Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*
يفتتح بيتر سلوتردايك الفيلسوف الألماني المعاصر محاضرته عن نيتشه في الذكرى المئوية لوفاته بهجوم حاد: “أيها السيدات والسادة أريد أن أتطرق إلى الحدث النيتشوي ككارثة في تاريخ اللغة، وأن أقيم الدليل على الأطروحة القائلة بأن تدخله الأدبي كصاحب إنجيل جديد يتجلى بمثابة حز في نظام التفاهم الأوروبي القديم”. ترد هذه العبارة ذات الدلالة البعيدة المدى (الإنجيل الخامس لنيتشه، ترجمة علي مصباح، منشورات الجمل، بيروت، الطبعة الثانية 2012) لتلخص رأيه في واحد من أخطر الفلاسفة على مر التاريخ.

لكن ما سر جنوح بيتر سلوتردايك لاتخاذ هذا الموقف المولول، ومن أين أتى غضبه الشامل والعميق الملحوظ في المحاضرة الطويلة -صارت كتابًا- التي ألفها في هجاء سلفه؟ يُقر سلوتردايك من حيث المبدأ أن نيتشه هو الشخص الوحيد حتى اليوم الذي ضاهت لغته الأدبية لغة الإنجيل، إن لم تكن قد تفوقت عليها وأزرت بها. شكَّل هذا الارتقاء اللغوي جرحًا غير قابل للشفاء لأنصار الكتاب المقدس، وأما معاني ومضامين هذه اللغة النيتشوية فتعكس جبروتًا لا يرحم، وقدرة على العصف بالإيمان الديني من جذوره. وكان نيتشه على يقين لا يتزعزع من أن كلماته سترفرف راياتها المنتصرة في القرون القادمة، وأن المهابة التي يستحقها ستتراكم على مر الزمن. هذا الوعي بعظمته الفكرية جعله يقول عن نفسه إنه ليس إنسانًا بل عبوة ديناميت.

يخصص سلوتردايك القسم الأول من محاضرته للحديث عن الإنجيل ومراحل ترجمته إلى اللغة الألمانية، ومن المفارقات أن الترجمة الأولى للإنجيل قد نتج عنها تبويب الإنجيل في خمسة كتب بدلًا عن الأربعة المعروفة! وتمت هذه الترجمة في القرن العاشر الميلادي. ثم يُعرج على تجربة أميركية في إضافة إنجيل خامس، قام بها الرئيس الأميركي توماس جيفرسون عام 1810، وهذا الإنجيل ما يزال متداولًا بعنوان: “Jefferson bibel”. كذلك يشير سلوتردايك إلى محاولة مشابهة قام بها الروائي الروسي تولستوي الذي أصدر نسخة خاصة من الإنجيل تحت عنوان: “السبيل الروسي لتعايش الإنجيلية والتنوير”.

يتفحص سلوتردايك تباهي نيتشه وافتخاره الذي تجاوز كل حد بكتابه “هكذا تكلم زرادشت”، ويرصد المديح الذاتي الذي كاله نيتشه لكتابه بتهور وتبجح قل أن يوجد له نظير.

يقول نيتشه: “من بين كتاباتي كلها يحتل زرادشتي موقعًا خاصًا. من خلاله تقدمت إلى البشرية بأكبر هدية لم يسبق لها أن مُنحت مثلها إلى حد الآن.. مقارنة به ستبدو كل الأعمال البشرية بائسة ومقيدة. وأن يكون من غير المتيسر لواحد يدعى غوته، أو شكسبير أن يتنفس لحظة واحدة من هواء هذه الصبوة وهذه الأعالي الهائلة”. وردت هذه العبارات وكثير غيرها في كتابه “هو ذا الإنسان”. وكتب في رسالة إلى صديقته مالفيدا فون مايزنبورغ بروماس يقول فيها: “إنها قصة رائعة: لقد تحديت كل الأديان ووضعت كتابًا مقدسًا جديدًا”. ويقول في رسالة أخرى لصديقه فرانس أوفرباك: “أن أكون بهذا الكتاب قد تجاوزت كل ما قيل بالكلمات إلى حد الآن.. إنني الآن دون شك الرجل الأكثر استقلالية في أوروبا”.

وعلى ما يبدو فإن نيتشه ومن خلال مراسلاته لأصدقائه، وأيضًا من خلال تصريحاته في كتبه التالية صار يضع نفسه على قدم المساواة مع مؤسسي الديانات الكبرى منذ صدور كتابه “هكذا تكلم زرادشت”.

سلوتردايك أصابه الغثيان من الغرور المرضي وجنون العظمة الذي يتفشى في كتابات نيتشه كالوباء، ولكنه في الوقت نفسه يوافق على مضض أن نيتشه قد صنع حدثًا تاريخيًا عالميًا.

يصعب على القارئ المثقف ثقافة عالية -فما بالك بالقارئ العادي- استيعاب جسارة التطور الفكري الذي أرساه نيتشه بتأليفه للإنجيل الخامس “هكذا تكلم زرادشت”. فهو كما يصفه سلوتردايك “إنجيل أقلية، أو أكثر من ذلك: إنجيل للا أحد”(ص 45). ومع هذا، فإن أفكار نيتشه وفلسفته قد انتعشت بقوة عقب وفاته مباشرة، وترجمت أعماله إلى معظم اللغات الحية، وأُسستْ معاهد متخصصة لدراسة أعماله، وأنشأت أرقى الجامعات الكراسي الأستاذية باسمه، وأما عدد الدراسات والأبحاث التي تناولت كتاباته فلم تتوقف أبدًا وهي في تزايد مستمر.

يسعى سلوتردايك إلى تحليل أسباب هذا النجاح اللا متوقع لهذا الفيلسوف الذي كان يتذمر دائمًا من أن فلسفته لم تجتذب حتى تلميذًا واحدًا. وكذلك تفسير الشعبية الجارفة التي حظيت بها كتبه، والانتشار الكوكبي الهائل لأفكاره وكلماته التي تغلغلت في جميع الحضارات دون استثناء، تاركة آثارها التي لا تمحى. ويصل سلوتردايك إلى نتيجة مؤلمة – لضميره الإنسانوي على الأقل – مفادها أن نيتشه هو عكس المسيح، ففلسفته عن إرادة القوة اجتذبت الأقوياء وبالذات الأشرار منهم، فهو نقيض إنجيل المسيح الذي كان ملاذًا وسلوى للضعفاء والمغلوبين على أمرهم، وكذلك الطيبين الحالمين بعالم مثالي.

ولعل من أوائل الذين اجتذبهم هذا الفيلسوف بدعوته هم حزب الرايخ الثالث الذين وصلوا للسلطة في عام 1933 بقيادة أدولف هتلر، ويعلم الجميع اليوم النتائج المروعة لما جرى بعد ذلك.

وتاليًا لاحظ الكثير من المفكرين ومنهم سلوتردايك أن نيتشه هو واحد من أربعة عملوا على تصفية الإيمان الديني في العالم وخلق ثقافة الخواء الروحي الحداثية.

يعلق سلوتردايك ناقمًا على المتطلبات المتجاوزة لقدرات الكائن البشري التي يطرحها نيتشه كشرط لمجاورته في الأعالي التي يزعم أنه قد وصل إليها: “إن الإنجيل الخامس يدفع بمتقبليه إلى تحمل تكاليف باهظة جدًّا مما يجعله من وجهة نظر المحاسباتي لا يستطيع أن يُتقبّل إلا كنبأ شؤم. وإنه ليس من باب الصدفة إذًا أن يكون قد جر رسوله الأول نفسه إلى انفصام الصلة مع البشرية ماضيًا وحاضرًا، فهو يتطلب من كل تلميذ ضربًا من الزهد الجذري تجاه الأشكال المتداولة للأوهام الضرورية للحياة والتيسيرات المدنية بحيث يجد نفسه وحيدًا في وضع من التبتل الذي لا يطاق، إذا ما أراد الانخراط بجدية في مشروع الرسالة الجديدة”(ص46).

يتعقب سلوتردايك دون هوادة حالات الفخر التي يصعب تحملها في كتب نيتشه، وينتقد بقسوة هذه النرجسية التي تخز العين من فرط اعتدادها بنفسها، ولكنه يعترف بأن ما فعله نيتشه هو علامة الكاتب الحديث، وإنه لم يزد على أن قال حقيقة مشاعره وجاهر بها، تلك الحقيقة التي يمتنع كل الكتاب عن البوح بها حياءً.

في ختام محاضرته يضع سلوتردايك سبابته على سر عظمة نيتشه: كان الأخير يدرك المادة التي سيصنع منها إنسان المستقبل، فإذا هو يسبق عصره وينجز صياغة متينة لاتجاه الفردانية.

اليوم وبسبب التقدم التكنولوجي أصبح الإنسان محاطًا بشبكة من الأجهزة الإلكترونية تعزز فرديته، وتجعله قادرًا أكثر من أي وقت مضى على التحرر من سلطة نظيره البشري.. فيشعر الفرد وكأنه قد أصبح أعلى من الآخرين، وأنه يتمتع بقوة متعاظمة واستقلالية متزايدة.. وهذا بالضبط ما تنبأ به نيتشه ومارسه بتوكيد مبالغ فيه في كل كتاباته، معتبرًا نفسه الإنسان الأول الذي يحوز هذه القوة ويشعر بها تغمر كيانه.

محاضرة الفيلسوف بيتر سلوتردايك التي جاءت في ثمانين صفحة وأربعة مسارات تحفل بأفكار غزيرة جدًّا، وتحليلات ثاقبة عميقة للذخيرة الفكرية التي أنتجها العبقري نيتشه، الذي بحسب سلوتردايك قد بلغ الحد الأقصى ككاتب في اللغة الألمانية والنظام اللغوي الأوروبي.

*روائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات