعات:
لا تزال العملية العسكرية الأميركية التي أفضت إلى ما وصف بـ “اعتقال” الزعيم الفنزويلي، نيكولاس مادورو، تهيمن على مقالات الصحف البريطانية والعالمية التي طرحت تساؤلات عن مستقبل السلطة في البلاد، ومصير مؤيديه، خصوصًا أولئك النافذين في أجهزة الدولة، إضافة إلى ما وصف بسيطرة ترامب على “إمبراطورية نفطية”، وفق بي بي سي عربي.
ففي صحيفة التايمز البريطانية نشرت هيئة التحرير مقالاً بعنوان: “انتبه يا ترامب: القوة دون هدف ستفشل فنزويلا”، وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة تُتهم من معارضيها في الداخل وبعض حلفائها في الخارج بانتهاك “صارخ” للقانون الدولي بعد “اختطاف” مادورو وزوجته، مشيرةً إلى أن “العملية وفق جميع الأدلة تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة”.
وقالت الصحيفة إن على واشنطن عدم التخلي الآن عن فنزويلا، لافتةً إلى أن الولايات المتحدة لها “مصلحة قوية في تأمين انتقال ديمقراطي للسلطة في دولة تعاني من سوء الإدارة والاضطهاد”.
وتضيف هيئة التحرير أن على من يعارض الإطاحة بمادورو الاستماع إلى الشعب الفنزويلي الذي عبّر عن رأيه بشأن نظامه في الانتخابات عام 2024، مشيرة إلى أن الشعب صوّت لصالح مرشح المعارضة، إدموندو غونزاليس، الذي حصد ضعف عدد الأصوات التي حصل عليها مادورو، لكن نظام الأخير ردّ بتزوير الأرقام وسرقة الانتخابات، على حد قول الصحيفة.
وقالت في هذا الصدد إن “تزوير الانتخابات لا يُعتبر جوهر انتهاكات مادورو، ففي دولة غنية بموارد طبيعية، وخصوصًا النفط، تسبب النظام في انهيار اقتصادي حاد نتيجة سياسات الأسعار المُدارة والمصادرات والفساد، والقمع العنيف”.
وخلال عشر سنوات تلت توليه منصبه عام 2013، انخفضت مستويات المعيشة بنسبة 74%، وفَرّ ملايين الفنزويليين إلى الخارج، بحسب الصحيفة.
وتحدثت عن “حاجة ملحّة” إلى إعادة فنزويلا إلى النظام الدستوري الذي كانت تتمتع به سابقًا، لكن ترامب لم يظهر إلا “أدلة ضئيلة” على وجود هذا الدافع، وفق الصحيفة.
غير أنها رأت في إعلان ترامب بأن زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل، تفتقر إلى الدعم والاحترام للحكم “أسوأ من الإحباط”.
ووفقًا للمقال، فإن الفقر في فنزويلا ليس من صنع مادورو وحده، بل نتيجة سوء الإدارة خلال هذا القرن، كما أن البلاد لم تُنوِّع من إيرادات صادراتها خلال ازدهار النظام مع مطلع الألفية بعدما بدأت أسعار النفط ترتفع، بحسب المقال.
أما صحيفة واشنطن بوست فقد نشرت هيئة التحرير فيها مقالاً بعنوان: “إن المجهول في فنزويلا واضح بشكل صارخ”، وتحدثت الصحيفة عن إسناد ترامب لوزير خارجيته، ماركو روبيو، وظيفة جديدة وهي “إدارة” فنزويلا، مشيرة إلى تساؤلات بشأن هذه المهمة التي “لا يُحسد عليها”.
وترى الصحيفة أن تصريح روبيو المتعلق بجعل فنزويلا تتصرف بما يخدم مصالح الولايات المتحدة بعد الإطاحة بمادورو، يعني ضرورة إقناع ديلسي رودريغيز، الشخص الثاني في نظام مادورو، بـ “وقف تهريب المخدرات والتخلص من الجماعات المسلحة وإنهاء العلاقات الوثيقة بين فنزويلا وخصوم الولايات المتحدة”.
وهكذا تساءلت الصحيفة عن إمكانية تعاون القادة الفنزويليين مع الولايات المتحدة، وتحديدًا ما يتعلق بديلسي رودريغيز، إحدى أشد أنصار هوغو تشافيز، الرئيس الفنزويلي السابق، التي ظهرت بـ “نبرة تحدٍّ علنية حتى الآن”.
لكن المقال يرى أيضًا أن تصريحات ديلسي رودريغيز التي تهاجم الولايات المتحدة وتطالب بإعادة مادورو إلى البلاد “قد تكون موجهة إلى جمهور محلي”.
وقالت الصحيفة إن ديلسي رودريغيز ليست الوحيدة صاحبة النفوذ في كاراكاس، لافتة النظر إلى وزيري الدفاع، فلاديمير لوبيز، والداخلية، ديوسدادو روندون، اللذين “يواجهان اتهامات جنائية في الولايات المتحدة، لكنهما يسيطران على جزء كبير من أجهزة الدولة”.
ووفق الصحيفة، فقد حافظ مادورو والمقربون منه على قبضتهم على السلطة لسنوات عبر إبقاء قادة عسكريين يتقاضون رواتب مرتفعة إلى جانبهم، إضافة إلى عصابات مسلحة سيطرت على مساحات شاسعة من البلاد باسم مادورو، وهي هياكل يبقى مصيرها مجهولاً بعد الإطاحة بمادورو، وفق الصحيفة.
كما طرحت هيئة التحرير ما اعتبرته أمرًا مجهولاً آخر، وهو مصير قادة المعارضة، مثل الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا ماتشادو، بعدما “استبعدها ترامب من إدارة البلاد… بقرار غير حكيم”.
وقالت إن ماتشادو تتمتع “بسجلٍّ حافل بالدفاع عن الديمقراطية واقتصاد السوق الحر، وهي ملتزمة بإقامة علاقات تجارية مربحة مع الولايات المتحدة”، ورجحت الصحيفة فوزها في الانتخابات إذا سُمح لها بالترشح.
وحذّر المقال من أن “التفاؤل الحذر” الذي يسود صفوف الشعب الفنزويلي قد يتحول في حال إدراكهم أن الولايات المتحدة “تُبقي على فلول نظام مادورو الاستبدادي في السلطة بينما تستغل ثروة البلاد النفطية لمصلحتها الخاصة”.
ودعت الصحيفة إلى ضرورة “انحياز إدارة ترامب باستمرار إلى جانب الشعب الفنزويلي، وأن توضح أن الهدف النهائي هو الحرية الاقتصادية والديمقراطية، مهما كانت الفوضى التي ستحدث أولاً”.
“إمبراطورية ترامب النفطية“
ورأى الكاتب أن إنتاج النفط في الولايات المتحدة، يُضاف له كندا ودول أميركا الجنوبية “يخضع جميعه شئنا أم أبينا لعقيدة مونرو”، التي تقوم على اعتبار نصف الكرة الغربي مجالاً حيويًا خاصًا بالولايات المتحدة، وهي مجال نفوذ واشنطن المتزايد على الأميركيتين.. فيما تشكل هذه الدول معًا نحو 40% من إنتاج النفط العالمي، وفقًا للكاتب.
وقال خافيير بلاس إن الولايات المتحدة “قد تحاول فرض سيطرة مباشرة… أو تكتفي بالإشراف والتأثير والاستمتاع ببساطة بمنافع ما يُنتج”، مشيرة إلى أن ترامب “بات يمتلك الآن إمبراطورية نفطية خاصة به”.
وفي السياق، قال الكاتب إنه لا يقصد بالإمبراطورية النفطية تلك الاحتياطيات الجوفية التي سيستغرق تطويرها وقتًا ومالاً، بل يقصد تلك البراميل التي تتدفق إلى السوق، معتبرًا أن ترامب أصبح يمتلك بهذه الموارد “نفوذًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا لم يمتلكه أي رئيس أميركي منذ فرانكلين روزفلت في أربعينيات القرن الماضي”.
وأشار إلى أن “تداعيات الوصول غير المقيد إلى احتياطيات فنزويلا، الأكبر في العالم، واضحة على الفور لأيّ شخص في قطاع الطاقة والسلع، وخصوصًا خصوم أميركا”.
وسيمنح هذا الوصول للولايات المتحدة “نفوذًا هائلاً” في سوق الطاقة العالمية، وفق ما نقل الكاتب عن مبعوث الرئيس الروسي كيريل دميترييف.
والسيطرة الفعلية على ثروة النفط في نصف الكرة الغربي “تُعدّ تحولاً جذريًا في المشهد الجيوسياسي”، وفقًا للكاتب الذي قال إن البيت الأبيض “يتمتع بالأولوية على الحلفاء والخصوم المنتجين للنفط”.
ورأى خافيير بلاس أن اتخاذ إدارة ترامب خطوات اعتُبرت سابقًا غير واردة من قصف المنشآت النووية الإيرانية، مرورًا بمساعدة أوكرانيا على استهداف مصافي النفط الروسية، وصولاً إلى اعتقال مادورو “أظهر ما تعنيه هذه الثروات الهيدروكربونية الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية”.
وقال إن “الاستيلاء على نفط فنزويلا يمنح الولايات المتحدة ورقة أخرى، وهي القدرة على رفض عروض الوصول إلى الثروات النفطية الأخرى، بعدما لوح الكرملين باحتياطياته النفطية كإغراء في المحادثات مع البيت الأبيض”.
ورأى الكاتب أن كل دولة غنية بالنفط في أميركا اللاتينية ذات أهمية بالنسبة للسياسة الخارجية الأميركية الجديدة، لكن فنزويلا تُمثّل “مكسبًا هائلاً”.
وفسّر ذلك بأن الأمر لا يعود إلى إنتاج فنزويلا الحالي الذي يبلغ نحو مليون برميل يوميًا، بل إلى ما كانت تُنتجه في الماضي، أكثر من 3.7 مليون برميل يوميًا في ذروة إنتاجها عام 1970، و”ما يُمكنها أن تُنتجه مجددًا”، وفقًا للكاتب.


تعليقات