عبدالله الصعفاني*
لكل يوم درامي شمس وريح، ولكل ليلة كوميدية أو تراجيدية قمرها والنجوم.. إلا في الدراما اليمنية.
ليس معك إلا الحاصل وهكذا.. واللي مش عاجبه يرقد بعد التمرة الأولى من الفطور.
* كُنَّا في سنين سابقة نتضايق من ظهور الممثلين بهيئة رثَّة، في الملبس وطريقة الكلام، وإخفاء بعض الأسنان، فصرنا نشكو في المواسم الرمضانية الأخيرة من استعراض كلامي يتجاوز الواقع، ويقدم ماهو بدوي وريفي بصورة “أُوفر” لا تشبه أهل الجبال ولا أهل الصحراء، مع إطلالات “رمسسة” درامية سامجة تحمل الكثير من الخفة والتطويل المستفز، مع أن سياق المشهد الرومنسي الطبيعي لا يحتاج لأكثر من مفردة ذكية عابرة أو إيحاء يحترم فيه الممثل “الحِبِّيب” ذكاء المشاهد اللًبيب.
* عبط، لا يذكي حتى روح الدعابة البريئة، ولا يكشف عن أفكار ترتقي بالذوق العام، ولا يخلق وعيًا مجتمعيًا، وإنما يسحب الوعي إلى الخلف، ويروّج للعنف على طريقة مشهد رمضاني مبكر جدًا قال فيه أحد الممثلين كلامًا جميلاً تَغنَّى فيه بالوطن من موقع الانسجام مع المبادئ، فكان عقابه أن قام النافذ بتصويب مسدسه عليه وقتله في الحال.
ويتدخل ضابط الأمن الحاضر في المكان ليقول بصورة صادمة: ما كانش في داعي تقتله بالطريقة هذه ياشيخ.
العيون عليك كثيرة هذه الأيام.. كنت با تصبر عليه شوية وأنا شاصفِّيه بطريقتي.. هكذا.. بكل سهولة.
* ما هذا الكلام..؟
رجل أمن يرتدي الزي الرسمي الأمني من موقع الضابط، وتكون هذه لغته أمام جريمة قتل..!
أي رسالة بائسة وأيّ قيمة مشوَّهة تروِّج لأنْ يكون حاميها ليس حراميها، فحسب، وإنما قاتلها أيضًا..!
ويصدمك آخر بعد لحظات بمشهد أحد عناصر المسلسل وهو يقسم أنه سيقتُل خصومه “حتى لا يبقى من “يُخبِّر” ولو ما بقي في الهواء رأس..” أما وأنا أبحث عن عنوان لهذا المقال، فكان آخر ما علق في ذهني هو قول ممثل:
أمانة لو يقرب إن دمه دم حنش..!
* وهنا أسأل.. هل المشاهد اليمني ناقص استبساط للدماء في دراما عجيبة تخلط الإعلام بالإعلان بنفس الممثلين، حيث لا تفرِّق كمشاهد بين سياقات المسلسل وبين إعلانات الحفاظات والزبادي والصابون والشاهي، والهواتف النقالة، وبين فاصل وآخر تتداخل سياقات الدراما مع إعلان رغبة الممثل في خطبة فتاة بشرط أن تكون بقوة خمسين ميغا بكسل.
* لماذا هذا الفقر في أفكار من يكتب القصة، ومن يضع السيناريو، ومن يمثِّل..؟ ومن يقود الأعمال من موقع المخرج، وقبلها من يموّل؟
* لقد ضاق الناس بأخطاء الرمسسة المفرطة أوقات تناول أفراد الأسرة شفوت الإفطار وفتة السحور، وارتداء الممثل لأكثر من كوت في مشهد لا يستدعي التغيير، وتقديم رُزم الفلوس في شكل أوراق البطة، ورفض مواطن تقديم الشال الذي يرتديه لربط جروح طفل مصدوم وينزف، لأن الشال جديد حسب تعبير صاحب الشال.. وكذلك المبالغة في تحويل الشيخة رشة إلى قبيلي عسر، بالحق وبالباطل تحت شعارها البندق أو الطوفان.
* نعرف دلالة أن يكون الإنتاج الدرامي حصاد ضيق الوقت، وضيق الأفق، وضيق حالة اليد التي جعلت الممثل صلاح الوافي يقول ذات لقاء: تمثيلي في المسلسلات طِلبة الله وشقاء على البطن والأسرة، وليس توصيل رسالة.. ماذا نريد بعد هذا الكلام..؟
* الإخوة كُتَّاب القصص والسيناريوهات والمخرجون، وحتى من يمولون الأعمال الدرامية:
اتقوا الله في المشاهدين، وفي الممثلين الذين يقبلون بالحاصل من الأدوار في ظروف صعبة.. حافظوا على ما تيسر من البريق في الدراما اليمنية، حتى لا تظهر مستفزة للقريب والبعيد..!
ولا بأس من الفنتازيا، ولكن مع تركيز على المضامين.
* وبرجاء.. لا تجعلوا الدراما اليمنية مجرد متواليات من حريق الدم، وإتلاف الأعصاب..! هل أزيد..؟
اللهم إني صائم.
* كاتب يمني


تعليقات