جيمس زغبي*
أثير جدلٌ واسعٌ حول ما إذا كانت «اللجنة الوطنية الديمقراطية» قد أخفت تقريرًا تحليليًا حول خسارة حزبها في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. ويخشى البعض أن يكون سبب عدم نشر التقرير هو إشارته إلى أن الهزيمة كانت نتيجة فشل حملة كامالا هاريس في التخلي عن سياسة إدارة بايدن الكارثية التي مكّنت إسرائيل من مواصلة هجومها على الفلسطينيين في غزة. ونتيجةً لذلك، تتهم بعض المجموعات اللجنة الوطنية الديمقراطية بالتستر وتطالب بنشر التقرير التحليلي.
لقد كنتُ عضوًا في «اللجنة الوطنية الديمقراطية» لأكثر من ثلاثة عقود، وأُدرك تماماً كيف يتعامل الحزب، أو يتجنب التعامل، مع القضايا المتعلقة بفلسطين/ إسرائيل. ففي عام 1988، ألقيتُ كلمةً من على منصة مؤتمر ذلك العام، مُعلنًا عن بندٍ في برنامج «جيسي جاكسون» يدعو إلى «الاعتراف المتبادل، والتسوية الإقليمية، وحق تقرير المصير» لكلٍ من الإسرائيليين والفلسطينيين. وبسبب ذلك طُلِب مني الانسحاب من اللجنة الوطنية الديمقراطية، لأنّ «قادة الحزب» كانوا قلقين من أن يستخدم «الجمهوريون» عضويتي كقضيةٍ في الحملة الانتخابية. (وأُعيدتُ إلى عضويتي في عام 1993).
خدمتُ 16 عامًا في اللجنة التنفيذية للحزب، و11 عامًا كرئيسٍ مشاركٍ للجنة القرارات. وفي ثماني مناسبات، قدمتُ شهاداتٍ أُجادل فيها بضرورة اعتراف الحزب بالحقوق الفلسطينية. وفي عام 2016، عُينتُ للعمل في لجنة صياغة برنامج المؤتمر. وبعد أن خضت هذا النقاش مراتٍ عديدة، وخسرتُ في كثيرٍ منها، أُدرك تمامًا خوف قيادة الحزب من التطرق إلى الحقوق الفلسطينية.
أخيرًا، في العام الماضي، عيّنني رئيس الحزب كين مارتن عضوًا في مجموعة عمل للشرق الأوسط أنشأها لبحث كيفية تعامل حزبنا مع سياسات أميركا في الشرق الأوسط. ومع ذلك، أعتقد أننا، نحن الداعمين للحقوق الفلسطينية والقلقين من وقوف قادة الحزب «الديمقراطي» في الجانب الخاطئ من هذه القضية لفترة طويلة، فإن الصراع حول وجود تقرير تشريح من عدمه، أو ما قد يتضمنه إن وُجد، ليس هو المكان الذي ينبغي أن نركز فيه طاقتنا. أقول هذا لأننا نمتلك بالفعل كل الأدلة اللازمة لكتابة تقريرنا المفصل الذي يُثبت بشكل قاطع أن الناخبين، وخاصة «الديمقراطيين» والمستقلين، قد سئموا من الدعم الأعمى للسياسات الإسرائيلية. هذه حقيقة.
ورغم وجود بيانات استطلاعات رأي موثوقة تُثبت ذلك، إلا أن الديمقراطيين التقليديين والمستشارين السياسيين يرفضون الاعتراف بهذا الواقع ويواصلون العمل وفق أساليب عفا عليها الزمن، لكن هذه التغييرات حقيقية ولا يمكن تجاهلها. وقد أكدت استطلاعات رأي عديدة مدى اتساع نطاقها.. يُظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة جالوب مؤخرًا أنه وللمرة الأولى يتعاطف عدد أكبر من الأميركيين مع الفلسطينيين (41%) مقارنة بالإسرائيليين (35%). ويتجلى هذا الأمر بشكل خاص بين «الديمقراطيين»، حيث يزيد التعاطف مع الفلسطينيين بثلاثة أضعاف عن التعاطف مع الإسرائيليين.
كما يُظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «جون زغبي ستراتيجيز» في فبراير أن غالبية الأميركيين ينظرون الآن إلى علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل على أنها عبء (45%) أكثر منها مكسباً (34%). ومرة أخرى، تبلغ هذه النسبة بين «الديمقراطيين» ثلاثة أضعاف (57% مقابل 19%). هذا التنامي في المواقف السلبية تجاه إسرائيل ينعكس في تغيّر المواقف من السياسات، ففي أغسطس 2025، وجد استطلاع لمجلة الإيكونوميست ما يلي:
يؤيد 43% من الناخبين خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، بينما يرغب 13% فقط في زيادة هذه المساعدات. أما بين «الديمقراطيين»، فتبلغ نسبة المؤيدين للخفض مقابل المؤيدين للزيادة 58% مقابل 4%. أما بين المستقلين، فالوضع مماثل تقريباً. أما بين «الديمقراطيين»، فالنسبة هي 68% «نعم» و8% فقط «لا». وبين المستقلين، تبلغ النسبة 45% مقابل 19%. وتظهر استطلاعات أخرى أن الناخبين يؤكدون أنهم أكثر ميلاً لدعم المرشحين الذين يتبنون مثل هذه المواقف، وأقل ميلاً للتصويت لمن يدافعون عن السياسات الإسرائيلية ويريدون الإبقاء على مستويات المساعدات العسكرية الحالية لإسرائيل. ولمزيد من الأدلة على هذا التحول، ومع بقاء أشهر قليلة فقط على انتخابات التجديد النصفي، من اللافت للنظر أن أكثر من ثلاثين مرشحًا للكونجرس قد أعلنوا بالفعل نيتهم رفض تبرعات لجان العمل السياسي التابعة للجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك) وغيرها من الجماعات المؤيدة لإسرائيل.
ويشمل ذلك عددًا من أعضاء الكونجرس الحاليين، الذين كانوا جميعًا من أشد المؤيدين لإسرائيل في السابق، وتلقوا في انتخابات سابقة ملايين الدولارات من مصادر مؤيدة لإسرائيل، بما في ذلك لجان العمل السياسي وأموال الإنفاق المستقلة غير المعلنة.
وقد ألقت إحدى عضوات الكونجرس مؤخرًا كلمةً في متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة، وصفت فيها أعمال إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية، وأعلنت دعمها لخفض تسليح الولايات المتحدة لإسرائيل. بينما كانت هذه التغيرات في المواقف تجاه إسرائيل تتشكل منذ عدة سنوات، إلا أنها تسارعت بشكل كبير مع استمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين في غزة لأكثر من عامين. فمع أن فظائع هجوم حماس في 7 أكتوبر ولّدت موجة أولية من الدعم لإسرائيل، إلا أنه مع تزايد عدد الضحايا المدنيين الفلسطينيين واتضاح حجم الدمار الهائل الذي تشنه إسرائيل على غزة، انهار الدعم لإسرائيل. وقد تجلى ذلك بوضوح في الانتخابات الرئاسية لعام 2024. فقد أظهرت تحليلات ما بعد الانتخابات أن نائبة الرئيس كامالا هاريس خسرت تأييد شريحة واسعة من الناخبين الديمقراطيين والمستقلين لرفضها اتخاذ موقف حاسم مخالف لدعم الرئيس بايدن لإسرائيل.
فبدلاً من أن تستمع إلى حدسها وتكون أكثر انتقادًا للممارسات الإسرائيلية وأكثر صراحة في دعمها للحقوق الفلسطينية، استمعت إلى المستشارين السياسيين الذين حذروها من «إثارة المشاكل» في هذه «القضية الحساسة». لم يدرك المستشارون والعاملون في الحملات الانتخابية ومحللو الإعلام التغيرات التي كانت جارية آنذاك، ولا يزالون عاجزين عن إدراكها الآن.
إنهم عالقون في دوامة زمنية تنظر إلى السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، وكأن العامين الأخيرين من حرب الإبادة الإسرائيلية لم يحدثا. لكنهما حدثا بالفعل، وكان لهما أثر تحويلي. وكان يُقال سابقًا، إن انتقاد إسرائيل أشبه بلمس «سلك كهرباء» في السياسة الأميركية، تجنبه وإلا ستُصعق. وبطريقة ما، لا يزال الأمر كذلك، ولكن بشكل معكوس. فقد كان دعم إسرائيل في السابق شرطًا أساسيًا لمرشحي الكونجرس. أما الآن فتُظهر الاستطلاعات أن الناخبين أقل ميلاً للتصويت للمرشحين الذين يرفضون انتقاد إسرائيل أو الذين يتلقون أموالاً من لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل. ومع اقترابنا من انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يُمكننا أن نتوقع المزيد من المرشحين الذين ينأون بأنفسهم علنًا عن السياسات الإسرائيلية. كما يمكننا أن نتوقع أن تشعر الجماعات المؤيدة لإسرائيل بالذعر وتزيد من إنفاقها عشرات الملايين لهزيمة المرشحين المنتقدين لإسرائيل.
وأعتقدُ أن هذا قد يأتي بنتائج عكسية، كما حدث في الانتخابات الخاصة الأخيرة لمجلس النواب في نيوجيرسي، لأن ما سيثير الجدل في عام 2026 هو السياسات الإسرائيلية ومساهمات الحملات المؤيدة لإسرائيل، وليس العكس.
وكلما أدرك المحللون والمستشارون ووسائل الإعلام ذلك مبكرًا، كان ذلك أفضل لسياساتنا.
في ضوء هذه الخلفية، فإن السعي لإجبار الحزب على نشر تقرير تحليلي ليس بالأمر المهم. بالتأكيد، إن وُجد، يجب نشره، لكن الأجدر بنا أن نركز اهتمامنا على دعم المرشحين الذين يرفضون قبول تبرعات لجان العمل السياسي المؤيدة لإسرائيل، والذين يتبنون برامج انتخابية تتحدى سياسات الماضي الفاشلة. كما يجب أن ننضم إلى العدد المتزايد من أعضاء «اللجنة الوطنية الديمقراطية» الذين يدعون الحزب إلى حظر التمويل الخفي في الانتخابات. هذه حالة يكون فيها التطلع إلى المستقبل، لا إلى الماضي، هو السبيل الأمثل لإحداث التغيير الذي نحتاجه، ولنكون حيث يقف الناخبون «الديمقراطيون» بالفعل.
* رئيس المعهد العربي الأميركي – واشنطن


تعليقات