Accessibility links

وجوهٌ يمنيّة بألوان القهوة في احتفالية مُدهشة للتشكيلية ألطاف حمدي


صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري:
تهوى التجريب، ولا تتوقف عن التنقل بين التقنيات بهدف اكتشاف قدراتها كفنانة وطاقات خاماتها كلغات؛ وهي قدرات مكّنتها من امتلاك مهارات التصوير والنحت بآفاق واسعة. وتُمثل تجربتها بالرسم بالقهوة مِن أهم محطات دأبها التشكيلي في السنوات الأخيرة، وتميّزت، في هذه التجربة، بامتلاك ناصية التعبير من خلال ألوان القهوة اليمنيّة، وقبل ذلك كانت متميزة في اكتشاف طاقات درجات الألوان المنبثقة عن خامة القهوة وخامة النورة (النورة مادة تُطلى بها واجهات المباني الطينية في بعض مناطق اليمن) في سياق سعيها للتعبير عن الشكر لأعلام يمنيّة في مجالات مختلفة من خلال تجربة احتفائية تستخدم فيها خامات من صميم ثقافة وحضارة بلدها.

Advertisements

 تستند التشكيلية اليمنيّة ألطاف حمدي، وهي حاصلة على دكتوراه في فلسفة التربية الفنية من جامعة الملك سعود، إلى رؤية محورها أن القهوة أحد أبرز ملامح الثقافة اليمنيّة، باعتبار اليمن أحد مصادر البن في التاريخ القديم، وبالتالي فاشتغالها على هذه الخامة يأتي في سياق مبادرة للاحتفاء بهذه الثقافة، لا سيما وأنها رأت أن تشتغل، من خلالها، على وجوه يمنيّة تُمثل أيقونات ثقافية في التاريخ المعاصر اليمنيّ مثل: الشاعر عبدالعزيز المقالح، الشاعر الراحل عبدالله البردوني، الشاعر والمؤرخ الراحل مُطهّر الإرياني، الفنان الغنائي أيوب طارش، التشكيلية آمنة النصيري، والإعلامية والأكاديمية الراحلة رؤوفة حسن، وغيرهم… احتفت بهؤلاء في لوحات مؤثثة بخامات القهوة، وقدّمتهم في معرضها الشخصي الرابع بعنوان “خالدون في مرايا القهوة” الذي أقيم بصنعاء عام 2019م، وأعادت تنظيمه في الرياض، حرصًا منها على التعريف ببلدها.

ألطاف حمدي مِن أبرز فناني المحترف التشكيلي اليمني، وتمتاز بمثابرتها على تطوير قدراتها ومعارفها؛ فنالت البكالوريوس في التربية الفنية في جامعة ذمار/ وسط اليمن، وتمكنت، خلال دراستها الجامعية، من امتلاك أدوات لغة تشكيلية تعبيرية استطاعت بواسطتها أن تُقدّم نفسها بقوة في المحترف اليمنيّ، وما زالت تجربتها تتنقل بين الأعمال الانطباعية وما بعد الانطباعية، وصولاً إلى التعبيرية والتجريد التعبيري، وتجريبًا في التكعيبية وغيرها من المدارس في سياق التعبير عن قضايا عديدة.

في معظم لوحاتها تستمد المنظور من البيئة المحلية، ويُمثّل التراث اليمني معينًا مهمًّا لتجربتها، كما استفادت جيدًا من تجربتها الأكاديمية في تطوير رؤيتها وتقنياتها الفنية، لا سيما وأنها نالت الماجستير ومن ثم الدكتوراه في ذات المجال، واستطاعت بلورة رؤاها تجاه الفن والتراث دون خصومة مع الحداثة؛ متجاوزة التصوير إلى النحت؛ لتقدم تجربة تشكيلية لافتة. ففي التصوير استخدمت الألوان الزيتية وألوان الاكريلك في إنتاج لوحات مختلفة التقنيات، وتميزت بقدرتها على المزج المدرسي في اللوحة الواحدة، كما تنقلت بين أدواتها من الفرشاة إلى السكين، وصولاً إلى استخدام الجرافيكس وتقنيات الحاسوب… وفي غمرة هذا التنوع التجريبي التصويري جاءت تجربتها بالرسم بالقهوة، وهي تجربة لم تكن تجريبًا جافًّا، بل كانت ترجمة لرؤية واعية بما تريد التعبير عنه من امتنان لبلدها من خلال تصوير مجموعة من الوجوه بخامات يمنية خالصة.
استخدمت ألطاف خامة القهوة على اللوحات القماشية بخلفية مؤسسة بخامة (النورة).

والتزمت في تجربتها مع الرسم بالقهوة أسلوبًا تعبيريًّا استطاعت من خلاله تجسيد وتصوير تشكيلي لشخصيات يمنيّة من خلال ألوان مختلفة، هي جزء من هُوية بلدها؛ فكانت هي خامتها للتعبير عن هُوية تسكنها، وهي هُوية هذا البلد من خلال تصوير مجموعة من أعلامه، كما أن هذه المجموعة لا تختزل أعلام اليمن بقدر ما هو احتفاء بها من خلال تجسيد مجموعة منها من مختلف مناطق البلاد.

تقنيًّا.. .التعامل مع ألوان القهوة هو قريب من التعامل مع الألوان المائية، وبالتالي تحتاج هذه الألوان تعاملاً هادئًا ورؤية واضحة، لا سيما وأن القهوة خامة ثرية لا تحتاج لإضافة أي لون تقليدي، فما تحتاجه هو إدراك ومعرفة طاقات الألوان وتدرجها.. فاعتمدت ألطاف على ألوان النورة في خلفية اللوحة، مستفيدة من لونها في منح اللوحة ضوءًا يبرز من خلاله الوجه، فيما استخدمت ألوان القهوة في تجسيد ملامح الوجوه.

موضوعيًّا… اشتغلت ألطاف على الوجوه بحرفية تجسيدية حرصت، من خلالها،  على تجسيم الملامح بروحها اليمنيّة من خلال التعامل الدقيق مع التكوين والتلوين، فتحضر خصوصية كل وجه، وما يتميز به باعتباره مركزًا للنص البصري الاحتفالي.  

تحكم أعمال ألطاف حمدي جمالية عالية مستمدة من تراث بلدها؛ انطلاقًا من إيمانها بخصوصية البيئة المحلية، وأهمية إعادة اكتشافها جماليًّا انطلاقًا من فلسفة فنية تؤمن بالإنسان مكونًا جماليًّا يُعيد، من خلاله، الفنان تجسيد معانيه الثقافية، وصولاً لتقديم نص بصري استخدمتْ فيه خامة ذات دلالة رمزية تستطيع من خلالها إنجاز محاكاة واقعية لوجوه يمنيّة لهم إسهاماتهم في خدمة الإنسان.
في بروترياتها، التي قدّمتها بألوان القهوة، نلاحظ مدى ولهها بالتفاصيل؛ فنجدها تقدم الوجه بملامح شعورية تعكس خصوصية التجربة الثقافية لصاحب الوجه، وكم كانت مبدعة في اكتشاف طاقات تدرج ألوان القهوة واستخدامها في تجسيد تفاصيل المنظور، وكم كانت بارعة في المواءمة بين ألوان (النورة) كخلفية، وألوان القهوة كمركز التكوين، وفي هذا استخدمت بمهارة درجات ألوان القهوة (الذهبي والبرونزي والبنّي ذي الملمح الأسمر) لتأكيد هُوية عملها التشكيلي… كما أنها استطاعت توظيف استخدام اللوحات القماشية لصالح التجربة، فبقدر ما تجعل هذه اللوحات مهمة الاشتغال بألوان القهوة أصعب، إلا أنها طوعتها واستفادت منها، واستطاعت، في الأخير، تقديم نصوصها البصرية مكتملة على صعيد الاشتغال تكوينًا وتلوينًا وتجسيدًا في سياق اهتمامها بالدلالات والرموز البصرية الكامنة في التراث اليمنيّ الثقافي والحضاري.
في محاولة للاقتراب كثيرًا من هذه النصوص نقف أمام بروترية الشاعر الراحل عبدالله البردوني، وسنلاحظ، أولاً، قدرتها على ضبط إيقاع الضوء الواقع على مركز الوجه والظل الجانبي للوجه يمينًا؛ فتعاملت مع انعكاس الضوء على الوجه بتدرّج لوني متناغم، بدءًا من الجبهة (ناصية الوجه) وجانب الوجه يسارًا بما فيها الأذن، وهو تدرج لوني يقل بياضه كلما نزلنا للأسفل في منتصف الوجه المقابل للضوء… وسنلاحظ كيف تعاملت مع منطقة العيون والخد والذقن وغيرها من التفاصيل التي تناغمت وانسجمت لتُبرز ملامح الوجه، وفق رؤية أرادت من خلالها أن تعكس خصوصية هُوية صاحبها في نص بصري مدهش… (وإن كانت مقاييس التقاسيم في بعض الأعمال ليست مضبوطة كثيرًا، إلا أن هذا لا يظهر للمشاهد العادي)… وفي نفس الوقت يمكن التوقف على الظل كخلفية جانبية للوجه والذقن وتدرجها اللوني الأسود وصولاً إلى البنّي الغامق… وتعكس خلفية اللوحة بألوان خامة النورة ضوءًا تتضح من خلاله ملامح البروترية كمركز المنظور.

وكذلك الحال مع صورة الفنان أيوب طارش، حيث نلحظ التدرج اللوني من الأسود إلى البني والذي يليه، تصاعدًا من الزاوية السفلية اليسرى، وصولًا إلى الزاوية العلوية اليمنى… وكذلك الحال في التدرج اللوني من النصف السفلي إلى النص العلوي… فثمة طاقات تتجلى تعبيرًا عن خصوصية الشخصية ثقافيًّا… وهو ما يمكن قراءته في مجمل النص البصري للوجه.
نظمت ألطاف حمدي خمسة معارض شخصية، وشاركت في عددٍ من المعارض والفعاليات التشكيلية (يمنية وعربية ودولية)، وحازت عددًا من الجوائز.

Advertisements

تعليقات