Accessibility links

وجدي الأهدل*

صدرت عن دار روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة المتتالية القصصية “همهمة تاوس” للقاصة اليمنية رانيا رسام، وهذه القصص التي صدرت في باكُورة عامنا هذا (2026) تستحق القراءة والتأمل فيها مطولًا، لأن سطورها تكشف عن خيال إبداعي مجنح، وتوظيف فني ناجح للأساطير والظواهر الباراسيكولوجية والمرويات الشعبية، في نسيج سردي مترابط، وحبكات متشابكة تشبه أحجية الكلمات المتقاطعة، وشخصيات تواصل الظهور من نص قصصي لآخر، ومن كل قصة نحصل على قطعة تُكمل لنا رؤية المشهد بتمامه، ما يذكرنا بلعبة بازل (Puzzle) التي تتكون من قطع صغيرة تبدو في البداية عشوائية لا تعطي شكلًا محددًا، لكن مع التقدم في القراءة وترتيب تلك القطع في ذهن القارئ ينهض من العدم عالم نابض بالحياة والحكايات والمعاني المضمرة.

البناء الفني المتطور جعل هذه القصص تتموضع في منطقة وسطى بين القصة والرواية. فالعمل يبدو كرواية منثورة في عشر قصص قصيرة، جاءت على النحو التالي:

نصوص “همهمة تاوس”:

وشوشة، هاجس، جلجلة.

نصوص “الذي لم يقرع الباب”:

ارتطام، انعتاق، امتداد.

نصوص “واقفًا على العتبة”:

حاجز، أمواج، سقفها.. سماء، هامسون وراء العتبات.

ولعلنا نلاحظ أن هناك مخططًا هندسيًا واضح المعالم، وبناءً فنيًا متقنًا، فهذا الصرح السردي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة فصول، وكل فصل يتكون من ثلاث قصص تقريبًا.

وهذا طراز في المعمار القصصي قلَّ أنْ يوجد له نظير في الأدب القصصي اليمني والعربي، ويحتاج مهارة عالية وجلدًا في التركيب وهندسة النص، بما يتيح للقارئ المشاركة الذهنية النشطة الفعالة في بناء وتركيب كل قصة على حدة أولًا، ثم دمج القصص في صورة عامة بديعة الخلق والتكوين.

“همهمة تاوس” كما أسلفنا، حققت نبوغًا في اللعب السردي، فهي مغامرة فنية جريئة تشكل إضافة للأدب اليمني وللحداثة السردية، وعلامة على اكتساب القاص اليمني القدرة على تجاوز السردي التقليدي المبسط، إلى سرد تقني معقد، يتطلب من القارئ ذكاءً ودربة في قراءة الأدب الحديث.

فهل اكتفت رانيا رسام بالتركيز على الألعاب السردية الشكلية وأهملت المضمون؟ ما هو مبهر في هذه المتتالية القصصية “همهمة تاوس”، أن المضمون أتى غنيًا بالمعاني المتوارية خلف السطور، فتحقق التوازن الذهبي مع الشكل الذي أتى أبدع ما يكون.

ومن عناوين العتبات والقصص نستشف عالمًا مفتوحًا على مصراعيه للتأويل، وأبواب التأويل لا نهائية كما نعلم، فلكل قارئ مَزيّة التأويل كما يشاء، بما يتناسب مع فهمه وإدراكه، فهذه متعة مضافة يجتنيها القارئ، وثمرة تُلقى في طبقه فيتذوقها ويبقى طعمها كسرٍّ يخصه وحده.

ليست المؤلفة ملزمة بأن تهب القارئ المعنى النهائي، ولو فعلت لتدنى عملها إلى مستوى الأعمال القصصية المتواضعة فكرًا والفقيرة روحيًا.

في القصص العشر شطحات تذكرنا بشطحات المتصوفة، وشذرات نفسية وحلمية تستغور أعماق اللاوعي، وتلويحات من العوالم السفلية للجن والأشباح والكائنات الخفية.

ما يلفت الانتباه بشدة في “همهمة تاوس” هو اللغة التي استخدمتها رانيا رسام في قصصها، فهي لغة شعرية – طقوسية، واستعارة لسان العوالم الباطنية الهامسة وتمتماتها وغموضها.. فهي لغة ذات إيقاع مناسب لسياقها، وتساهم في إحداث الأثر الفني المطلوب في نفس القارئ:

“في داخل الروح شيء… نور ونار… قدرية اللقيا، وشيء من سراب.

في داخل الروح وجه يحاور نظرتك… صوت كماء في عروقك…

كحديث نفسك في المساء

قد كنت قبل الآن تقترض الوجوه… عن ماذا تبحث؟!

وجه هنا، متأكد من رؤيتك.. الصوت يرقص في ضلوعك…

شخص يخالط ذكرياتك…

شخص كشريان فؤادك

قالوا تلكأت الرؤى، دارت كثيرًا في مسارك؛ لم تزرك عبثًا يقولون، فأنت تعلم دون غيرك:

في الروح شيء” ص5.

تنجح رانيا رسام في توظيف تقنية سردية لا يتحدث عنها النُّقاد عادة، رغم أنها عامل من عوامل نجاح العمل: الغموض النصي المدروس.

الإبهام عنصر تشويق يحفز القارئ ويثير فضوله المعرفي.. وفي متتالية “همهة تاوس” لم يعد (الغموض) عنصرًا من عناصر العمل فقط، بل استراتيجية نصية.

كل من سوف يسعده الحظ بقراءة هذه القصص سوف يقع أسير الحيرة والتحدي لرؤية ما وراء ضباب الكلمات الملغزة، وفك شفرة شخصياتها التي تحمل أقنعة وإسقاطات رمزية.

ويبدو أن قصة “جلجلة” وبطلتها برلنتي، فيها ما يشي بالبذور التي انبثقت منها “همهة تاوس”:

“برلنتي، في الخامسة والثلاثين من عمرها، باحثة في الظواهر الغريبة والقصص غير المحلولة. عنيدة، وصارمة، ورثت عن والديها، عالمي فلك لا يعترفان إلا بالقوانين والأرقام، حب الدقة والانضباط، لكنها اختارت أن تسلك طريقًا مغايرًا”ص38.

ما أوردناه آنفا مقدمة قصة “جلجلة”، ومنها نستنبط الجو العام الذي من هبوب رياحه كُتبت قصص المتتالية.

حصلت (برلنتي) على منحة دراسية، فقررت أن تدرس ظاهرة علمية لم يتوصل العلم إلى تفسيرها، هي ظاهرة “همهمة تاوس”. تحصل على إذن خاص من الجامعة لزيارة منطقة محظورة تشيع فيها هذه الظاهرة، هي قرية “جلجلة”:

“هُجرت تلك الأرض قبل نحو خمسين عامًا، دون تفسير قاطع. تقول بعض الروايات إن ضجيجًا يصم الآذان دفع أهلها إلى الرحيل. وأنه لا يزال يتردد في أرجاء المكان. الغريب في الأمر أن الزائر العابر لا يسمعه، لكن من يمكث هناك لساعات يصاب تدريجيا بلوثة سمعية تجعله يهذي بأحاديث غريبة. وهناك من أقسم أنه رأى هلوسات ومشاهد تظهر فجأة ثم تختفي” ص42.

الجدير بالذكر أن همهمة تاوس (Taos Hum) ظاهرة علمية حقيقية، تم رصدها لأول مرة في عام 1992 بمدينة تاوس بنيومكسيكو الأمريكية، وبعد ذلك تم رصدها في مناطق متفرقة من العالم، وهي طنين مزعج بقوة تردد 66 هرتز، الذين عانوا منها قالوا إنها تؤثر على جودة الحياة، وسجلت بعض حالات الانتحار بسببها. التحقيقات لم تحدد مصدرها بشكل قاطع، والتفسيرات التي تم الإدلاء بها تتراوح ما بين أنها أصوات جيولوجية طبيعية (أنشطة زلزالية)، أو من مصادر عسكرية (إشارات راديو منخفضة التردد)، أو طبية (طنين عادي في الأذن)، وأما التفسير غير العلمي فالقائل إنها أغنية الأرواح الضائعة.. وعلى ما يبدو فإن القاصة رانيا رسام تنحاز للتفسير الأخير وتتبناه، وقد وفقت في ذلك إلى حد بعيد.

* روائي وكاتب يمني.

تعليقات