Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*
تفتح التلفاز لتشاهد عن بلدك ما يبهج روحك كإنسان يعيش على وجه هذه الأرض، فلا تجد في نشرات الأخبار غير نفس تلك الوجوه التي تسبّبت في جعل بلدك العريق يصير بين الأمم كومة من المعسكرات والمباني والطرقات والجسور المهدّمة والمخربة، و«تستد نفسك» عن مواصلة الحياة، وتشعر بأنك في محنة حقيقية لن يخرجك منها غير أرحم الراحمين.

تجلس في البيت عازفًا عن مشاهدة الأخبار، لكي تجنّب دماغك عذابات التفكير في هذه الحرب التي لا طائل منها غير اتساع رقعة الفقر وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، ولكن حتى هذا الخيار «الاستراتيجي» المتمثل في الهرب من فوضى الأخبار السيئة، لا يساعدك على الراحة والهدوء، فتسمع وأنت جالس في مكانك داخل البيت أصوات دوي الانفجارات القادمة من السماء ومن الأرض، ويتحوّل بيتك إلى محطة انتظار للموت ليس أكثر.

تخرج إلى الشارع لتقضي بعضًا من المشاوير التي لم تعد مهمة، فلا وظائف مستقرة، ولا رواتب، ولا مواعيد يمكنها أن تعيد إليك معنوياتك وأحلامك القديمة.

كل شيء أصبح يسير إلى طريق مسدود وإلى أفق مظلم، وما من طريق إلى السعادة والهدوء إلا أن تضلّ الطريق.

تذهب لتلتقي الأصحاب الذين كنت تؤنس بهم أيامك وأوقاتك وتشاركهم النكات و”الحشوش” وساعات المرح اليومي الطري، فتجد أن كل شيء بسبب الحرب والحصار قد أصبح خاويًا، ويفتقد إلى الحماس.

فلا المقايل عادت مثيرة للسلى، ولا البوفيهات ضاجة بقرقعة فناجين الشاي، مثلما كانت، وحتى المجبر في تلك الأماكن الصاخبة بالحياة أصبح مجبرًا يوميًّا مملاً، ويسير باتجاه واحد عن الموتى المتكاثرين، وعن السكان المحبطين، وعن الآمال الخائبة ونذالات الزمن العجيب. 

تقرر الانزواء لوحدك بلا أخبار وبلا أصحاب وبلا مشاوير تستدعيك للخروج إلى الشارع، ويمضي عليك الوقت كله وأنت في عزلتك تفكر في المستقبل الذي أصبح الحديث عنه والتفكير به لا يختلف تمامًا عن التفكير والحديث عن ميت كان يمشي في طريقه بثبات، وفجأة سقط إلى الجبّ، وما من سيّارة تلتقطه أو يكون بوسعها إعادته إليك. 

تفكر في «الحكومة الشرعية»، وبأشكال أعضائها الذين ظهر عليهم النعيم والرغد، ويجيء لك الضيق.

تفكر في حكومة صنعاء وبالشقاء اليومي الذي أقحمونا فيه مقابل أن يسمن المشرفون، ويصير لديهم عقارات مهولة وسيارات «ليكزس» ومجموعة من الأطقم البنية السريعة، ويزداد ضيقك أكثر وأكثر.

هنا في اليمن الجريح، على أية حال، أمّة موجوعة وشوارع مزحومة بطوابير الباحثين عن البنزين والغاز والديزل، ولا جديد يطل برأسه علينا غير أخبار القتلى والجرحى، وخبابير المفاوضات العقيمة، بين صعاليك الحرب وتجّار الشنطة باسم القضية اليمنية.

إنها عمومًا بكل صراحة وصدق، حرب مجرمة وظالمة، طالت بأذيتها المتواصلة شرائح كثيرة وكبيرة متضررة داخل المجتمع، ولم يعد هناك طبقة وسطى يمكنك الحديث عنها، ولا طبقة ثرية يمكنك المراهنة على أخلاقها أيضًا، وكل الذي أصبح موجودًا الآن مجرد طبقات طفيلية من التجار الجدد ومن اللصوص الذين أصبحت الحرب بالنسبة إليهم بنكًا للارتزاق، وبابًا مفتوحًا لنهب المعونات والمساعدات الإنسانية.

وبين هؤلاء المتاجرين والمرابين، شعب صبور يتعرّض للأذية المستمرة وللصفعات الموجعة من الجميع.

ونتيجة لكل ذلك أصبح لدينا مجتمع مفكّك يقتات على الكراهية والأحقاد، وينتظر بفارغ الصبر نهاية قريبة لهذه المأساة المدمّرة التي لم تبقِ شيئًا من الفضائل إلا ودكّتها وطرحتها أرضًا. 

وأصبح لدينا أيضًا، بفضل الحصار الجائر في البر والبحر والجو، مجتمع متعثّر يعيش أوقاتًا رتيبة وظروفًا قاسية وأوضاعًا معيشية صعبة، لا يشعر بها أحد من طحاطيح الحرب في الداخل والخارج، ولا حتى المجتمع الدولي بأكمله يشعر بها لأنهم داخلين في دكان طلبة الله من هذه الحرب المدمرة.

*كاتب يمني ساخر.

   
 
Advertisements

تعليقات