نجمة الأضرعي*
كل شيء كما خططتُ له.. الأجواء هادئة.. الباب مغلق.. الجميع ما زالوا نيامًا.. الإضاءة شبه منعدمة.. الساعة الآن السادسة صباحًا.. أستنفرُ كامل إدراكي؛ لأستكشف عوالم العقل الخفي.. أمنح جسدي الاسترخاء اللازم.. أحرره من أي توتُّر قد علق به.. أتنفس ببطء.. أغمض عينيّ.. أستجمع كل طاقتي.. يستسلم جسدي للأوامر التي مرَّنتُه عليها كثيرًا.. أُمعن في الظلام؛ فتنصاع كل ذرة في جسدي, لنداء الروح الكامنة, وتتجلى أمامي بلورات الطاقة المتوهجة.. خدر سرى في أوصالي.. تصلبتُ.. سمعتُ أصواتًا متداخلة ثم طنينًا في أذني، ثم لم أعد أسمع شيئًا.
ما زلت يقظًا غير خائف.. أنسلخُ من جسدي.. أرتفعُ بكل سلاسة وخفَّة.. لقد نجحتُ أخيرًا.. أجد حبلًا يتدلى إليَّ من الأعلى، فأمسك به وأطير.. انقطعت صلتي بالجاذبية.. أحدِّقُ في جسدي، يبدو كخرقة بالية على فرشه العتيق.. لقد بُترت ساقه، فأصبح خائفًا.. ذليلًا.. مهزومًا.. لم أعد أطيق عجزه.. سآوي إلى جسد آمن، لم تنهكه الحروب وتفقأ عينه لقمة العيش أو الخوف من الغد.. ولن أبالي بحلِّ الأسئلة التي طالما أثارت فضولي حول كروية الأرض وما وراء الجليد والعوالم السُّفلى، والحيوات الأخرى أو البوابات النجمية؛ لم أعد أبالي.. فقط أريد جسدًا آمنًا.
تمسكتُ بالحبل جيدًا وصعدتُ.. اخترقتُ الجدران، ثم قطعتُ الحبل، وانطلقت في رحلتي الأبدية.
تحررتُ من آخر ما يربطني بجسدي.. لا التفت ورائي.. أنا حر طليق, أحلِّقُ في السماء, لا يحدُّني مكان, ولا يقيدني اتجاه.
تفتح السماء أبوابها لي.. فأرفض الدخول..
– ليس الآن ما زلتُ حيًا.
أحلق بعيدًا في الفضاء.. اختفت الأصوات تمامًا، كما اختفى الإحساس بالمكان والزمان.. سكون عجيب وطاقة جميلة ورائحة عطرة وروح خفيفة تتنقل بكل حرية.
خلف منزلي تبدو البيوت مرتفعة جدًا بألوان زاهية, زجاجية عملاقة, إنها تثير فضولي.. أستحضرُ كامل إدراكي وأقترب منها, إنها متقنة البناء.. تخطف الأنظار, والناس فيها آمنون.. أنيقون وأثرياء جدًا.. أقرر أن أتجول على طرقاتها الجميلة وأخترق بيوتها, أبحثُ عن جسدٍ متعافٍ يحوي روحي الضالة.
هذه امرأة تبدو بصحة جيدة, أو ربما عليّ اختيار هذا الشاب العشريني أو ذاك.. أتجول كثيرًا، وأتصفح الأجساد، حتى وقعت عيناي على طفل صغير، يلعب مع والديه، إنه الجسد المناسب.. سأنبتُ ثريًا آمنًا في ظل والدين يُحبّاني.. سأبدأ حياة جديدة.
أستجمع كل طاقتي.. أحاول اختراق جسد الطفل بسرعة، لكن هالته تصدّني, إنها هالة عظيمة غير مرئية.. تمنعني.. ترميني بعيدًا، كحشرة قذرة..
لستُ خائفًا.. أحاول مجددًا.. أي رجل، أي شاب، أي امرأة، أي عجوز، بلا جدوى.. كل الأماكن والأجساد ترفضني.
تفتح السماء أبوابها لي:
– ليس الآن.. ما زلتُ حيًّا.
شهور وليالٍ طويلة تدربتُ فيها؛ كي أصل إلى هذه اللحظة الفاصلة، ولن أعود حتى أحقق ما أريد.. أنا عنيد بما يكفي لأصرَّ على استبدال جسدي بجسد آخر.
أرتفع بكل طاقتي في الفضاء.. تداعب أنفي رائحة منزلي؛ فأطاردها فورًا.. سأرمي بنفسي على أيّ جسد، حتى لو جرذ منبوذ.
لكن الأرض بصقتني.. وكل الأجساد لفظتني.. والسماء تفتح أبوابها لي فأتجاهلها حنقًا:
– ليس الآن.. ما زلتُ حيًا.
كل محاولاتي عادت إليّ خائبة، كيف استعاد ذهني صوت أمي! لم أعد أجد متعة في التحليق والغياب، ولم أتوقع يومًا أن أشتاق لجسدي المبتور، بل وأراه ملاذي الوحيد.. تتقاذفني الريح وتعبث بي الوحشة.. أضعتُ طريق العودة.
ألمحُ أجسامًا تطوف مثلي، معتمة بلا ملامح، وأعينها تتقد نارًا.. أتجنبها وأبتعد، لكنها ما إنْ لمحتني، حتى بدأتْ في مطاردتي، هربتُ منها في فضاء واسع، أبحثُ عن الحبل الذي قطعته، ولا شيء في العدم.
تفتح السماء أبوابها لي فأصرخ:
– لم يحن الوقت.. لن أموت.
عاد الضجيج.. الأشباح تستمر في ملاحقتي.. أنا خائف.. أحشد ذهني وقدرتي على التركيز.. أستحضر رائحة البن، والشذاب (1)، فتدلّى الحبل, وعلى الفور تمسكتُ به.. وصلتُ منزلي أخيرًا.. لا أدري كم لبثتُ.. أخترقُ جدرانه بسرعة ولهفة.. أتنفَّس ملء رئتي.. أهرع إلي جسدي.. ارتعشتْ روحي وأنا أبحث عنه.. تجمدتُ مكاني بلا حراك.. إنه مغطى بعناكب قبيحة, تأكل منه بنهم ووحشية.. أصرخ وأبكي بعلو صوتي.. أحاول إيقاظ أمي.. أبي.. إخوتي؛ ليخلِّصوني من هذا الكابوس اللعين.
السماء تفتح أبوابها لي فاصرخ..
– ما زلت حيًا.. لم أمت..
يرتج المكان بصراخي.. اقتربتُ مني، أحاول إنقاذي.. أضربُ العناكب بكل ما أوتيتُ من غضب وقهر، حتى غاب صوتي.. ما زالت الساعة السادسة صباحًا، لم تختفِ العناكب، بل تضاعفت وكبر حجمها.. الدم يسيل.. لا أحد يرى أو يسمع.
ينال التعب من روحي.. أنزوي مجددًا في زاوية سقف غرفتي.. أراقب جسدي الذي قدمته بنفسي وليمة دسمة لهذه الوحوش القبيحة.. أبحثُ عن ساقي المبتورة.. تفتح السماء أبوابها لي، فأتجاهلها.. سأنتظر حتى يوقظني أحد أو علّها تشبع وتغادر، فبمجرد أن ألمس جسدي سينبت من جديد وينتهي كل هذا.
ويطول الانتظار وتجثُم العناكب، بل وتستوطن أحشائي وتنخر في عظامي وتضع مخلفاتها على فمي.. لم أعد أطيق رؤيتي ولا فائدة من حضور جنازتي.. أودّع جسدي المغلوب على أمره، وأهيم في السَّماء باحثًا عن أيّ باب يُفتح.. لم أعد خائفًا من الموت، ومستعد تمامًا لمواجهته, طال انتظاري ولم تفتح السماء أبوابها، حتى هي رفضتني.. فأصبحت روحي حبيسة العدم.. تعبث بها الرياح في كل اتجاه بلا سكن أو مأوى.. راحل بلا طريق، غائب بلا هدى.. حتى انصدمتُ بطائر صغير ضئيل جدًا.. فسكنتُ جسده فورًا.. ورحلنا معًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- الشذاب: نبات عشبي عطري يكاد لا يخلو بيت في اليمن منه.
- طائرة السمامة طائر يقضى معظم وقته محلقًا.
- قاصة يمنية
- اللوحة من أعمال التشكيلي اليمنيّ مظهر نزار


تعليقات