Accessibility links

Advertisements
Advertisements

بلقيس محمد علوان

منذ قيام ثورة 26 سبتمبر1962 ولعقود ينظر غالبية المجتمع اليمني إلى التعليم عمومًا والجامعي على وجه الخصوص على أنه ضمان حصول الفرد على الوظيفة الحكومية، أو في القطاع الخاص فالشهادة الجامعية تضمن وظيفة مستقرة ومُحترَمة، وقبلها كانت الشهادة الثانوية تُعَدُّ وسيلة للحصول على وظائف متوسطة أو تقليدية متوسطة الأجر، لكن مع تطور المجتمع وتحولاته الاقتصادية والاجتماعية ومتطلبات سوق العمل بدأت رؤية المجتمع للتعليم الجامعي تتغير تدريجيًّا، ووجد الكثيرون أنّ اختيار التخصص الدراسي أصبح مهمًّا بالقدر ذاته، وهذا ولّد لدى الأُسر والطلاب المقبلين على الدراسة الجامعية موجات من التفضيلات، والتزكيات لتخصصات معينة، وبالمقابل ظهر عزوف عن تخصصات لم تعد مطلوبة وفرص المتخرجين منها محدودة في سوق العمل.

اليوم ومع بدء التسجيل في الجامعات اليمنية هناك من يقول إن نسبة الملتحقين بالجامعة لا تتجاوز الـ 20% من متخرجي الثانوية العامة، وهي نسبة صادمة، وبالفعل هناك تراجع كبير في أعداد المتقدمين للتخصصات الجامعية المختلفة، ولأول مرة منذ عشرات السنين تعلن جامعة صنعاء لخريجي الثانوية العامة 2023 إمكانية التسجيل للعام الدراسي 2023/2024، بعد أن كان مرور سنة على الحصول على الثانوية أحد شروط الالتحاق بها لمواءمة الطاقة الاستيعابية مع الأعداد، والتراجع الكبير في أعداد الطلاب المتقدمين للدراسة في الجامعات يعود لأسباب عديدة أهمها حالة الإفقار الشديد الذي نتعرض له والتي جعلت لقمة العيش في حدها الأدنى هي معركة الناس الأولى والأخيرة، ومن ناحية أخرى هناك حالة فقدان أمل بأن التعليم الجامعي سيُمهِد الطريق نحو فرص عمل حقيقية، وخصوصًا وعشرات الآلاف من الخريجين من مختلف التخصصات بلا عمل منذ تخرجهم الذي يمكن أن يكون مرّ عليه عشر سنوات أو أكثر، وهذا أوجد قناعة لدى الكثيرين بأن لا جدوى من الاستثمار في التعليم الجامعي.

هنا لن أتكلم عن دور الحكومة في هذا المآل وواجبها في الحلول، فهي في حكم الغائب، لكن سأشير إلى خطأين في علاقتنا بالتعليم عمومًا والتعليم الجامعي خاصة، وهو تعاملنا مع التعليم من “منظور المنفعة وليس من منظور القيمة”، فبمجرد انتفاء المصلحة فقدَ التعليم مكانته لدى الكثيرين، بينما لو كنا نظرنا إليه من منظور “القيمة”، واعتبرناه ضرورة من ضرورات حياتنا مقدمة على الأشياء المادية مثلًا، فأنا على يقين أن علاقتنا بالتعليم ستكون مختلفة، وإيجابية ومتنامية، ولن تتأثر بالمجريات الحالية.

والخطأ الثاني، وهو المتعلق بالتوجه المندفع نحو التعليم الجامعي الذي أفرز بمرور الوقت عشرات الآلاف من العاطلين عن العمل لتشبع سوق العمل من تخصصاتهم، وأكثر منهم بطالة مقنعة لا تقوم بأي عمل يتكدسون في المرافق المختلفة للوظيفة العامة.

فيما ظل سوق العمل يفتقر للمهنيين والحرفيين الماهرين الذين يقدمون خدماتهم بجودة محترمة، وهي مجالات كان من المهم التوجه إليها بحماس لتأهيل وتدريب الشباب بشكل مكثف، وليس صوريًّا، فللأسف بعض جهات التأهيل المهنية بنظام السنتين بعد الثانوية العامة يشوبها الكثير من القصور، ويتخرج منها كثير من الملتحقين وهم كما دخلوها لم يضف لهم إلا شهادة تقول إنهم حصلوا على التأهيل، والواقع يقول غير ذلك.

ومنذ شرعنة الغش في كثير من المدارس خلال اختبارات الشهادتين الإعدادية والثانوية بشكل أصبح يجيزه ويمرره ويشارك فيه المدرس والمدير والمتخرجون السابقون وكأنه عمل خير أو استحقاق للطالب بسبب الظروف العصيبة التي يمر بها وقصور العملية التعليمية، أصيب التعليم العام في مقتل، وبشكل كبير في الريف حيث تسرب عشرات الآلاف من المدرسين من أعمالهم بعد انقطاع مرتباتهم، وكان التعويض هو العمل بكل جهد لإنجاح الطلاب وبنسب عالية، ومنهم من يحصل على إجابات نموذجية، أو يكتب اسمه على غلاف دفتر إجابة جاهز، بل إن موسم الاختبارات صار موسم تكسُّب للجان المراقبة والمدرسين وناسخي الإجابات ومرسليها عبر الواتس آب وغيره من الوسائط، والأمر أصبح ظاهرة خطيرة تقذف إلى الجامعات طلابًا منهم من لا يجيد القراءة، وأذكر في أحد امتحانات القبول في كلية الإعلام سألت أحد المتقدمين لكليتنا، وهو وفق شهادة الثانوية حاصل على معدل فوق التسعين في المئة من القسم العلمي، لماذا تتقدم لكلية الإعلام وليس لكلية علمية؟، وهو سؤال روتيني لقياس قدرات الطالب الاتصالية في الحوار والحديث، اكتشفنا أن الطالب لا يقدر على تركيب جملة، ولما طلبنا منه الكتابة لعله يعبر كتابة صدمنا بمستوى الكتابة والأخطاء الفادحة، ويومها قررت اللجنة بالإجماع رفض قبول الطالب، والسؤال الذي فرض نفسه لحظتها بالنظر إلى معدله في الثانوية هو ذات السؤال الموجه في قضايا الفساد: من أين لك هذا؟ والإجابة معروفة، وحتى مع نظام “أتمتة” الاختبارات مع المناهج التقليدية التي يفترض أن يبدأ التغيير الحقيقي منها وفق رؤى علمية حديثة تواكب ما يمر به العالم من تطور، أصبح الغش أكثر سهولة.

لقد جنينا على التعليم جناية كبيرة تقديرًا وتعاملًا وإهمالًا، وها نحن نحصد ما زرعنا.

وفي وسط هذا المشهد القاتم ما زال هناك الطالب المتميز، والتربوي المخلص، والأسر التي ما زالت تقدم تعليم أبنائها على كل أولوياتها، وهؤلاء من تبقى لنا لإعادة البوصلة إلى الاتجاه الصحيح.

ولو أننا نحيا في ظروف اعتيادية لقلنا أن على الدولة أن تولي التعليم عظيم اهتمامها، وتُخصص له الموازنات اللازمة لتطوير قطاع التعليم العام والجامعي، وأن تعمل على مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في العملية التعليمية، وأن تتبنى سياسات وإجراءات تضمن توزيع الموارد التعليمية بشكل عادل، وترسم رؤية واضحة وجريئة تجاه التعليم، تهتم بتحديث المناهج وتطوير مهارات الطلاب، والمعلمين والتربويين، وتشجع على ريادة الأعمال والابتكار في مجال التعليم، وسنقول أيضًا إنّ تحقيق هذه الرؤية يتطلب تكاتف جميع أفراد المجتمع، الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية، للعمل معًا نحو بناء مستقبلٍ يمني أكثر إشراقًا وتطويرًا، يضمن للشباب الحصول على فرص عمل مستدامة وحياة كريمة، ولكننا بين سلطة شرعية لا تقوم بواجبها في مناطق سيطرتها، وسلطة أمر واقع تتبنى سياسة تجهيل غير معلنة لكن كل التفاصيل والإجراءات تفصح عن هذه السياسة سواء في التعليم العام أو الجامعي: من تقييد للفكر والتفكير العلمي وحرية البحث العلمي، إلى فرض مقررات وموضوعات أحادية وطائفية لا تمثل عموم المجتمع والشعب اليمني، إلى منح صلاحيات لأطراف وأفراد تحت مسميات لا علاقة لها ولا لهم بالتعليم تأهيلاً ومسؤولية لتمرير قرارات تضر بالتعليم وتقولبه، فضلاً عن تجاوزات لقوانين التعليم وقوانين الجامعات التي تعتمد عليها في بعض القرارات وتقفز عليها في إجراءات وقرارات أخرى.

التعليم في اليمن في مأزق حقيقي، وحول هذا المأزق وفيه تكمن كل مشاكلنا، إنها أزمة الوعي، والعودة إلى الجهل الذي غادرناه بتجهيل متعمد كميًّا ونوعيًّا، وفي الوقت الذي ينادي العالم بجودة التعليم وجودة الحياة، نطلق صرخة لإنقاذ التعليم، صرخة في آذان من لليمن في قلبه ذرة ولاء ومحبة أفرادًا، وفي موقع القرار، وفي القطاع الخاص لأننا سننجو بالعلم والتعليم.

* كاتبة وأكاديمية يمنية

   
 
Advertisements

تعليقات