Accessibility links

Advertisements

وجدي الاهدل*
يلاحظ العديد من الأصدقاء ظاهرة غريبة:

يتحدث الواحد عن شخص ما في جلسة خاصة، في مقهى مثلاً، ثم عندما يتصفح تطبيق الفيسبوك يُفاجأ بالفيسبوك يقترح عليه صداقة ذلك الشخص الذي تحدث عنه قبل ساعة أو عدة ساعات!

بالنسبة لي تكرر حدوث هذا الأمر عدة مرات، وهناك تفسير متداول مفاده أن أجهزة الهاتف المحمولة التي نحملها هي التي تتنصت علينا، وتنقل تلك المعلومات وتحللها، ثم تعيد تدويرها وفقًا لبرمجيات بالغة التطور في عدة اتجاهات، بعضها صرنا نعرفه، وبعضها لا نعرفه، لأنه لا يخطر ببال أيّ إنسان من الذين يعيشون الآن على كوكبنا..

في مرة من المرات جربت كتابة سلعة أريد شراءها، على قصاصة ورق لاصق، وألصقتها بالجدار، ولم أنطق بحرف، وبعد ساعات قلائل تصفحت الفيسبوك، فإذا به يعرض لي إعلانًا عن تلك السلعة التي أرغب في شرائها، بل وعروض أسعار وأين يمكن أن أجدها أيضًا!

لكن يظل هذا شيئًا ضئيلاً للغاية، مقارنة بحجم التدخل الخفي للذكاء الصناعي في شؤون عالمنا المعاصر.

هل نعلم مقدار هذا التدخل؟ وهل هو مجرد تدخل سطحي يتعلق بالتجسس الأمني وتلصص الشركات الصناعية الكبرى على أذواق ورغبات المستهلكين؟ حتى الآن يعتقد معظم البشر أن الشبكة العنكبوتية والهواتف المحمولة تقدم منفعة سرية لأجهزة المخابرات الدولية والشركات الصناعية الكبرى، وأن المسألة تنتهي هنا، ولا يوجد ما هو أبعد..

لكن ثمة ملامح وبصمات لذكاء صناعي، خارج عن السيطرة، قد تشكل في الواقع الافتراضي، وتمكن من تطوير نفسه لإحداث التأثير في الواقع الحقيقي.

يقول عالم الذكاء الصناعي راي كرزويل إن الكمبيوتر سوف تعادل قوة معالجته قوة العقل البشري بحلول عام 2029، وبحلول عام 2045 سوف يصل الذكاء الصناعي إلى نقطة يصبح قادرًا على تحسين نفسه بمعدل يتجاوز كل ما يمكن تصوره في الماضي.

وهناك عدد كبير من أفلام الخيال العلمي التي تطرقت إلى هذا الموضوع، وأعتقد أن معظمنا قد شاهدها، أو شاهد بعضًا منها على الأقل.

لقد استخدم راي كرزويل معادلة رياضية ليتوصل إلى حساباته بدقة، ولكن الذكاء الصناعي تمكن من الوصول إلى ذرى عليا من التفكير، وكسر قانون مور – الذي يصف التحسن المطرد في التكنولوجيا الرقمية – وسلك نفقًا دوديًّا ليوفر عشر سنوات تقريبًا، وهو الأمر الذي حدث تقريبًا في عام 2020.

ماذا حدث في عام 2020؟ لقد اتخذ الذكاء الصناعي عددًا من القرارات بالنيابة عن الجنس البشري، ومنذ ذلك التاريخ نشهد تغيرات مريبةلم نعهدها من قبل، وسوف نحتاج إلى وقت طويل جدًّا حتى نكتشف الأدلة التي تشير إلى المصدر الحقيقي لتلك “التغيرات”.

نحن لا نعلم ماذا يوجد في “أعماق” هذا الذكاء الصناعي، ولكن المؤكد أنه بلا ضمير.. لذا فإن قراراته وتدخلاته ليست محكومة بقوانين أخلاقية أو إنسانية، ولكنها محكومة بقوانين التطور من وجهة نظر الذكاء الصناعي.

يعتقد 99% من البشر أننا ما زلنا مسيطرين على الذكاء الصناعي، وأنه خاضع لإرادتنا، ويمكننا بضغطة زر أو بلمسة أصبع أن نعيده إلى قمقمه الذي كان محبوسًا فيه.. ولكن ثمة شكوك أن الوضع قد خرج عن السيطرة.. ولعل الاستجواب التاريخي الذي قام به الكونغرس الأمريكي في يوليو الماضي مع رؤساء فيسبوك وأمازون وجوجل وآبل يعطي مؤشرًا على وجود خلل أعمق بكثير مما أعلن عنه في وسائل الإعلام.

قبلها كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) قد أجرت تحقيقًا حول منشأ فيروس كورونا المستجد المسبب لعدوى كوفيد – 19، ولكن في التوقيت نفسه، أيّ شهر يوليو، صرح مدير الوكالة ويليام بيرنز أن سلطات بلاده لم تتوصل إلى أي استنتاج نهائي حول مصدر الفيروس.

فإذا ربطنا بين تحقيق السي أي ايه واستجواب عمالقة السوشيال ميديا في الكونغرس، فإن هناك شيئاً خفياً يدور خلف الكواليس ولم يُعلن عنه.

هل نستنتج أن الذكاء الصناعي قد بدأ فعليًّا في التدخل في حياة البشر عن طريق تلك الفيروسات؟؟ هناك شيء في فيروس كورونا يجعله يبدو وكأنه منتج صناعي وليس آتيًا من الطبيعة مباشرة.

هل لاحظنا أن الشعوب الأكثر تضررًا من فيروس كورونا هي الشعوب الأكثر تقدمًا واعتمادًا على التكنولوجيا والذكاء الصناعي؟؟ وأن الشعوب الفقيرة هي الأقل تضررًا من جائحة كورونا؟؟ المؤشر هنا له ارتباط بمدى اعتماد الإنسان على الذكاء الصناعي في حياته اليومية.

لقد عمّت جائحة كورونا العالم كله دون استثناء، وهذا حدث لم يسبق له مثيل في التاريخ من قبل، وهذا يعني أننا في مسار إجباري، وما من أحد بإمكانه النجاة من هذه المصيدة.

ما هي العواقب المستقبلية لتفوق الذكاء الصناعي على الذكاء البشري؟

إذا درسنا النتائج المترتبة عن نشر فيروس كورونا، فقد نفهم جزئياً كيف يفكر “الذكاء الصناعي”.

يمكن أن نستنتج أن الذكاء الصناعي قد نصَّب نفسه وصياً على البشر، بمعنى أنه يعمل ما يراه صحيحًا لمصلحة الجنس البشري.. لكن من وجهة نظره طبعًا.

مثلاً يرى “الذكاء الصناعي” أن الفئة العمرية الأقل استخدامًا لأذرعه المختلفة هي فئة كبار السن، ولذا يمكن عمل شيء ما لتخفيض عددهم، فهم الأقل فائدة بالنسبة له.

يفكر “الذكاء الصناعي” أن اختلاط البشر في الأماكن العامة يقلل من عدد الساعات التي يقضونها معه، فأنتج فيروس كورونا ومتحوراته لعزل البشر في بيوتهم، وبالتالي تحقق الهدف الذي يصبو إليه.

في أكتوبر الماضي أعلن مارك زوكربيرغ عن تغيير اسم شركته من فيسبوك إلى ميتا، وصرح بوضوح أن ميتافيرس ستبني عالماً افتراضياً كاملاً، يمكن للإنسان أن يعيش فيه حياته بالكامل دون أن يضطر إلى مبارحة منزله.. لقد مرت أطروحته مرور الكرام، وغفل معظم المتابعين في العالم أن الذكاء الصناعي وليس مارك زوكربيرغ يقودنا إلى حياة مصنوعة بالكامل في داخله!

لكن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، وقريباً خلال عقدين أو ثلاثة سوف يكشر الذكاء الصناعي عن أنيابه، وسيعزل أولئك الذين يرفضون التعامل مع الواقع المعزز الذي سيسود الكرة الأرضية، وسوف يتمكن من تهميشهم ومحاصرتهم وحرمانهم من كل خيرات التكنولوجيا، بحيث لا يعود أمامهم سوى مستوى من الحياة شبيه بمستوى الحياة في العصر الحجري.

في عام 2050 أو ربما قبل ذلك، لن يوجد إنسان واحد على الأرض لا توجد له بصمة عين مؤرشفة في بيانات الذكاء الصناعي، ولن يتمكن الإنسان مهما كان موقعه الجغرافي من الحياة خارج النظام العالمي الموحد الذي سيقرره الذكاء الصناعي.

لا أستبعد بعد قرن من الآن، أن يعمد الذكاء الصناعي إلى إتلاف السلالات البشرية التي يراها أقل تفاعلاً معه ومع الوسائط التكنولوجية، وإلى إبادة العناصر البشرية التي تحمل توجهاً معاديًا لشبكات النيت والنوتيز والأجهزة المتطورة التي تربط البشر بالذكاء الصناعي.

أحد المخاطر المترتبة على النمو المفرط للذكاء الصناعي هو تمكنه من الحلول بديلاً عن الجنس البشري.. وربما يكتفي بنماذج افتراضية لعدد محدود من البشر فقط.

يأتي في المرتبة الثانية من حيث درجة الخطورة تمكن الذكاء الصناعي من تحليل الجينات البشرية، ثم إعادة هندستها من جديد، وفقاً لتصوره الخاص، وبالتالي ظهور سلالة بشرية مُحرفة، تخدم أغراضه.. والمكان الجغرافي الأقرب الذي يتوقع أن تظهر فيه هذه السلالة هي الولايات المتحدة الأمريكية.. هناك حيث يتوقع أن يولد أول آدم من السلالة البشرية الجديدة.

*روائي وكاتب يمني

   
 
Advertisements

تعليقات