Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل
أرسى الفيلسوف اليوناني (أرسطو) قانون التأليف الأدبي في كتابه “فن الشعر” في وقت مبكر نسبيًّا، حوالي 330 ق.م، أي في فجر الثقافة الإنسانية، ونجد أنه حتى اليوم – رغم مرور القرون – ما يزال قانون “الصراع” راسخًا، وأمرًا مُسلّمًا به، ومن النادر أن يُفكر مؤلف أدبي في الإطاحة بهذا المبدأ الثابت واستبداله بشيء آخر.

كتب أرسطو: “إن الصراع دون حل يؤدي إلى التوتر”، وهذا ما يُشكل تقريبًا وحدات البناء في الأفلام السينمائية والمسرحيات والروايات، وأنماط معينة من الرقص والموسيقى والرسم وغيرها من الفنون.

في فن العمارة مثلاً، تخلق ناطحات السحاب نوعًا من الصراع مع محيطها الطبيعي، والأشخاص من ذوي الإحساس المرهف سوف يلمسون هذا التوتر.

هل حقًّا توصل الفيلسوف الغربي (أرسطو) إلى القانون الأبدي للتأليف الأدبي، وما عاد بمقدور أحد الخروج عليه؟ من الواضح أن الأدب – قديمه وحديثه – المُتداول في العالم يقوم على فكرة “الصراع”، وأي شخص يُمحّص المسألة، سوف يتوصل إلى أن وجود “الصراع” في العمل الأدبي أمر حتمي.

لكن أليس من الممكن أن توجد قِلة تُفكر في المسألة من جذورها، وترجو تغيير هذا القانون الأرسطي، وكتابة نصوص أدبية تخلو من “الصراع”، وتنحو نحو إيقاع خالٍ من التوتر، وسرد تأملي يجلب السلام للنفس؟.. بصورة أخرى، هل من الممكن كتابة رواية مكونة من أربعمائة صفحة تخلو من الصراع؟ وإذا حدث ذلك ألن نتذمر من تلك الرواية ونَصِفُها بأنها مملة؟ الجواب له علاقة بالتجديد الأدبي الذي طال انتظاره من وجهة نظر شرقية.

أحد المبادئ العميقة في العقيدة الطاوية (DAO) ينص على: “الفعل – عن طريق اللافعل”، وإذا أردنا تطبيق هذا المبدأ الطاوي على التأليف الأدبي، فإن هذا يعني أن الشخصية أو الشخصيات التي تحمل سمات الطاو لن تستجيب لآلية التصعيد الدرامي، وستقوم بمقاومة تطوير الصراع، وستسعى لاتخاذ “موقف – اللا موقف”.

وعمومًا هذه الشخصيات موجودة في الحياة، وليست نادرة كما نظن.

كما أننا في سياق معين قد نتخذ موقف – اللا موقف دون فهم دقيق لما نفعله؛ لأنه يبدو كشعور داخلي محض.

لدينا مثال جيد من القرآن الكريم، إذ تظهر شخصية أكثر حنكة من (أرسطو) ولديها القدرة على تفكيك مفعول قانونه الشهير، ويتعلق الأمر بقصة الرجل الصالح مع النبي موسى – عليه السلام، التي وردت في سورة الكهف، وفيها يطلب النبي مُصاحبة رجل أدنى منه مكانة، فيوافق الأخير بشرط أن يتخذ موسى – عليه السلام، موقف – اللا موقف.. لكن هيهات!لم يتحمل النبي موسى – عليه السلام، الأفعال الشنيعة أو العبثية لرفيقه، وفقد صبره واتخذ منه موقفًا.. فعل ذلك ثلاث مرات، وقد غلبته طباعه الإنسانية التي نمت وتجذّرت في تربة العقل الذي لا يرى سوى الظواهر، فاضطر الرجل الصالح لشرح وتبرير أفعاله، مُنهيًا بذلك صحبته القصيرة مع واحد من أفضل الأنبياء على مر التاريخ.

تبدو الجملة الطاوية “الفعل- عن طريق اللا فعل” غامضة، وتحمل بداخلها تناقضًا يصعب حله، لكن قصة الرجل الصالح غير المألوفة تُقدم النصف المُضمر، وتُفسر غموضها الذي يتكشف في سياق الزمن.

ونستنتج أن الرجل الصالح هو رمز له دلالات في العقل الباطن، وعلى ارتباط بما يُسمى فن ترك الأشياء تحدث من تلقاء نفسها.

إن اليتيمين (صاحبي الكنز)، والأبوين (والديّ الغلام)، والمساكين (مُلاّك السفينة)، قد استفادوا من قانون “الفعل- عن طريق اللا فعل” الذي كان النبي موسى – عليه السلام، يجهله.

في القرآن الكريم، تلفت الانتباه تفصيلة صغيرة في قصة النبي يوسف – عليه السلام، حين عُوقب لقوله لساقي الملك:” اذكرني عند ربك”، فلبث في السجن سنوات، ربما أكثر مما لو أنه التزم بالصمت ولم يحشر نفسه في دولاب الصراع.

يقول (لاو تسو) في كتاب التاو تي تشنغ: “طريق السماء حيادي، ولكنه يبقى إلى جانب الشخص الطيب”.. تبدو هذه الكلمات وصفة ذهبية أيضًا للتأليف الأدبي. لكن تطبيقها أمر في غاية الصعوبة، لأن ذلك يتطلب تنحية العقل جانبًا.

يشرح (لاو تسو) جوهر الطريق السماوي:

“ألين الأشياء في العالم/ يقوى على أقسى الأشياء في العالم/ ما لا مادة له ينفذ إلى ما لا ثقوب له/ من هنا جدوى ألا تتدخل في مسار الأشياء/ وأن تُعلم بدون كلمات”.

هذا النمط من التفكير يبدو بعيدًا جدًّا عن الإدراك والتمثّل، ويُناقض كليًّا ما نراه مثلاً في الأفلام السينمائية الأمريكية من نوعية الأكشن التي تُمجّد القوة، وتدمير الخصوم، وتعمل على تمرين عضلة الغرور في نفوس المشاهدين، وزرع وهم خطير التأثير في العقول، مفاده أن البطولة بإراقة الدم، والعنف المباح، وتوصيف الآخر بـ(الشرير)، هي الحل الأول والأخير لمشاكل الحياة، والطريق المضمون لتحقيق احترام الذات.

تنتشر عدوى إنتاج هذه النوعية من الأفلام على نطاق واسع في دول كثيرة من العالم، وثمة اتجاه لإنتاج مسلسلات بعدد مهول من الساعات تحمل هذا الطابع نفسه، وأقل ما يُقال عنها إنها قصص سلبية، ومؤذية للجنس البشري، وهي تتحمل المسؤولية عن جزء لا يُستهان به من العنف المُتكاثر في عالم اليوم.

ماذا فعل الأدب لينجو من هذا المستنقع؟ لقد توصل الأدب “الجيد” إلى القطب السالب (الين) للقانون الطاوي: “الفعل – محاكاة لفعل شخص آخر”، وبهذا الأسلوب الأدبي – الغربي في معظمه، أمكن الاستدلال على القانون الطبيعي، بإظهار نقيضه غير الطبيعي، أي المحاكاة وفقدان الذات لأصالتها، وهذا ما نجده بوفرة تثير الإعجاب في أعمال الأدباء الروس الكبار، وهذا هو السر في عظمتها، وشغف القراء من شتى الأعراق والأديان بقراءتها.

من وجهة نظرٍ بوذية، يمكن وضع التأليف الأدبي السائد اليوم في خانة الوجود الباطل المُتبدّل المُسمّى “سمسارًا”، الذي لا ينتمي لطريق “النيرفانا”.

لو قُيّض لبوذا ملاقاة (أرسطو) وقد أدرك أبعاد نظريته في التأليف الأدبي، لربما قال له: “لماذا تبحث عن التوتر.. أليس الأجدر أن تبحث عن السلام الروحي؟!”، وربما قلب نظرية (أرسطو) الأدبية رأسًا على عقب بمقولة عكسية: “انطفاء الصراع هو الحل المؤدي للسعادة السماوية الكاملة”.

كان رب أسرة يُدعى (سريفالا) يقوم بطقوس وتعزيمات حول بيته بهدف حماية عائلته من الأرواح الشريرة، فأرشده بوذا أن هذه الطقوس ليست كافية إذا هو لم يقم بالأعمال الصالحة، فقال له (سريفالا): “أنت كشفت لي الحقيقة المخبأة كالشخص الذي يحمل مصباحًا في الظلام”.

إن تطور الجنس البشري رهين بتطور الأدب، وكلما تمكن الأدب من تحسين موارده الأخلاقية، وتشذيب الطبائع الإنسانية، فإن هذا سيترك تأثيرًا إيجابيًّا بيّنًا على عملية “الاصطفاء الطبيعي” لدى النوع البشري، وقد يتحقق الأمل الذي ناضل من أجله كل الأنبياء والمصلِحين في جعل الجينات المسؤولة عن حب الخير والعدالة والسلام أكثر شيوعًا في الأجيال القادمة.

لمَ لا يكون مؤلفو الأدب مصابيح تنير ليل هذا العالم؟ المسألة أبعد ما تكون عن المطالبة بتحول الكُتّاب إلى وعّاظ، وإنما المقصود هو طرح قضية محورية في الأدب للنقاش العام.

*روائي وكاتب يمني

   
 
Advertisements

تعليقات