Accessibility links

Advertisements
Advertisements
Advertisements

وجدي الأهدل*

قبل مدة التقيتُ بالمستعرب الروسي د.ميخائيل سوفوروف، وجرى بيننا نقاش متوتر شابه شيء من سوء الفهم من جانبي.. والسبب أن السيد ميخائيل سوفوروف صرح أن روايتي “قوارب جبلية” لا تنتمي إلى أدب الحداثة، وإنما إلى أدب ما بعد الحداثة.

لا أعرف لماذا شعرت بالاستفزاز، وكأنها شتيمة أن يُقال عني كاتب ما بعد حداثي! فسألته ماذا تعني بأدب ما بعد الحداثة؟ الطريقة التي وجهت بها السؤال لم تكن بقصد التعلم وإنما توحي أكثر بالتهكم. دخلنا في نقاش طويل، وأعتقد أنني تسببت في تعذيبه، لأن العديد من المصطلحات النقدية التي يعرفها جيدًا باللغتين الروسية والإنجليزية لم يكن لها مقابل موازٍ في اللغة العربية، أو ربما كانت هناك مصطلحات مقاربة بالعربية، ولكنه لم يكن مُلمًّا بها.

الخلاصة التي خرجت بها من كلام صديقي، وهو أستاذ جامعي يُدرس الأدب العربي المعاصر في قسم اللغة العربية والأدب العربي بجامعة بطرسبورغ، أن أدب ما بعد الحداثة يتميز بـ: تناص مع التاريخ بأسلوب كتابي ساخر.

بعد ذلك اللقاء، شعرت بحاجة ماسة إلى أن أعرف أكثر عن أدب ما بعد الحداثة، وأن أفهم جوهر هذه الحركة الإنسانية الفكرية الجديدة.

وعثرت على مقالين مهمين يشرحان مع تفاوت بينهما في التعميم والتخصيص مصطلح “ما بعد الحداثة”. الأول كتبه د. يوسف غزاوي، وعنوانه “في الحداثة وما بعد الحداثة: أبعادها الفكرية الغربية والعربية”.

والثاني كتبته ليندا هتشيون، وعنوانه “ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ”.

يجمع د. يوسف غزاوي في مقاله أشتاتًا من التعريفات لمصطلح ما بعد الحداثة، مأخوذة من كتب مثل: “دليل الناقد العربي” لميجان الرويلي وسعد البازعي. وكتاب “ما بعد الحداثة، العرب في لقطة فيديو” لمي غصوب. وكتاب “الحداثة وما بعد الحداثة” لعبد الوهاب المسيري.

وما لاحظته أن الكتاب العرب يقدمون وصفًا لظاهرة “ما بعد الحداثة” ولكنهم لا يقدمون تعريفًا لها، ونجد لدى المؤلفين المذكورين نوعًا من “التأريخ” لنشأة حركة ما بعد الحداثة، وتياراتها الفكرية، وأهم فلاسفتها ومنظريها، وتطبيقاتها العملية في سائر مجالات الفنون. لكن شيئًا ما يظل مفقودًا.. ربما نجد تجسيدًا رائعًا ومشوقًا عند مي غصوب لفكرة “ما بعد الحداثة” أكثر من غيرها:

” أقامت مي غصوب سجالًا مُتخيلًا بين شخصين، الأول يُمثل الحداثي، والثاني يمثل ما بعد الحداثي، حيث يرى الحداثي أن ما بعد الحداثي لا يعبأ بخلق مجتمع جديد. لقد ترك مدنه تنمو عشوائيًّا بذاتها، باسم الدعوة إلى ترك الناس يعيشون كما يرغبون.. وأن الحداثي قاتَل الظلامية ودافع عن حقوق الإنسان، وفصلوا (الحداثيون) الكنيسة عن الدولة وقطعوا مع الماضي وأزمنته المعتمة. ليُتَّهم الما بعد حداثي بأنه يريد المتعة وحدها، وبفضله بات الإنسان لا يؤمن بشيء، وأن ما بعد الحداثي مجرد منظم أو منسق يؤمن بالتجاور.. التجاور فقط. فيوافقه الما بعد حداثي على الوصف الأخير.. يفتخر ما بعد الحداثي بأننا نعيش متجاورين، الواحد منا لصق الآخر، وليس ثمة ما يحوجنا إلى أن نحيا في تناسق كلي”.

“ما بعد الحداثة” ما تزال مذهبًا غامضًا بالنسبة لنا، لأن السياق الذي أنتجها وصارت تحدث فيه لم يتحقق بعد في مجتمعاتنا العربية. ونحن بالكاد نشعر أن “الحداثة” كأسلوب في التفكير والحياة قد تسللت إلى المجتمعات العربية عبر النخب المثقفة.

إن انتشار الأمية واستشراء الجهل الثقافي في ربوع بلداننا العربية قد حال دون تكوين موجة فكرية ضخمة تنقلنا من زمن الحداثة إلى زمن ما بعد الحداثة.

“ما بعد الحداثة” في الغرب تبدو من وجهة نظري ثقافة نابعة من قاعدة المجتمع العريضة، وبالتالي يمكن القول إنها أي “ما بعد الحداثة” تشكل نوعًا من الرد الثقافي على ثقافة النخبة.

هل المجتمعات العربية القائمة اليوم قادرة على نقلنا إلى مستوى مختلف ووضعنا في سياقات ثقافية جديدة؟ هل بإمكان الجماهير العريضة القبول بالدخول في زمن ما بعد الحداثة؟ إن أية إجابة متسرعة لن تكون موفقة ودقيقة.

يبدو أننا سنحتاج إلى خضات ضخمة تترك آثارًا بعيدة المدى سياسيًّا واجتماعيًّا، وتنعكس لاحقًا في الإنتاج الفني والأدبي.

في الدراسة اللامعة التي كتبتها ليندا هتشيون، وهي دراسة معمقة عن “أدب ما بعد الحداثة”، وهي الدراسة التي تركز أكثر على الروايات الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية. تعرّف ليندا هتشيون أدب ما بعد الحداثة بقولها:

“يتميز ما نطلق عليه أدب ما بعد الحداثة بالانعكاسية المُكثفة والتناصية التهكمية”. وتضيف أيضًا شارحةً تعريفها السابق لأدب ما بعد الحداثة: “وعي ذاتي بالتاريخ بوزن الانعكاسية الذاتية. ونموذجي هو أسلوب البناء الما بعد حداثي: الاستدعاء التهكمي الساخر المتعمد للتاريخ بأشكاله البنائية والوظائفية”.

تؤيد دراسة ليندا هتشيون كلام المستعرب الروسي (ميخائيل سوفوروف) الذي ذكرناه في البداية. فأدب ما بعد الحداثة وثيق الصلة بالتاريخ، يغدو الروائي متطفلًا على علم التاريخ، ويحشر أنفه في سرد الوقائع والأحداث الماضية، لكنه يتجنب لهجة المؤرخ الجادة الصارمة، ويستبدلها بلهجة لاسعة تهكمية، تفقد الماضي هيبته وجلاله، وفي الوقت نفسه تضفي عليه رونقًا لم يكن له من قبل، وقد تخترع له أفقًا جديدًا لم يُفكر فيه حتى التاريخ نفسه.

المؤرخ يبحث عن الحقيقة، بينما أدب ما بعد الحداثة يتجنب عمدًا الحقيقة. هذه “المفارقة” هي النواة الصلبة لأدب ما بعد الحداثة.

في الأدب العالمي هناك نماذج لأدب ما بعد الحداثة، نذكر منها رواية “مائة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز، ورواية “الطبل الصفيح” لغونتر غراس، ورواية “اسم الوردة” لإمبرتو إيكو. وفي هذه الروايات الثلاث الشهيرة والمترجمة إلى معظم لغات العالم نلاحظ الحضور البارز للتاريخ، مع تلك اللمسة اللا تاريخية (الشيطانية) التي تصنع المفارقة الروائية.

وفي الأدب العربي الحديث تفصح رواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ أنها كانت سابقة لزمانها، ومتجاوزة لروايات “ما بعد الحداثة” اللاحقة التي كتبت وصدرت بعدها، فهي من وجهة نظري تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، إذ في الرواية المذكورة استدعاء لتاريخ الرسالات السماوية، وإعادة سبكها في “حدوتة” تضمر شكلًا راقيًا من الطرافة والتندر.

ويخطر ببالي الآن العمل الأدبي التراثي الخالد “ألف ليلة وليلة” الذي يحمل الكثير من ملامح أدب ما بعد الحداثة. نجد في الليالي شخصيات تاريخية خارج سياقها التاريخي، مثل هارون الرشيد ووزيره جعفر البرمكي، حيث يتم توظيفهما في لعبة السرد وتخليصهما من قداسة الألقاب وإلباسهما رداءً زاهيًا من الخفة والظرف بسبب تنكرهما.

يمكننا هنا أيضًا الاستشهاد برواية الياباني هاروكي موراكامي “كافكا على الشاطئ” التي تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة بامتياز، بل يمكن القول إنها تشكل في وقتنا الراهن طليعة أدب ما بعد الحداثة، وإنها تحتل موقع الصدارة. ترصد هذه الرواية المُثقلة بحبكات متعددة ومتجاورة تاريخ اليابان الحديث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن العشرين. لكن هذا الرصد يتوارى خلف شخصيات ظريفة مثل (ناكاتا) ويلوح كظل خلف السطور. وببراعة فائقة يحلل هاروكي موراكامي الغزو الثقافي الأمريكي لبلاده وبعمق ونفاذ بصيرة، فيبدو أكثر بلاغة من مقولات أي مؤرخ مهما بلغت جديته وأمانته العلمية في رصد الحقبة التي عاشتها اليابان بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية.

لكن هذا التجرؤ على التاريخ ومحاولة تقليب تربته من قبل الروائيين لن يكون مقبولًا في معظم الأحيان من طرف المحافظين والتقليديين الذين يتمسكون بتفسير أحادي للماضي.

يكاد يسود الاتفاق على أن أدب الحداثة قد كافح ضد التابوهات الثلاثة: الجنس، السياسة، الدين. ولا يزال أدب الحداثة قادرًا على إشعال الحرائق هنا وهناك. وأما أدب ما بعد الحداثة فإنه في تقديري سيكافح ضد تابو جديد معقد وهلامي وملتبس، تابو مليء بالغبار، ألا وهو “التاريخ”.

* كاتب وروائي يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات