Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*

فتيان عاطلون تركوا تعليمهم وتاهوا في الطريق محبطين بلا أحلام وبلا طموح أو أمل، ووجدوا في غياب مشروع الدولة الحاضن للكل جماعات دينية منتشرة في الحارة أحاطتهم بمشاعر الذنب واستدرجتهم بسهولة إلى حلقات دروس وعظية وأخذتهم إلى رحلات ترفيهية وإلى أنشطة غسلت أدمغتهم خلالها في مهام تدريبية باسم حماية دين الله.

وخلال ظرف وجيز أطلقوا اللحى، وحفوا الشوارب، وتخلوا عن أسمائهم التي اختارها لهم آباؤهم الطيبون، وأصبحوا بين الناس في الحارة فتيانًا آخرين غير الذي كانوا عليه من قبل ! 

“عبده” قلَب اسمه “أبو مصعب”، ومُقبل سمى نفسه “البتار”، و”فارع” أصبح ينادى عليه في الحارة “الزبير بن صقر”، وعبادي قد بيصيحوا له “سعد بن عبادة”، وحمادي بن سيف قد اسمه “أبا عُلثمه”، وصالح الفرداع صار أميرًا يلقب بين الناس بـ”الشيخ أبا سراقة”، ومهيوب المقرمط أصبح يكنى “قرمطة بن الورد”، وتحصلهم كل يوم يتحادفوا في الشارع وقت السلام:

–  أهلاً أبا سُراقه

– أهلاً أبا عُلثُم 

وتشعر وأنت تسمعهم يتبادلون الألقاب والكنى في الطريق بأنك تمشي في يثرب.

ولم يقتصر الأمر عمومًا على الفتيان في حارتنا فقط، بل وحتى الفتيات اللواتي التحقن بحلقات الدروس الوعظية صار لهن أسماء غير التي كن عليهن من قبل.. حليمة بنت قماش انضمت للقافلة، وقلبت اسمها “أم زُهير”، وزكية بنت النجار أصبح ينادى عليها “نسيبة بنت كعب”،  وصاحبتها “لول بنت شمسان” قد بيصيحوا لها في الحارة “ذات النطاقين”، و”حسناء سعيد” مسمية نفسها أم الشهداء، وعادها مش متزوجة أصلاً !

وبمرور الوقت أصبح “ناجي المفت” شيخ يفتي في علوم الأجنة، وهو جني من حق الجن. 

و”قائد حزام” أصبح يتحدث عن الطاقة الشمسية، وهو إنسان متزمت أصلاً، وما يخلي أخته تبدي على جارتها من طاقة البيت! 

و”غالب المقشر” الذي لم ينهِ تعليمه الابتدائي أصبح بين الناس في الحارة طبيب أعشاب يعطي المرضى وصفات عشبية مع دعاء مرفق يقول بأنه شفاء لكل أمراض العصر والمغرب والعشاء.

وتجي تكلم الواحد منهم عن أهمية التعليم، وأهمية الحصول على الشهادة، يضحك ويقولك “تعليم موه؟”، ويقوم ذيك الساع يكلمك عن أهمية الشهادة في سبيل الله كأهم شيء يمكن أن يخرج به الإنسان من الحياة ! 

وتقوله يا أخي العلم في سبيل الله عاده أطعم، يقولك:

– ناهي لك، والذي اتعلموا ما استفادوا؟

ويؤشر بإصبعه إلى فلان وزعطان وفلتان من جملة الناس اللي غضب  الله عليهم وتعلموا وفي الأخير “تقعللوا” في البيوت وما حصلوا عمل؟!

وبين هذا وذاك أراد أحد الجيران البسطاء في الحارة أن يطمئن تمامًا على مستقبل ولده “عبد الشكور” من الصحبة البطّالة، ومن عيال السوق، ولم يجد أفضل من أن يربطه بمجموعة أبا سراقة. 

وانخرط الفتى ذي الرابعة عشرة سنة معهم في دروس الحلقات الوعظية وفي الرحلات، ولبس القميص القصير، ووضع المسواك في جيبه، وأطلق للحيته الملساء العنان، وحف شاربه الخفيف، وغيّر اسمه، وأصبح يكنى بين الناس في الحارة باسم “أبو البراء”. 

وكلها أشهر قليلة فقط وأصبح الفتى أبو البراء متدينًا يراقب المجتمع وأفراد أسرته كلهم  ليجد الأب نفسه أمام غلام متزمت يدعوه لترك المعاصي وبيع التلفاز!

ووجدت الأم نفسها هي الأخرى محاصرة بقائمة مواعظ يومية لا تنتهي عند مسألة صوتها الذي يرتفع حين تنادي جارتها من شباك المطبخ لتسألها عما إذا كان زيت الخروع ينفع لجعل طبق المكرونة يبدو شهيًّا، ويفيد صحة الأولاد على اعتبار أن أولادها أغلى ما لديها. 

ووجدت الأخوات أنفسهن محاطات بالريبة وبالشكوك من كل مشوار يقُمن به خارج البيت !

ولو استهجنت الأم تصرفاته المتزمتة، وقالت له في يوم: 

– مله مش أكه يا ابني.

يصرخ أبو البراء في وجهها بكل صوته “هذا دين الله”. 

ولم تعد الجنة المأمولة بالنسبة إليه تحت أقدام الأمهات، بل أصبحت تحت لحيته المتسربلة بخفة على مساحة من وجهه الذي لم يعد يضحك كما كان لأن كثر الضحك يميت القلب!

وكان قد أصبح خطيبًا في الجامع، وشيخًا فقيهًا يلقي على الصبيان في حلقات الدروس محاضرات وعظية، ينصحهم فيها بألّا تغريهم علوم الغرب الكافر، وألّا يغريهم التطور والانحلال الذي وصل إليه أعداء الله وأعداء الإسلام، ولا يكف مطلقًا عن احتقار العلم والتقدم. 

وكان دائم الصراخ في خطبه وفي دروسه الوعظية، يقول: “نبينا الأعظم محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب!”..

ودائمًا يفخر بينهم، ويقول: “الحمد والشكر لله أنه لا يوجد في بيتي تلفزيون ولا مذياع ولا ستلايت ولا مجلات ولا صحف، ولا أيّ من تلك المنكرات التي لا تدخل مع الإنسان إلى القبر !”

وبعد عام من ارتباطه بالجماعة أصبح أبو البراء أميرًا في الجماعة، وشيخًا يفتي في كل شيء، وأيّ شرف كبير يناله جاهل في مجتمع أمي فقير أ كثر من أن يحاط بمثل تلك القداسة، ويتفرغ بسببها لتأديب المجتمع الفاسق !

وبعد سنتين بلغ الشيخ الأمير أبو البراء من القداسة مكانًا عليًّا جعله يلعب دور المربي لصبيان الحارة، وأخذ عصاه في إحدى المرات وراح يضرب بها صبي يتيم أمام إحدى النسوان الجازعات في الطريق ولما ساءها المنظر، وتألمت لبكاء الصبي صاحت في وجهه، وقالت له بصيغة عتب: 

– حرام عليك تضربه كذا.. أقهرتني علوه، وانت داري انه يتيم..

رد عليها بجزم:

– أما اليتيم فلا تقهر.. ولا تقهري علوه !، والضرب هو لصالحه لأجل يتأدب ويصلحه الله إنسان نافع لدينه ومجتمعه. 

كاتب يمني ساخر*

   
 
Advertisements

تعليقات