Accessibility links

بلقيس محمد علوان*
لطالما كانت وما زالت هذه العبارة مشهَرة في وجوه النساء.. وقتنا دائمًا يأتي لاحقًا، وقد لا يأتي أو يلغى، مثل آخر أسئلة المقابلات التلفزيونية لضيق الوقت، ومثل البنود الأقل أهمية في الاجتماعات أو اللقاءات، وتبدو جملة “مش وقت” مواربة دائمًا، وبمثابة المسكّن الذي لا يعالِج، وتُخرج قائلها من حرج أن يقول إنه لن يسمح، ليس مقتنعًا، لن يمنح؛ باعتبار الكلمة الحقيقية الكامنة هي: ممنوع، أو غير ممكن، والغالبية لا يقولونها صراحة، ويشيرون فقط إلى أن الظروف ليست مواتية بعد، ولو تمعنّا في حواراتنا وكلامنا لوجدنا أنفسنا نستخدم هذه الجملة كثيرًا، وقليل منا يقولها وهو يقصدها فعلاً، بمعنى أن المسألة لديه مسألة وقت فعلاً، وليست نوايا رفض ومنع ووقوف ضد هذه الفكرة أو تلك، هذا على المستوى الشخصي والخاص، أما على المستوى الرسمي والعام لعلكم تشاركوني الشكوك في أنّ من قالوا: “مش وقت”، أيًّا كان موقعهم في الدولة أو الأحزاب، على مدى عقود حول كثير من قضايا النساء والإصلاحات القانونية والعملية المطلوبة في الكثير من الجوانب كانوا يضمرون أن الوقت لن يأتي طالما هم في مواقعهم، وليسوا مجبرين ولا محرجين، ومع ذلك فاليمن من الدول التي وقعت على الاتفاقية الدولية لإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، وتنص بنود الاتفاقية المكونة من 30 مادة على المساواة بين الرجل والمرأة في كافّة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية، ونعلم أن التقدم الذي أحرزناه في اليمن في هذا الاتجاه كان دائمًا دون المستوى، ومع بداية الحرب في اليمن، وما ترتب عليها من تداعٍ في كل الجوانب وصل حدّ انهيار الوضع الاقتصادي والصحي والخدماتي، وتراجُع غير مسبوق في الجانب التعليمي عادت معه معدلات الأمية والتسرب من التعليم للارتفاع بشكل مخيف، وبالمقابل تراجعت معدلات الالتحاق في مؤشر لأمية أعلى في السنوات المقبلة، وفي التعليم تحديدًا فإن النصيب الأكبر في تدنّي تلك المعدلات من نصيب الإناث، وبمعنى أدق فإن الفجوة التي كانت موجودة بين الذكور والإناث في تلك المعدلات اتسعت بشكل أكبر، والأمر ينسحب على كل المجالات، ومع ظروف الحرب أصبحت جملة “مش وقتكن” مبررًا لكل شيء، وردًّا جاهزًا على كل محاولة للإنصاف، والإشراك، والتمكين.

Advertisements

“إن التنمية التامة والكاملة لبلدٍ ما، ورفاهية العالم، وقضية السِّلم، تتطلب جميعًا أقصى مشاركة ممكنة من جانب المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع الميادين”، تتصدر هذه العبارة اتفاقية السيداو، لكنها لا تعني الكثير لمن يملكون القرار في اليمن.

كان مؤتمر الحوار الوطني الشامل بمثابة النافذة السحرية التي كان يمكن من خلالها الانطلاق وتحقيق تقدم غير عادي، مستندًا إلى ما استطاعت النساء المشاركات ومعهن كل المؤمنين بعدالة قضايا النساء إنجازه، وتضمنته وثيقة مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، ومع صدور القرار القاضي بتشكيل لجنة صياغة الدستور وتسمية أعضائها، تم ترشيح أربع نساء لتمثيل المرأة اليمنية من بين 17 عضوًا، وتلك أول مرة تشارك المرأة في إعداد الدستور، وتم وقتها تكليف إحدى النساء بمنصب نائب رئيس اللجنة، وصدر مشروع الدستور الجديد، والذي اتسم بإحراز تقدم ملحوظ فيما يتعلق بالنهوض بحقوق المرأة، وخاصة أنه يضمن فرصًا وحقوقًا متكافئة لجميع المواطنين في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتضمن حظر التمييز على أساس نوع الجنس، لكن التداعيات اللاحقة مثّلت انقلابًا على كل تلك المكاسب.

ومع سبعة أعوام من الحرب والنزاع ساءت الأمور على كل المستويات، وبالتأكيد أوضاع النساء أكثر سوءًا، وهو ما أكده تقرير الظل لتحالف المنظمات غير الحكومية اليمنية حول مستوى تنفيذ اتفاقية السيداو، حيث قدم التقرير صورة أقرب إلى واقع التمييز والتهميش والإقصاء للنساء منذ 2008م وحتى سبتمبر 2020م.

في كل أجزاء التقرير نجد أن حِدة الإقصاء والتهميش للنساء زادت بشكل لافت خلال سنوات الحرب أكثر مما كانت عليه في كل الجوانب، وعلى سبيل المثال في جولات المفاوضات المختلفة شكّل تمثيل النساء صفْرًا في المبادرة الخليجية، وصفرًا في اتفاقية الرياض بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي مع تمثيل امرأة أو اثنتين في مفاوضات جنيف والكويت وبيل وستوكهولم، وبالمقابل فإن أيّ تأثير سلبي طال المجتمع رجالاً ونساءً كان النصيب الأوفر فيه للنساء.

“مش وقتكن” الجملة التي كانت وما زالت تقف وراء كل الفجوات بين الرجال والنساء في اليمن: في التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة، وأنا متأكدة أن هناك من يقرأ الآن وهو يقول: “مش وقتكن”.

أكاديمية وكاتبة يمنية.

  • 582
    Shares
Advertisements

تعليقات