Accessibility links

فكري قاسم*
من أسوأ عاداتي الاجتماعية التي تسبب لي الإحراج، أني إنسان صحوب أتعرف على الناس بسرعة وأصاحبهم بنفس السرعة ولا أحفظ أسماءهم بسرعة.

Advertisements

أعرف فلان من عشر سنوات، جلست أنا وهوه، جمعني به أكثر من لقاء، لكن تسألني أيش اسمه؟ أعتجم!

فلان درست أنا وهوه، فلان سافرت أنا وهوه، فلان سكنت أنا وهو في عزبة طلاب واحدة، فلان تشاركت أنا وهوه في هدف واحد لفترة معينه، فلان جمعتني به سهرة وجلسنا نضحك كثير، وفلان وفلان وفلان، كثيرون في حياتي، لكن أيش أسماؤهم؟ والله ما لي علم..!

أحيانًا ممكن تجمعني المصادفات بناس يتكرر لقائي بهم بشكل شبه يومي في هذا المكان أو غيره ولو سألتني منو هذا الذي جالس تتكلم أنت وهو؟ شاقولك والله ما لي علم..!

بعضهم من الأقارب أيضًا، التقيهم هنا أو هناك في أكثر من مناسبة، أو في أكثر من لقاء عابر، وأعرف عنهم أشياء كثيرة فين يشتغلوا مثلاً، أين يسكنوا، وأعرف أشياء أخرى عن اهتماماتهم في الحياة، ولكن تقوللي أيش اسمه هذاك الفلان شاقولك والله مالي علم..!

مش لا مبالاة مني والله ولا هو كبر ولا غرور ولا تجاهل ولا نسيان ولا هو حتى دعممة.

الموضوع أكبر من ذلك، وله علاقة مباشرة بحكاية ظريفة ومعقدة حدثت لي وأنا صغير، وأصل الحكاية كما يفترض أن تعرفوها كالتالي:

أبي اسمه قاسم سعيد الصبري، أمي اسمها لطفية حسين أحمد المحني..

تزوجا وانفصلا وأنا جنين في بطن أمي وولدت ورُبّيت في بيت جدي لأمي في حارة الجحملية بمدينة تعز. 

جدي لأمي اسمه حسين أحمد المحني، عشت في رعايته أنا وأمي الصغيرة في السن أصلاً. 

ولما وقع عمري 6 سنين سجلوني في المدرسة باسم فكري حسين أحمد المحني، ووقعت أنا وأمي إخوة في الوثائق حق المدرسة !

وأنا في الصف الثالث الابتدائي تقريبًا بدأت أدرك والدي من خلال ذهابي إلى بيته الذي لا يبعد عن بيت جدي كثيرًا، بداية كل أسبوع بشكل معتاد عشان يجيب لي مصروف المدرسة.

والدي إنسان بسيط يبيع القات في سوق الجحملية، حظه في التعليم غير جيد، يعني يعرف يقرأ ويكتب وبس، ولم يكن يهتم بمشاهدة شهايدي، أو بأي شيء له علاقة باسمي.

(الأخت أمي) هي الأخرى أيضًا كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب.

أخوالي الاثنين ما واحد منهم فكر حتى مرة واحدة يشوف اسمي كيف هو مكتوب في دفاتر المدرسة.  

أنا أيضًا كنت أصغر من أن أدرك كيف يكون أبي الذي أروح أشل منه مصروف المدرسة اسمه في السوق (قاسم سعيد)، بينما الأستاذ في الفصل يصيح لي أثناء التحضير اليومي باسم فكري حسين أحمد المحني، واقول حاضر.

أصحابي في الحارة يصيحوا لي يا فكري المحني، واقول “هاااه ماهوه”.. الجيران لو واحد يشتي مني حاجة يصيح لي “يابن المحني” واجاوبهم “هاااه ماهوه”.

وفي البيت لما جدي أو أي واحد من أخوالي يكون ضابح مني يصيحوا لي “يا ابن الصبري”، واجاوبهم “هاااه ماهوه”.

أمي تشلني معاها المستشفى تتعالج وتعالجني، الذي يقطع لها ورقة المعاينة يسألها منو الذي شيتعالج أنت والا ابنك ؟ 

أمي ترد عليه: 

–  احنا الاثنين

– أيش اسمك؟

– لطفية حسين المحني

وابنك أيش اسمه؟

– فكري حسين المحني ! 

وندخل أنا والأخت أمي نتعالج ولا واحد يلاحظ أبدًا رابط المخوة الوثيق اللي بيني وبين أمي.

في صف خامس ابتدائي نجحت وجيت من الأوائل لأول مرة وفرحت من كل قلبي وشليت شهادتي ورحت أجري بها في عز الظهر إلى المقوات شافرح أبي بين الزبائن في سوق الجحملية إن قد جيت من الأوائل وقد بين أحلم أنه عيشتري لي سيكل هدية النجاح الباهر.

 أول ما وصلت باب الدكان صحت بصوت فرح والزبائن ملان: 

– بارك لي ياباه نجحت وجيت الخامس من الأوائل.

وناولته الشهادة والسعادة ترقص في يدي وأصوات الزبائن في الدكان: 

– مبروووك مبروووك. 

أبي جالس بقعته يتلقى التهاني وهو فرح يقلب الشهادة في يده لأول مرة شاف اسم الطالب: فكري حسين أحمد المحني، مش فكري قاسم سعيد الصبري.

وأنا مش منتبه طبعًا ولا الموضوع في حسي أصلاً، ومراعي أيحين شيتحدفني أبي بين الناس، وايحين شيقولي: مبرووك، وهذا سيكل حق النجاح.

لكن ما دريت إلا وهو يرجم بالشهادة حقي في وجهي قدام كل الزبائن وصوته  يقولّي، وهو ضابح ومطفوح:

– روح فرح أبوك بهذي الشهادة، مو جيت تعمل عندي أنا. 

أربكني الموقف يومها، وأبكاني بين الناس، وطير عليّ حلم السيكل في أهم مناسبة قمت شفتخر فيها باسمي وحزنت وقلت الله يلعنه الذي يزيد يجي من الأوائل.

والله يلعنه الذي يزيد يقع هو وأمه إخوة. 

عشت من بعد تلك الواقعة لأشهر من الحيرة والتوهان مانا داري أنا من؟ ولا أنا ابن من بالضبط، ولا ماهو اسمي الصح! ولا اتذكر الآن طبيعة الظروف التي جرت آنذاك وتم خلالها تعديل اسمي في المحكمة لأنتقل من بعد ذلك الملطام إلى الصف السادس ابتدائي ببودي جديد، أما المكينة فكانت هي نفسها.

صار اسمي في تلك السنة داخل كشف التحضير اليومي: “فكري قاسم سعيد الصبري”، وعانيت كثيرًا في التأقلم معه لدرجة أن الأستاذ في الفصل أثناء التحضير ينادي بأسماء الطلبة وكلهم يقولوا في الرد عليه “حاضر”، وأول ما يصيح: فكري قاسم سعيد، أسمعه واكون ناسي أنه أنا ويسجلني غياب !

أسلم للأستاذ دفتر الواجب اليومي وأنا ناسي أكتب اسمي الجديد. وحتى في الامتحانات الشهرية برضه أسلم ورقة الإجابة بنفس الاسم السابق وهات يا مشاكل أخرى بسببها كرهت اسمي. 

المهم انو ما سلك حالي مع البودي الجديد، ولا ألفت اسمي المكتوب في كشوفات التحضير، وتعودت عليه وعلى نطقه وكتابته إلا وقدنا في صف ثاني اعدادي (ثامن) تقريبًا، ولكن بعد أيش؟ بعد أن أصبحت كل الأسامي في ذاكرتي اليومية مجرد حروف مرصوصة ومسموعة لا أستطيع الإمساك بها أو مجرد بيان حالة للتوثيق لا أهتم به، أو مجرد بودي لموديل  لا يميز هذا الشخص عندي عن الشخص الآخر.

وبمرور الوقت عمومًا كبرت وكبر اسمي وتوسعت علاقاتي وأصبح لكل الناس عندي صور أختزلها في ذاكرتي لمواقف جمعتنا ببعض.

وكل شخص يتكرر لقائي به ولا أستطيع أن أحفظ اسمه أضع له أمارات وعلامات في ذهني تميزه عن الآخرين.

 وأما “هااه يا موسمك”، فهو ما يزال عندي حتى هذه اللحظة الاسم العام لمناداة كل الناس الذين أتعرف عليهم وأتمرن على حفظ اسمائهم. 

وأي واحد عاش هو وأمه إخوة لمدة 12 سنة طبيعي جدًّا، تحصل معه هذه اللخبطة العارمة في الحياة على أية حال.

*كاتب يمني ساخر

  • 1.2K
    Shares
Advertisements

تعليقات