Accessibility links

عبدالباري طاهر*

تقتربُ الحرب في اليمن من العام السابع. هذه الحرب قتلتْ ما يزيد عن مئتين وسبعين ألفًا، وشرَّدتْ عن الوطن ما يزيد عن أربعة ملايين، وهدمتْ البنية التحتية الضعيفة والهشّة، وخلقتْ عدة كيانات تتفردُ بها عصابات المليشيات المسلحة الخارجة عن النظام والقانون، والموغلة في الهمجية والتوحش.

Advertisements

تجمع التقارير الأممية الموثَّقة، ووكالات الأنباء، والمحللون السياسيون أنّ اليمن يعيشُ أسوأ كارثة تشهدها البشرية في هذا العصر. فقتلى المجاعة يتجاوزُ قتلى الحرب، وقتلى الأوبئة الفتاكة ليس بالقليل.

يُدركُ العالَم المتحضّر أنّ بقاء الكيان اليمني رهن بإحلال السلام؛ فالحرب دمّرت الكيان اليمني، وقتلتْ الإرادة الوطنية، وأحالتْ الحياة إلى جحيم.

الملايين من الفلاحين، وهُم الغالبية العظمى من السكان، لا يستطيعون فلاحة أرضهم بسبب تغوُّل الحرب وامتدادها في البلاد، أو بسبب التجنيد الشامل للشباب ولليد العاملة وحتى للأطفال، أو بفرض الحصار الشامل الداخلي والخارجي، وانعدام المشتقات النفطية.

العمال والصيادون وأصحاب الحوانيت والطلاب عاطلون كلهم، ولا يجدون قُوْتهم اليومي، حتى التجار الكبار تعطّل عملهم. أكثر من 80% من السكان بحاجة إلى المساعدة الغذائية، وكلّ الطاقات معطَّلة ماعدا الحرب وتجارتها، وتُحذِّر الأمم المتحدة من مجاعة في اليمن هي الأسوأ عالميًّا.

مرتبات ما يزيدُ عن مليون ومئتي ألف من الموظفين، ممن يعولون قرابة الخمسة ملايين (أسرهم)، مقطوعة، أو يجري التلاعب بها – أيضًا – من قِبَل تجار الحروب.

إنّ الثلاثين مليون يمني مهددون بالفناء؛ إما بسبب الحرب، أو المجاعات المهلكة، أو بسبب الأوبئة الفتاكة، أما الكيان اليمني، فيُدمَّر يوميًّا، ولم يعُد وطنًا صالحًا للعيش الآمن والمستقر.

حرب الستة أعوام مزّقت النسيج الاجتماعي، ووضعت اليمني في مواجهة أخيه اليمني، وفرضتْ حرب الكل ضد الكل.

 

لم نعُد نبكي على أطلال الراتب المقبور فحسب، وإنما على الحياة والكرامة والوطن. إنّ تجار الحروب في اليمن تمتد جذورهم العميقة في التركيبة المجتمعية في اليمن، وهم الفاعلون الأساسيون في الحرب، ولا مصلحة لهم في السِّلم؛ فتجارة الحرب – في كل زمان ومكان – هي أغلى وأربح تجارة عبْر التاريخ؛ فالدعوة للسلام ووقف الحرب إضرار بتجارتهم.

المأساة في الحرب المتطاولة في اليمن أنها متداخلة مركّبة ومعقَّدة؛ فهي حرب أهلية تنتشر في طول اليمن وعرضها، وتتمازجُ مع الصراع الإقليمي الإيراني – الخليجي، لتكون حربًا إقليمية بامتياز، ويطغى البُعد الإقليمي على الأهلي، لتتحول اليمن – كلّ اليمن – إلى ميدان قتال، ويصبح اليمنيون أدوات في هذه الحرب التي لا مِعْزة لهم فيها ولا دجاجة، ويرتهن الإقليمي للصراع الدولي الذي يقوده ترامب، ويلعب فيه نتن ياهو واليمين الإسرائيلي العنصري دور البطولة؛ لفرض نهج الاستسلام والرضوخ لقيادة اليمين الفاشي الإسرائيلي على الأمة العربية.

الدولتان العربيتان اللتان تقودان الحرب على اليمن معرّضتان لاستنزاف الثروة النفطية في حرب مآلها البوار. لقد وُظِّفتْ الثروة العربية في محاربة الثورة العربية وتدميرها في العراق وسوريا والسودان وليبيا واليمن، وهي منذورة للحامي الأمريكي والوكيل الإسرائيلي.

الحرب على اليمن ليست معزولة عن الحرب على الأمة كلها ابتداءً من فلسطين منذ 48، و56 العدوان الثلاثي، وحرب اليمن 62 – 68، وحرب 1967، وإذا ما استثنينا حرب أكتوبر، وحرب التحرير في الجزائر، واليمن الجنوبية؛ فإنّ الحروب إما استعمارية مفروضة على الأمة، أو بينية ليست بعيدة عن المكائد الرجعية والاستعمارية.

لن نُقلِّل من مخاطر الحرب على اليمن وكارثيتها، ولكن وبال الحرب وخسرانها لن تقف آثارها عند تخوم اليمن، بل لا بد أنْ تمتد إلى مُشعليها المراهنين على حسم عسكري خلال أسابيع أو شهور. يقول ماركس عن الحرب إنها: “تمتحن الأمة، وكما أنّ المومياوات تنحلّ فور تعرضها للهواء، كذلك تلفظ الحرب حكمها بالموت على جميع المؤسسات الاجتماعية التي لم تعد تمتلك قوة الحياة”.

فالعجز عن الحسم العسكري على اليمن، وكان متوقعًا منذ البداية، حذّر من عواقبه الوخيمة جماعة نداء السلام. يقول لينين: “ما يولد وضعًا ثوريًّا له من غلبة الحصول وشدة الوضوح ما للوضع الذي يولد من حرب خاسرة”.

الرهان الخائب على الحرب الخاسرة لا يمكن أن يتحمل مسؤوليته دعاةُ السلام؛ فدعاة السلام أدانوا الحرب في مستوياتها الثلاثة: (الأهلية، والإقليمية، والدولية)، ورأوا فيها ضجيج قطار صفقة القرن ودخان التطبيع.

 

إنّ الحروب ضد ثورات الربيع العربي كالحرب ضد الثورات العربية، يتشاركُ فيها الاستعمار والصهيونية والرجعيات العربية ودعاة القومية الشوفينيين.

هزيمة الاتجاه العنصري الأمريكي ورمزه ترامب، واهتزاز اليمين الصهيوني داخل إسرائيل يوجه رسالة مفتوحة للأنظمة التابعة في المنطقة العربية التي تولّت تمويل الحرب، والتحشيد لها في البلاد العربية، وقادت تحالف الحرب ضد اليمن لحماية نفسها، ونيابة عن الامبريالية الأمريكية وإسرائيل.

لن نستهين بما يجري في أمريكا، ولا بقوة ومتانة التحالف الأمريكي – الصهيوني، ولكن إسرائيل والأنظمة التابعة تخضع للسيد الأمريكي؛ ومع ذلك فإنّ رهاننا ينبغي أن يركز بالأساس على الإرادة الوطنية اليمنية، وهي وإنْ ضعفت إلا أنها سرعان ما تستعيد عافيتها وعنفوانها، وتحيط بتجار الحروب الفاسدين والمستبدين، كما أنّ كفاح الأمة العربية من الماء إلى الماء رافد قوي للإرادة اليمنية..

 

تحت الرماد شرارةٌ مشبوبةٌ

ومن الشرارة شعلةٌ وتوقدُ

 

كنبوءة شاعر اليمن العظيم عبدالله البردوني؛ فرهاننا – منذ البدء – على أمتنا العربية التي ما تزال تُردِّد: “الشعب يريد إسقاط النظام” في غير مدينة عربية.

نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق

  • 70
    Shares
Advertisements

تعليقات