Accessibility links

Advertisements

للمؤلف: وجدي الأهدل

 

الشخصيات:

  • عسكر عقيد في الجيش.
  • عفاف ابنة مسئول كبير في الدولة.
  • حاتم الحارس الشخصي للعقيد.
  • نوال وصيفة ابنة المسئول.
  • المجرم السمين.
  • المجرم النحيل.
  • راقصات.

المشهد الأول

المنظر: غرفة نوم مظلمة.

جهة اليسار يوجد سرير نوم فخم، يحوي مسجلة وسماعات، وملاءات حمراء.

فوق السرير تماماً، بندقيتان متقاطعتان شاقولياً، فوهتهما متجهتان نحو الأسفل!

بجوار السرير صوان صغير “كومدينو”.

جهة اليمين باب غرفة النوم، ومشجب معلق عليه بدلة عسكرية مكوية تزينها أوسمة وشرائط حمراء، وفوق البدلة غطاء رأس عسكري. وعلى مشجب مجاور معطف طويل عسكري. بجوار البدلة والمعطف العسكريين.

في الوسط لوحة مصنوعة من الفلين، مُثبت بها صور فوتوغرافية مختلفة الأحجام لقرابة عشرين شخصاً. نلاحظ ثلاث سهام قصيرة، من النوع المستخدم في لعبة إصابة الهدف، مغروزة في ثلاث من الصور المثبتة باللوحة.

أغنية زفة يمنية ترتفع رويداً رويدا.

  • صوت المنشد: مرحبا مرحبا ببدر التمام.. يا هلالاً بدا في جنح الظلام (زغاريد) يا بنات ارقصين وغنين.. وزفين العروس الزين (صوت زخات كثيفة من الرصاص) والعروسة لها الرحمة.. من الحساد والشيطان (اختلاط أصوات الزغاريد مع وابل متقطع من النيران) والكباش في الطريق تُنحر.. أمام الموكب الأزهر (صوت تفجيرات مدوية تهز جدران غرفة النوم) والكباش في الطريق تنحر.. (تصدر صيحات ذعر من المنشد، لغط غير مفهوم، يعقبه صمت تام).

يُفتح باب غرفة النوم ببطء وحذر، عمود نحيل من الضوء يتسرب إلى الغرفة. يدخل رجل في أواسط الثلاثينيات، يضع على عينيه نظارة سوداء، ويرتدي بدلة سوداء أنيقة، يتجه يساراً ويشعل الأنوار.. ضوء قوي يغمر الغرفة.

  • الرجل الثلاثيني: عفاف.. عفاف.. (يناديها صارخاً) عفاف.. تعالي هنا!

تدخل امرأة شابة ترتدي ثوب زفاف أبيض وتغلق الباب بسرعة، وكأنما هناك وحش يطاردها، تسند ظهرها للباب وعيناها المفتوحتان على آخرهما تعكسان فزعها الهائل.. صدرها يعلو ويهبط، وأنفاسها اللاهثة تسمع من مسافة بعيدة.

  • العقيد: لمه أنتِ خائفة هكذا؟ (يشعل سيجارة).
  • عفاف: ألا تعرف يا سيادة العقيد المبجل؟! (تمسح جبينها من العرق بمنديل أبيض) ألم تسمع دوي الانفجارات؟
  • العقيد: هاها.. يا نونو هؤلاء أصدقائي الضباط يظهرون ابتهاجهم بزفافنا.
  • عفاف: بالقنابل اليدوية! لقد كاد يغمى عليّ من شدة الرعب.
  • العقيد: قنابل يدوية صوتية لا تسبب ضرراً (يتظاهر بابتسامة عريضة) اغفري لهم مشاعرهم الطيبة التي أظهروها بتلك الطريقة الاحتفالية المُبالغ فيها(يمشي متبختراً صوب لوحة التهديف وينتزع سهماً) على كل حال احمدي الله أنني لم أسمح لهم بجلب الدبابات لتشارك في الزفة!
  • عفاف: (بصوت خفيض حانق) لعنة الله عليّ إذ ورطت نفسي في هذا الأمر(صوت انفجار ضخم يهز جدران الغرفة بشدة.. تجثو على ركبتيها من الفجيعة) هاااه.. ما هذا؟
  • العقيد: (يلهو بالتصويب على صور المطلوبين للعدالة) هذه قذيفة آر بي جي مضادة للدروع، وكما ورد في خطة الزفاف، فإن هذه القذيفة هي إشارة فض الاشتباك.. أقصد إشارة انفضاض المدعوين!
  • عفاف: (تقف وتعقد يديها وهي تراقبه مغتاظة) أفهم من كلامك أنك تعمدت جعل زفتنا أشبه بمناورة عسكرية؟
  • العقيد: (يتكلم وهو يصوب سهامه بدقة) أنا عقيد في الجيش، وهذه الزفة الصاخبة تلائم مزاجي تماماً، وتُشجعني على..

يتبادلان نظرة خاطفة، العقيد يتهرب من مقارعة نظراتها، عفاف تهز رأسها متسائلة وفمها مفتوح على آخره.. تمر لحظات ثقيلة للغاية، تزم عفاف شفتيها وتلوي عنقها ممتعضة، تقترب من لوحة التهديف.

  • عفاف: صور من هذه؟
  • العقيد: (يتوقف عن التصويب) هذه صور مجرمين مطلوبين للعدالة.
  • عفاف: (تتأمل الصور) حقاً؟ لكن لماذا تصوب عليها سهامك؟
  • العقيد: إنني أتمرن على التصويب، وصور هؤلاء الأشقياء تحفزني على مواصلة اللعب.
  • عفاف: (تدور حوله وهي تحدجه بنظرات متفحصة) لكن هذه اللعبة توحي لي بانطباعات سيئة عن شخصيتك.
  • العقيد: (يبتسم ويواصل لهوه) رائع.. وما هي هذه الانطباعات؟
  • عفاف: (تقف في مواجهته) سأقول ولكن عدني أن لا تغضب.
  • العقيد: أعدك.. تكلمي.
  • عفاف: أنت بصراحة رجل عدواني.. مولع بالعنف.
  • العقيد: (ينحيها عن طريقه بفظاظة ويتابع التصويب) شكراً.
  • عفاف: تشكرني على ماذا؟! إن هذه الصفات تجعلني أشعر بالرعب منك.
  • العقيد: الله.. عز الطلب.
  • عفاف: هل يسرك أن تراني مرعوبة؟
  • العقيد: هكذا أحب النساء!
  • عفاف: إذا كنت جاداً فيما تقول ولست تمزح فأنت.. (تبتعد عنه وتلتصق بالباب) أنت سادي، مريض نفسياً، تحب التلهي بتعذيب الآخرين، وهو ما يفسر لي سبب ترتيبك لتلك التظاهرة العسكرية، لكي تستمتع بمنظري وأنا أولول وأرتجف، وكل عظم من عظامي يقفز في اتجاه مختلف من هول ما أرى وأسمع.
  • العقيد: (بلامبالاة) شيء طيب أن تفهميني على حقيقتي منذ الليلة الأولى، لأنه ليس أمامك إلا الرضا بنصيبك.

عفاف تفتح فمها تريد أن ترد عليه، ولكنها تؤثر الصمت، وتكتفي بتنهيدة مسحوبة من حنايا أضلاعها. تقعد على سرير النوم، وتتفحص المسجلة، تضغط على زر التشغيل، فتصدح موسيقى عاطفية هادئة، تنفرج لها أساريرها.

  • عفاف: (تعض شفتها السفلى) عقيدي المفدى.
  • العقيد: نعم.
  • عفاف: (تتمطى على السرير بإغراء) هل أطفئ أنوار الغرفة؟
  • العقيد: لا.
  • عفاف: (تنظر إليه مندهشة من جوابه) لماذا؟
  • العقيد: (يرتبك وتسقط السهام من يده، ينحني ويستعيدها) المعذرة فأنا لا أستطيع إصابة أي هدف في الظلمة.. كيف يمكنني أن أسدد في الظلام هاها؟! (يعاود التصويب).
  • عفاف: (تتأمل نفسها وفستانها مستثارة) عقيدي المعظم.
  • العقيد: نعم.
  • عفاف: ما رأيك أن نتسلى؟
  • العقيد: نتسلى كيف؟ نلعب عريس وعروسة!
  • عفاف: لا لا.. اطرد هذه الوساوس الفاسقة من رأسك يا عقيدي.. تعال إلى هنا وأنت ستعرف ما هي تسليتي المفضلة.
  • العقيد: (بارتياب) أهي تسلية بريئة؟
  • عفاف: (تضع رجلاً على رجل ويدها تخبط على فخذها) بالطبع.. تعال.. هيا!
  • العقيد: (يغرز السهام في لوحة التهديف) طيب.. ولكن.. (يقترب من سرير النوم بحذر) ولكن.. (يجلس على طرف السرير متوجساً) إياكِ.. أنا.. أحذرك.. أنا.
  • عفاف: أنت ماذا؟
  • العقيد: (يبلع ريقه ووجهه يحمر خجلاً) أنا.. لا عليك مني.. ما هي التسلية التي تكلمت عنها؟
  • عفاف: آه.. ما رأيك لو نحكي أحلامنا.. أنت تحكي لي أروع حلم رأيته في حياتك، ثم أحكي لك أنا أيضاً أحلى أحلامي.
  • العقيد: ولكن أحلامي كثيرة جداً.
  • عفاف: اختر منها واحداً.. الأشهى والألذ!
  • العقيد: أوافق ولكن بشرط.
  • عفاف: (تتمطى بدلال) ما هو؟
  • العقيد: أن نختار أحلاماً محتشمة.
  • عفاف: (تزفر متضايقة) يا الله أعطني الصبر.
  • العقيد: موافقة؟
  • عفاف: (تعقد يديها) تمام، تفضل ابدأ، احك أنت أولاً حلمك السخيف، عفواً العفيف!
  • العقيد: (ينحني لها مُظهراً استجابته لأمرها) على الرحب والسعة (يتواثب فرحاً) قبل ثلاث سنوات تقريباً، رأيت في المنام أنني راكب في سفينة رست بنا في جزر فيجي، وهي جزر خضراء ذات مناخ استوائي بديع.

 

المشهد الثاني

إظلام تدريجي.. نسمع هدير أمواج البحر وصياح النوارس ونفير البواخر.

يعود الضوء تدريجياً. تصدح موسيقى راقصة.

تدخل أربع فتيات وهن يحملن كرسياً. يضعنه في الوسط، يدخل رجل يضع لثاماً على وجهه، يرتدي عباءة ملكية، وعلى رأسه تاج ذهبي، وبيده صولجان مرصع بالجواهر الكريمة، يقعد على الكرسي. الفتيات يبدأن بالرقص.

العقيد ينضم إليهن ويرقص معهن. وبعد برهة من الزمن يدنو العقيد من الملك ويطلق النار على رأسه. تتوقف الراقصات ويصرخن مولولات. تتوقف الموسيقى.

العقيد يأخذ التاج ويضعه على رأسه. يزيح جثة الملك ويلقيها على الأرض. يجلس ممسكاً بالصولجان واضعاً قدميه على جثة الملك.

يوجه مسدسه تجاه مجهولين مهدداً فتصدح الموسيقى مجددا. يوجه مسدسه صوب الراقصات فيعاودن الرقص.

إظلام تدريجي.. نسمع هدير أمواج البحر وصياح النوارس ونفير البواخر.

 

المشهد الثالث

 

يعود الضوء تدريجيا.

  • العقيد: آه ياله من حلم بهيج.. لقد أحسست أنه مرت عليّ عشر سنوات من السعادة الكاملة وأنا أحكم تلك الجزر ذات الطبيعة الخلابة، وأتمتع بالنساء والثروة والسلطة المطلقة.
  • عفاف: عقيدي الفحل، هل تسمح لي أن أفسر حلمك تفسيراً نفسياً؟
  • العقيد: لا مانع.. فسريه على راحتك.
  • عفاف: إن حلمك هذا يعبر عن رغباتك المكبوتة الشريرة، وميولك العدوانية نحو البشر.. في عقلك الباطن غليان لنوازع الانتقام من المجتمع، فجاء حلمك صورة طبق الأصل عن هذه النزعات التدميرية المضادة لقيم الخير والعدالة الإنسانية.. إن حلمك يكشف عن روحك المشوهة، وتطلعاتها الدفينة إلى تخريب الحياة السوية، وبث بذور الصراع بين الطبقات الاجتماعية.. إن حلمك يوضح أن في الطبقات العميقة من عالمك النفسي يقبع مجرم خطير.
  • العقيد: (يبتسم ببلاهة) أشكرك على هذا المديح.
  • عفاف: (تنظر إليه مشمئزة) عجباً.. يبدو أنك لم تفهم كلامي جيداً.. أنا أقول باختصار أنك مجرم ظاهراً وباطناً.
  • العقيد: يالكِ من عصفورة ساذجة.. أنا عقيد، وعندما يقال عني أنني مجرم فهذا يجعلني أختال فخراً وأزهو بنفسي كالطاووس (يتمشى مفكراً) لابد أن تفهمي أن وصفي بالمجرم يرفع رتبتي إلى عقيد ركن!
  • عفاف: ولكن أنا لا يشرفني أن يكون زوجي مجرماً.
  • العقيد: ولكن أنا على العكس.. يشرفني أن تكون زوجتي مجرمة.
  • عفاف: (مصدومة) لا أدري ماذا أقول.. ولكني لا أعتقد أنك في حالة طبيعية.. ربما شربت مسكراً.. أو تناولت مخدراً.. لأن الكلام الذي تفوهت به لا يصدر عن إنسان عاقل (تقترب منه لتشم فمه).
  • العقيد: (يتباعد عنها) لا تقتربي مني لو سمحتِ.. أعصابي الآن متوترة.
  • عفاف: (تلاحقه وتحاول الالتصاق به) أنا أريد أن أشم رائحة فمك فقط.. أريد أن أعرف ماذا تعاطيت.
  • العقيد: (يقف في زاوية بعيداً عنها) الاقتراب ممنوع (ينظر في ساعته) عليك أولاً أن تنفذي ما اتفقنا عليه.. أنا حكيت حلمي، والآن جاء دورك.
  • عفاف: لا أدري ماذا أقول.. أحس أنك تتهرب مني يا عقيدي..
  • العقيد: لا تبحثي عن أعذار.. هيا احكِ حلمك المفضل.. بسرعة!
  • عفاف: (تضع يدها على ذقنها) لحظة دعني أتذكر.. نعم.. قبل سنوات رأيت في المنام أنني أعيش في جزر فيجي، وأنني زوجة الحاكم.
  • العقيد: (ينظر إليها متشككاً) يا سلام.. ما هذا الاتفاق الغريب بين أحلامنا.. أنا رأيت نفسي في جزر فيجي وأنت أيضاً، وأنا صرت حاكماً وأنت صرتِ زوجتي!!
  • عفاف: يا أخي حلمي وأنا حرة فيه.. رجاءً اصمت ولا تقاطعني (العقيد يغلق فمه بكفيه) رأيت نفسي أعيش حياة البذخ والمتعة والراحة، وأنني أنفق المال بلا حساب.

 

المشهد الثالث

يحل الظلام تدريجيا. تصدح موسيقى صاخبة وألعاب نارية.

يعود الضوء خفيفا. تدخل أربع فتيات يحملن أريكة ويضعنها في الوسط.

عفاف تتمدد على الأريكة، الفتيات يضع تاجاً ذهبياً على رأسها ويرقصن حولها.

  • عفاف: أنا سيدة البلاد الأولى، أيامي كلها حفلات ورقص وغناء، وعندما تقوم احتجاجات شعبية (صوت جماهير غاضبة) كنت أدفع إليهم بواحدة من وصيفاتي (تشير إلى إحدى الفتيات فتقوم الأخريات بالقبض عليها وإخراجها بالقوة وهي تقاوم) ليمزقوها إرباً إربا وهم يظنون أنها أنا زوجة الحاكم هاها!

يستمر الرقص ثم صراخ الجماهير الغاضبة، وفي كل مرة يتم التضحية بإحدى الراقصات إلى أن تبقى عفاف وحدها.

تتوقف الموسيقى الصاخبة، ويحل الظلام.

المشهد الرابع


يعود الضوء ساطعا.

  • عفاف: ما رأيك يا عقيدي المحترم في حلمي؟
  • العقيد: أنتِ في الحلم تضحين بالفتيات الفقيرات لتنقذي حياتك.. إنه حلم لا يليق بشابة مثلك، تحمل هذه الملامح الملائكية الوديعة.
  • عفاف: في حلمي رسالة لك.. ألم تفهمها؟
  • العقيد: (يلف ويدور، وقلق شديد ينهش أعصابه)لا أعرف عن أية رسالة تتحدثين.. ولكنني سأطلب منك طلباً.
  • عفاف: تفضل.
  • العقيد: لحلمي بقية.. هل تسمحين لي أن أُكمله؟
  • عفاف: الليلة ليلتنا يا عقيدي وفارس أحلامي.. فافعل ما تشاء!

يحل الظلام تدريجيا.

المشهد الخامس

الضوء يزداد بالتدريج على امتداد وقت المشهد.

تدخل الفتيات الأربع ويرقصن على أنغام الموسيقى.

يدخل جندي يحمل كرسياً، ويضعه في الوسط، ويقف بجوار الكرسي وقفة استعداد.

يقترب العقيد وهو يرتدي العباءة الملكية والتاج على رأسه والصولجان بيده. الجندي يؤدي له التحية العسكرية. يقعد العقيد ويضع رجلاً على رجل مستمتعاً بالرقص. الجندي يتخذ مكانه خلف العقيد.

فجأة يدوي صوت قنبلة وتتوقف الموسيقى، تهتز الإضاءة، ويسقط العقيد من كرسيه، والفتيات يرتمين على الأرض. الوحيد الذي يبقى ثابتاً رابط الجأش هو الجندي.

سماع صوت طلقات رصاص، الجندي يتخذ وضعية دفاعية عن سيده المنبطح أرضاً.

عندما تتوقف زخات الرصاص، ينهض العقيد يتلفت، ثم يخلع عباءته الملكية ويلبسها للجندي، يرفع التاج عن رأسه ويضعه على رأس الجندي، ويعطيه الصولجان ويجلسه على الكرسي.

سماع صوت زخات رصاص كثيفة أكثر بكثير من السابق.

العقيد ينبطح أرضاً ويزحف باتجاه سرير النوم ويختبئ تحته.

سماع صوت قذيفة شديدة الانفجار، الجندي يهوي ميتاً وكذلك الفتيات اللاتي قتلتهن القذيفة.

يحل الظلام شيئاً فشيئاً مع استمرار زخات الرصاص.

المشهد السادس

يسطع الضوء بقوة ويخرج العقيد من تحت السرير.

  • العقيد: هاه.. ما رأيك في حلمي؟
  • عفاف: رأيي أنك نذل.. لأنك تخليت عن الوطن حين أحسست بالخطر.. ليتك تصرفت بشرف كما فعل حارسك الشخصي!
  • العقيد: (يضحك) لا تأخذي المسائل بجدية.. إن هو إلا حلم!
  • عفاف: (تجلس وتنظر إليه بتركيز) لا.. حلمك ليس بهذه البساطة.. أحس أنك تريد أن تخبرني بسرٍ ما.. أشعر أن في حلمك المختلق رسائل مشفرة!
  • العقيد: (يطيش سهمه بعيداً عن اللوحة) ياه.. لا يذهبن خيالك بعيداً.. وإلا ستعيشين طيلة حياتك وأنت تعانين من الشكوك والوساوس.
  • عفاف: (تصمت قليلاً، تتحسس نهديها، تراقب العقيد وتتنهد) ألن تكف عن اللعب؟
  • العقيد: (يتابع التصويب وظهره لعفاف) أنا لا ألعب.
  • عفاف: إذاً ماذا تفعل؟
  • العقيد: أفكر.
  • عفاف: وفي أي شيء تفكر؟
  • العقيد: (يبتسم) أفكر في ذات الشيء الذي تفكرين فيه الآن.
  • عفاف: (تضحك بغنج) طيب.. تعال إلى هنا لنفكر معاً وبصوت عال.
  • العقيد: آسف.. فلقد تعلمت من الجيش أن أتوخى الكتمان والسرية.
  • عفاف: (تتنهد مرتاحة) آه.. يظهر أنني قد ظلمتك وتسرعت في الحكم عليك.. ولكنني الآن بدأت أتفهم طبيعتك الخاصة على نحو أفضل.
  • العقيد: أتمنى لكِ المزيد من الفهم يا عنزتي.
  • عفاف: (تترك السرير وتتجه نحوه) إذاً ينبغي لي أن أشاركك اللعب حتى نتمكن من إزالة الحاجز النفسي.
  • العقيد: (ينتبه لاقترابها منه فيستوقفها مهدداً بقذفها بأحد السهام) مكانك.. عودي إلى مكانك.. أنا من سيأتي إليك.. حالما أفرغ.
  • عفاف: (تتراجع لصق السرير) من أي شيء تفرغ؟ من اللعب؟
  • العقيد: لا.. قلت لكِ إنني أفكر (يمسح جبينه بكم معطفه) أضع خطة.
  • عفاف: خطة.. خطة ماذا؟
  • العقيد: (يعطيها ظهره ويتابع التصويب) خطة الغزو.
  • عفاف: غزو! (تقعد على السرير متضايقة) حكايتنا ليست محتاجة إلى مخططات غزو وشن حروب عصابات، فأنا والله والله والله مستسلمة بلا قيد ولا شرط!
  • العقيد: لو لم أكن عسكرياً محنكاً لصدقتك.. ولكن بالتأكيد هناك فخ!
  • عفاف: أووف.. تصبح على خير (تضطجع وتغطي نفسها باللحاف الأحمر).
  • العقيد: (يتنفس الصعداء) وأنت من أهل الخير(العقيد يغرز السهام في اللوحة ويحاول الخروج من الغرفة على أطراف أصابعه).
  • عفاف: (تجلس) إلى أين يا سيادة العقيد؟
  • العقيد: (يتظاهر أنه محصور ببوله) أريد الذهاب إلى الحمام.
  • عفاف: هل آتي معك لأؤنسك؟
  • العقيد: (بهلع) لا.. وإياك أن تحاولي التلصص!

العقيد يخرج من الغرفة ويغلق الباب خلفه. عفاف تعاود الاستلقاء، ولكنها تحس بشيء غير عادي تحت وسادتها.. ترفع الوسادة وتكتشف وجود مسدس، تأخذه وتجده مليئاً بالذخيرة، فتخطر على بالها فكرة تنفرج لها أسارير وجهها.. تسارع بالنهوض والوقوف بجوار زر الإضاءة.. ثم تطفئ الأنوار.

العقيد يفتح الباب ويظهر رأسه فقط.

  • العقيد: (يتكلم بصوت خفيض) عفاف.. هل نمت؟(لا يتلقى رداً) هذا أفضل (العقيد يغلق الباب ببطء، ولكن قبيل انغلاقه تدق عفاف جدار الغرفة بمرفقها.. العقيد يتوقف عن إغلاق الباب ويرهف سمعه.. عفاف تزيد من قوة دقاتها) عفاف.. هل أنتِ التي تصدرين هذه الأصوات؟

العقيد يدخل ويتجه صوب زر الإضاءة، يضيء الغرفة، يده تتجمد على الزر وهو يحس بالمسدس يضغط على صدغه، وعفاف الملتصقة بالجدار تنظر في عينيه بشهوانية، وهي على مقربة شديدة منه.

  • عفاف: إذا لم تنفذ أوامري فسأضطر إلى إطلاق النار عليك.
  • العقيد: (يرفع يديه مستسلماً) آخ.. من كان يظن أن ليلتي ستنتهي بي أسيراً!
  • عفاف: (بلهجة عسكرية آمرة) إلى الشمال در.
  • العقيد: (ينفذ الأمر) هذا هو الفخ الذي كنت أخشاه!
  • عفاف: عادة سر(العقيد يسير عدة خطوات، تظل عفاف توجهه حتى توصله إلى السرير) استعد.. استرح.. استعد.. انبطح!
  • العقيد: أنا متأسف.. هذا الأمر بالذات لا أستطيع تنفيذه.
  • عفاف: لماذا؟ هل تمزق بنطلونك من الخلف في الزفة؟!
  • العقيد: كفى تهريجاً.. كل ما هنالك أن شرفي العسكري لا يسمح لي بالانبطاح.
  • عفاف: كفاك أنت غباءً.. هيا انبطح ودعني أتصرف.
  • العقيد: ولكن قبل أن أنبطح يجب أن أعترف.
  • عفاف: (تقطب حاجبيها) تعترف بماذا؟
  • العقيد: أعترف بأنني لا أستطيع فعل شيء لأنني لا أحبك.
  • عفاف: (ترتخي قبضتها على المسدس.. ولكنها بعد تفكير قصير، تصوبه إلى قفا العقيد بغضب) إذاً فلماذا تزوجتني؟
  • العقيد: (بلامبالاة) لأن الجميع يتزوجون.
  • عفاف: (مشمئزة) إذاً أنت لست في حاجة إليّ، وإنما تراعي تقاليد المجتمع.
  • العقيد: (يتنهد بارتياح) ممتاز.. هكذا تكونين قد فهمت ما كنت أود أن أقوله لكِ منذ البداية.
  • عفاف: (تدور حوله وتتطلع إليه بقرف) إذاً ما أنا إلا ستارة تستر بها عجزك أليس كذلك؟
  • العقيد: (يواري وجهه خجلاً) للحقيقة طعم مر في فمي.. ولكنني ما زلت أتلقى عون الأطباء، ولدي أمل كبير في التوصل إلى نتائج طيبة في أقرب فرصة.
  • عفاف: (تبتعد عنه بخطوات بطيئة إلى الوراء) ولأجل هذا حاولت أن تثير رعبي لتصرف انتباهي عن مشكلتك؟!
  • العقيد: هه.. كانت خطة فاشلة.. فبدلاً من أن أثير الرعب والوساوس في قلبك، أثرت مشاعر الشفقة.
  • عفاف: ولماذا تعتقد أنني سأشفق عليك؟ بالعكس أنا الآن أحتقرك كما لم أحتقر أحداً في حياتي بهذه الشدة.
  • العقيد: الشفقة أو الاحتقار يعنيان الشيء نفسه في قاموس المرأة.
  • عفاف: مخادع قذر.. أين الهاتف؟
  • العقيد: في الغرفة المجاورة.. ولكن بمن ستتصلين؟
  • عفاف: (تتراجع بحذر نحو الباب) هذا ليس من شأنك أيها المخصي.
  • العقيد: (يراها تفتح الباب وتهم بالمغادرة) إذا كنت تودين الاتصال بوالدك فأنا لا أنصحك بذلك.
  • عفاف: (تنظر إليه باستخفاف) وفر نصائحك للأطباء الذين فشلوا في علاجك.
  • العقيد: يا عزيزتي إذا علم الناس أنك رجعت إلى بيت أهلك من الليلة الأولى فسيظنون أنكِ لست عذراء! (يتنحنح ويواري وجهه عن نظراتها المذهولة).
  • عفاف: (تصفق الباب بعنف) اخرس.. حثالة (ترمي المسدس جانباً وتدس رأسها بين يديها وتبكي).
  • العقيد: (يقعد على حافة السرير ويدخن سيجارة) إذا كنت تعتقدين أن دموعك ستساهم في علاجي فأنت مخطئة.
  • عفاف: لعنة الله عليك (تسير نحو السرير وتقعد فوق الوسادة الخاصة بها) أنت بحاجة إلى كيروسين تحترق به ليرتاح منك العالم!
  • العقيد: أنا أيضاً تنتابني نفس الفكرة.
  • عفاف: (تنظر في عينيه باهتمام) هل تفكر فعلاً في إحراق نفسك؟
  • العقيد: لا.. وإنما في أن أحرقك أنتِ هاها.
  • عفاف: (تدقه في ظهره) ملعون.. أطفئ هذه السيجارة.. رائحتها لا تطاق.
  • العقيد: طيب طيب.. (يطفئ السيجارة ويحملق في جدار الغرفة).
  • عفاف: (تتأمله باستغراب) هيه.. لماذا تنظر إلى الجدار؟ ألم تره من قبل؟
  • العقيد: أفكر يا عفافي.. أفكر.
  • عفاف: (تزحف وتجلس لصقه) أنت لا تفكر إلا في شيء واحد فقط.. هو كيف تتهرب من رؤيتي!
  • العقيد: (يتباعد عنها) لربما تكونين كالشمس التي يضرنا التحديق فيها.
  • عفاف: (تقترب منه) الله.. إنها المرة الأولى التي أحس فيها بالصدق في كلماتك (العقيد ينهض مذعوراً، ويقف في مواجهة الجمهور وهو مبلبل الخاطر) أنت تحبني.
  • العقيد: (محتداً وهو يعاني من صعوبة التحكم في انفعالاته) لا.
  • عفاف: بلى تحبني ولكنك تقاوم ( تنهض وتلحق به).
  • العقيد: (بصوت خفيض) أية مصيبة هذه (يتهرب منها) قولي لي في أي تخصص درست؟
  • عفاف: لماذا تحاول تغيير الموضوع؟
  • العقيد: أنا لا أُغير الموضوع، ولكنني أريد أن أعرف من التي تقف أمامي.
  • عفاف: وهل يعقل أنك تزوجتني ولا تعرف أبسط الأشياء عني؟
  • العقيد: إنه ذنب والدك الذي ما يزال يعيش بعقلية القرون الوسطى، ولم يسمح لي أن أرى وجهك ولو لمرة واحدة.. فكيف سأعرف عنك أي شيء؟؟
  • عفاف: أنت عقيد في الجيش وتستطيع بسهولة الحصول على معلومات عني.
  • العقيد: (يتجول في أنحاء الغرفة على غير هدى محاولاً السيطرة على توتره البالغ) لا أنكر أنني فكرت في ذلك، ولكن والدك مسئول كبير في الدولة، ولو علم أنني أتجسس على ابنته لضربني تحت الحزام.. فهو معروف بخبثه وأن حقده لا يموت.
  • عفاف: (تغضب) أبي رجل ناجح، ولذلك يحاول حاسدوه من أمثالك التفوه بهذه الأباطيل.
  • العقيد: يا له من دفاع أجوف.. فماذا تسمين قيامه بتزويجك لرجل لا تعرفين عنه أي شيء، بل ولم تشاهدي حتى وجهه! (تقعد واجمة على حافة السرير) لماذا سكت؟ لقد أخبرني والدك كيف تعامل معك حينما رجوته أن يريك صورتي على الأقل (يقترب منها وقد علت نبرته) لقد أحضر ورقة بيضاء، ورسم عليها طيراً ونجمتين، وقال لك ِ(يُغير لهجته مقلداً صوت رجل شيخ) “هذا هو عروسك يا ابنتي”.. أليس كذلك؟ (عفاف تتمدد ذليلة وتغطي نفسها باللحاف) هه.. تصبحين على خير يا خريجة قسم علم النفس (عفاف تكشف عن وجهها) هاها.. الفتاة الجامعية تباع بأسعار بخسة في هذه الأيام!
  • عفاف: (بانفعال) ماذا تقصد أيها الأبله؟
  • العقيد: (ابتسامة ساخرة تطل من شفتيه) أقصد أنك كالبضاعة التي يخشى التاجر انتهاء تاريخ صلاحيتها، ولذلك سرعان ما وافق والدك على تزويجك بي ومن أول مكالمة هاتفية!
  • عفاف: (تبدو غير مصدقة) أنت مختل عقلياً بكل تأكيد.
  • العقيد: (بلهجة جادة صارمة) لا أيتها الاختصاصية النفسية، فما أقوله حقيقة.. لقد أتممت الاتفاق مع والدك في شئون زواجنا كلها في ثلاث مكالمات هاتفية فقط (عفاف تنكس رأسها) هل أدركت الآن كم أنتِ حقيرة وتافهة في أنظارنا جميعاً؟!
  • عفاف: (تبلل الدموع عينيها) هل تشمت بي لأنني تزوجتك؟
  • العقيد: ( يُقرب وجه من وجهها باستفزاز) كما تشمتين مني لأني عاجز.
  • عفاف : (تنظر إلى ما بين فخذيه) ولكنك لست عاجزاً! (العقيد تنتابه رعدة مفاجئة، فيعطيها ظهره مرتبكاً) لماذا تعطيني ظهرك؟ ما الذي تخشاه ويجعلك طوال الوقت تحاول إلهائي بمواضيع من هنا وهناك، وتحرص على أن لا تراني وأن لا أراك؟ هل تعاني من مشكلة ما؟ أخبرني بها.. لربما ساعدتك (العقيد يرتدي المعطف العسكري الذي يصل إلى ركبتيه) بالمناسبة، لماذا ارتديت هذا المعطف الآن؟ هل تنوي الخروج؟
  • العقيد: ( متجنباً مواجهتها) كلا، ولكنني أشعر ببرد خفيف.
  • عفاف: (بلهجة حانية ناعمة) إذا كنت تشعر بالبرد فلماذا لا تتمدد على سريرك وتتدفأ بهذا اللحاف الغامر.. هيا اخلع المعطف وتخفف من ملابسك وتعال إلى هنا.
  • العقيد: ( يعطيها ظهره وهو يكتم ضحكاته) أنت جنية ذكية جداً.
  • عفاف: (تبتسم ابتسامة واسعة) وأنت تخبئ عني سراً ما، ولكن أعدك أنني سأكتشفه سريعاً.. هيا تعال.
  • العقيد: (يحاول إخفاء اضطرابه) دعيني وشأني أرجوك .
  • عفاف: لأول مرة في حياتي أشاهد عقيداً مدللاً (تنهض وتلتقط المسدس، وتهدد به العقيد) هيا ولا تحاول المقاومة (العقيد يحس بالمسدس يحتك بظهره فيرفع يديه آلياً ويسير باتجاه السرير حتى يقف لصقه.. تنخسه عفاف بالمسدس) هيا!
  • العقيد: اللعنة.. ماذا أفعل؟
  • عفاف: (تخز ظهره بالمسدس) تَعَرَّ.
  • العقيد: لا.. لا أستطيع.. بصراحة أنا إنسان خجول جدا.
  • عفاف: إذاً نطفئ النور (تتحرك صوب زر الإضاءة).
  • العقيد: (بفزع غير متوقع) لا.. أنا أيضاً أخاف جداً من الظلمة.
  • عفاف: إذاً لا خيار أمامنا يا سيادة العقيد .. هيا اخلع وبسرعة (تزيد من ضغط المسدس فيتقعر ظهر العقيد).
  • العقيد: طيب.. أيمكنك أن تمهليني خمس دقائق فقط؟
  • عفاف: لماذا؟ هل ستقوم بتدريبات تسخين؟!
  • العقيد: لا.. ولكن (يخرج كتاباً من درج الصوان المجاور للسرير) لدي هنا كتاب مهم عن أسرار ليلة الدخلة، وأود مراجعته بسرعة.
  • عفاف: يا سلام، ألا تعرف أن المذاكرة في قاعة الامتحان تعد غشاً؟!
  • العقيد: أعرف ذلك ولكن (يجفف عرقه الغزير بمنديل قماشي سحبه من جيب المعطف) إذا لم أراجع معلوماتي بسرعة فربما يُغمى عليّ عندما أشاهد ورقة الأسئلة!
  • عفاف: (تكتم ضحكاتها) لا مانع أن تُراجع دروسك.. لعل وعسى تتذكر ما هي الرجولة!

العقيد يتصفح الكتاب بعصبية وسرعة، وفمه لا يكف عن التمتمة بصوت خافت مُسَمِّعَاً لنفسه.. عفاف تلف وتدور حول السرير، ثم تقعد عند وسادتها والمسدس ما يزال موجهاً نحو العقيد.

  • عفاف: (تكلمه بغلظة) اجلس وراجع بهدوء.. أنت تثير أعصابي!
  • العقيد: أصه.. لا تقطعي تركيزي.
  • عفاف: (تلعب بالمسدس قليلا ً ثم تنظر في ساعتها بتضايق) الدقائق الخمس انتهت.
  • العقيد: طيب.. هل تسمحين لي بمشوار صغير إلى الغرفة المجاورة؟
  • عفاف: لا.. لن تخرج من هذه الغرفة إلا على جثتي.
  • العقيد: ولكن هناك مرجع هام لابد لي من الاطلاع عليه قبل أن أقدم على أية خطوة قد أندم عليها فيما بعد.
  • عفاف: وهكذا تمضي الأيام والأعوام وأنت تقرأ المراجع وتحضر رسالة الدكتوراه في موضوع كيف تُعاشرني!
  • العقيد: (ابتسامة شاحبة تفترّ من شفتيه) هذا اقتراح مذهل.
  • عفاف: (ترمي الكتاب من يده) يووه .. لقد صبرت عليك أكثر مما ينبغي.
  • العقيد: طيب، هل تسمحين لي بدقيقة واحدة فقط (يخرج من درج الصوان أوراقاً مثبتة بدبوس) أراجع هذا الملخص بسرعة؟

عفاف تصرخ من شدة الضيق، تنتزع منه الأوراق وتمزقها، ثم تفتش درج الصوان وتكتشف المزيد من الكتيبات الإرشادية.

  • عفاف: كل هذه كتيبات إرشادية؟! (تلقيها في زاوية الغرفة بانفعال شديد، وتلصق المسدس بظهره) هذه المرة أقسم أنني سأطلق النار.. لقد جعلتني أفقد أعصابي.. نفذ ما أمرتك به.
  • العقيد: مهلاً.. مهلاً يا عزيزتي.. فأنتِ لم تعرفي بعد السر الذي يؤرقك.
  • عفاف: كذاب.. ليس ثمة أسرار إلا خور عزيمتك.
  • العقيد: بل هناك سر خطير هو الذي جعلني أخترع هذه الألاعيب لكيلا أتجاوب معك.
  • عفاف: (تبعد المسدس عن ظهره) برغم تأكدي من أن سرك ما هو إلا لعبة أخرى من ألاعيبك ولكن لا بأس.. سأستمع إليك أيها الماكر.
  • العقيد: (يطلق تنهيدة ارتياح) يا عزيزتي حدث قبل خمسة أشهر أنني تلقيت بلاغاً بوجود عصابة تقطع الطريق، وكانت على مقربة من معسكرنا، ولما عجزت قوات الأمن عن التصدي للعصابة، اضطررت أن آخذ كتيبة من جنودي وأهاجم العصابة في أوكارها.. وتمكنا من قتل اثنين وأسرنا تسعة، والبقية لاذت بالفرار.. ومع الأسف تبين لنا أن هذه العصابة أقوى بكثير مما كنا نُقَدِّر.. فقد استطاعوا بعد مدة قصيرة تخليص سجنائهم التسعة من سجن المعسكر، وقتلوا أحد الحراس، ثم نجحوا في اغتيال ضابط الأمن المسئول عن تلك العملية.. وهم الآن يحاولون اغتيالي.
  • عفاف: لا أظن.. فقد قتلتم منهم اثنين، وهم قتلوا اثنين، وبهذا سويت المشكلة، فقد أخذوا ثأرهم وانتهى الأمر.
  • العقيد: في السابق كانوا يفكرون على هذا النحو، ولكن منذ أن بدؤوا في مشاهدة الأفلام الأمريكية أصبحوا يبحثون عن الرأس الكبيرة!
  • عفاف: إذاً فمن المتوقع أن أصبح أرملة في القريب العاجل.
  • العقيد: بل كان من الممكن أن تصبحي أرملة منذ ليلتكِ الأولى.
  • عفاف: هل أنت جاد؟ هل هذه الحكاية حقيقية؟
  • العقيد: من الأفضل لكِ ألا تصدقي أن أفراد العصابة كانوا يخططون لاغتيالي أثناء الزفة.
  • عفاف: ياه يبدو أنك مصاب بالخرف أيضاً!
  • العقيد: أنا لا أخرف.. فقد تلقيت معلومات في غاية السرية، وقبل ثلاثة أيام فقط من موعد الزفاف، تفيد بأن العصابة تدبر لاغتيالي أثناء الزفة، ولذلك بذلت المستحيل مع والدك لكي يؤجل موعد الزفاف، ريثما أتخذ المزيد من الاحتياطات والتدابير، وأجري بعض التحريات الضرورية، ولكنه رفض بشدة، فجعلني أضطر إلى اتخاذ إجراء لم أكن أتصور أبداً أنني من الممكن أن أتخذه.
  • عفاف: أتقصد تلك الحشود من الجنود والأسلحة؟
  • العقيد: لا يا عزيزتي.. لقد اتخذت إجراءً للتمويه على العصابة لا يخطر ببالك أبدا.
  • عفاف: تكلم بسرعة فإن رأسي يلفه دوار مخيف .

نسمع صياح رجل يصدر الأوامر بصوت أجش.

  • العقيد: الحمد لله.. هل تعرفين من هذا الذي يصل زئيره إلى أسماعنا؟
  • عفاف: لا؟
  • العقيد: إنه زوجك.. سيادة العقيد! (ينحني بأدب جم) عن إذنك سيدتي.

عفاف تضع يدها على فمها وقد ألجمتها الدهشة.

العقيد المزيف يخلع المعطف الطويل ويعلقه، يتجه صوب الباب ويفتحه، ثم يقف في وضع الاستعداد مؤدياً التحية العسكرية.

نسمع العقيد الحقيقي يتكلم من خارج الغرفة.

  • صوت العقيد: لن يفلتوا من يدي.. سأقتلهم عن بكرة أبيهم.

يدخل العقيد الحقيقي مرتدياً بذلة سوداء أنيقة. عمره يناهز الخمسين عاماً.

  • العقيد: (مخاطباً حارسه الشخصي) هاه يا حاتم.. هل كل شيء على ما يرام؟
  • حاتم: بالتأكيد يا فندم.
  • العقيد: ألم تمسسها بسوء نية أو حتى بحسن نية؟
  • حاتم: إذا ما ثبت أنني فعلت ما يناقض حدود مهمتي فسأعدم نفسي فوراً يا فندم.
  • العقيد: (تنفرج أساريره ويزول عنها الغم) لا بأس عليك يا حاتم، وتأكد أنك ستحصل على ترقية في القريب العاجل.. انصراف.
  • حاتم: أشكرك يا فندم.. ليلة سعيدة (ينصرف ويغلق الباب خلفه).
  • عفاف: (تلاحظ اقتراب العقيد منها فتشهر المسدس في وجهه) من أنت؟
  • العقيد: أنا زوجك العقيد عسكر.. ألم يخبرك حارسي الشخصي بأنني وضعته بديلاً عني ساعة الزفة حفاظاً على سلامتي؟
  • عفاف: (يشتعل وجهها بالغضب) أيها النذل، تحافظ على سلامتك وتتركني أنا وذلك المسكين عرضة للموت وطلقات الرصاص؟!
  • العقيد: لا تهولي الأمور، فرجال العصابة رماة ماهرون، ولذلك كان الخطر محصوراً في تابعي الانتحاري.. وأما أنتِ فلم يكونوا ليتعرضوا لكِ بسوء.
  • عفاف: ستعرف من يهول الأمور ويقدر حجم فعلتك الدنيئة، أنا تعرضني للخطر وتستخدمني درعاً وفخاً لأعدائك! كيف جرؤت وأنت تعرف من يكون أبي.. والله لن أذوق طعم النوم حتى يسجنك.
  • العقيد: (يقترب منها وهي تبتعد نحو باب الغرفة) عليك أن تقدري موقفي، فأنا لم أترككما طوال الزفة، وظللت أطوف حولكما كالنحلة مع جنودي المتخفين في ثياب مدنية، وتمكنا من إلقاء القبض على العديد من المشتبه فيهم، ولذلك كان من المستحيل أن يحدث لكما أي مكروه.
  • عفاف: (تلاحظ أن العقيد يقترب منها ببطء، تفتح باب الغرفة وتتهيأ للمغادرة) بل من المستحيل أن أقبل بك زوجاً يا أجبن رجل على وجه الأرض.. طلقني.

العقيد يقترب أكثر ويتظاهر بأنه يمنع رجلاً خلفها من ضربها.

  • العقيد: لا..

عفاف تلتفت إلى الخلف فزعة، فيستغل العقيد الفرصة السانحة ويقبض على المسدس بشماله، ويضرب يدها بيمينه، فتطلق عفاف صرخة ألم مدوية، وتفلت المسدس في يد العقيد بسهولة.

  • عفاف: (تجثو على ركبتيها ويدها تؤلمها بشدة) يا ابن الحرام، لقد كسرت يدي.
  • العقيد: أحذرك ولآخر مرة، إذا استمر لسانك في إطلاق الشتائم البذيئة فسأنتزعه، وأجعله هدفاً يتدرب عليه جنودي.
  • عفاف: (تنظر إليه مرعوبة) متوحش!

تثور ثائرة العقيد، فيمسكها من يدها الشمال السليمة، ويقذف بها إلى سرير النوم، يغلق باب الغرفة، ثم يتجه صوب زر الإضاءة ويطفئه.

  • عفاف: بحق أمك، لا، بحق الدبابة تي 72! عليك أن تستمع إلى الغلطة التي ارتكبها حارسك الشخصي.
  • العقيد: (يتردد قليلا ً ثم يضيء الغرفة) هل تحاولين الإيقاع بيني وبين تابعي المخلص يا أفعى.. تأكدي أنني أثق في رجالي وعلى استعداد لأن أعدم جميع نساء العالم تأكيداً لهذه الثقة.
  • عفاف: (تجلس على طرف السرير) إن إخلاصه الزائد لك كان قمة الخيانة في حقنا أنا وأنت.
  • العقيد: كالسم تدخل كلماتك في أذني.. يا الله نجني من كيد النساء!
  • عفاف: تصنع السم ثم تتبرأ منه؟ ألست أنت من تركتني مع حارسك الشخصي الذي انتحل شخصيتك ساعة بتمامها حتى أحببته من كل قلبي وابتلت بروحه دمائي!
  • العقيد: (يجلس على طرف السرير مُغتماً) يا لكِ من وقحة.. تعترفين بحب حارسي الشخصي وفي حضوري.
  • عفاف: بيدك أنت سقيتني السم عندما أمرت حارسك الشخصي أن يعاملني بأدب ولطف، ولو أنك أمرته أن يعاملني بعنف وقسوة لكنت كرهته كما أكرهك الآن ومن كل قلبي أيضاً.
  • العقيد: كفى كفى.. إذا لم تصمتي فسأقتلك فوراً.. عاهرة رخيصة.

العقيد يدفن رأسه بين يديه، بينما تنخرط عفاف في نشيج صامت، وهي تجفف دموعها بمنديل أزرق مزركش. العقيد يتمدد ويتغطى باللحاف ويحدق في السقف.

  • العقيد: اُخرجي من غرفتي.. لا أُريد أن أرى وجهك المشئوم أبدا.. اُخرجي.
  • عفاف: (تنهض بتثاقل، تفتح الباب وتتردد في مغادرة الغرفة) أيها العقيد العالي الشأن.. إن المعاملة الحسنة بإمكانها أن تجعلني صديقة مخلصة لك.
  • العقيد: ما أسرع ما تبدلين جلدك يا امرأة!
  • عفاف: أحياناً تكون رابطة الصداقة أقوى أثراً وأطول عمراً من رابطة الحب.
  • العقيد: إذاً تقترحين أن لا تتجاوز علاقتنا حدود الصداقة؟
  • عفاف: ما أكثر الأزواج في هذه المدينة وما أقل أن يكونوا أصدقاء.
  • العقيد: رائع، والحب يكون من نصيب حارسي الشخصي.. يا للمهزلة!
  • عفاف: أعرف أنني طعنتك في كبريائك ولذلك أنا على استعداد لأن أقدم لك الاعتذار تلو الاعتذار حتى تسامحني.
  • العقيد: قدمي اعتذاراتكِ لوالدك.. أنتِ طالق!
  • عفاف: (تغلق الباب وتقف بجوار العقيد باسمة) الحمد لله أن طلاقك لي يا سيدي ليس صحيحا.
  • العقيد: يا للوقاحة.. لقد طلقتك أم أن لديك مضادات أرضية ضد الطلاق؟؟
  • عفاف: لا ولكن أبي كان أكثر ذكاءً منك حينما احتاط لهذه الكوارث.
  • العقيد: (يجلس) احتاط لهذه الكوارث.. كيف؟
  • عفاف: عندما طلبتَ من أبي تأجيل العرس بإلحاح ارتاب في أمرك، واستطاع من خلال اتصالاته الخاصة أن يعرف المشكلة التي كنت تواجهها.
  • العقيد: أها! هل كان والدك على علم بتهديدات اغتيالي في هذه الليلة؟
  • عفاف: نعم، وعلى علم بكافة الإجراءات التي اتخذتها للحفاظ على سلامتك.
  • العقيد: يا لجهازنا الأمني المُخزق!

صوت طرقات مرحة على الباب وكأن أحدهم يدق على الطبلة.

  • عفاف: هل تعرف من التي تطرق الباب الآن؟

العقيد يفغر فاه ويشير بيده إلى الباب ولا يستطيع النطق.

  • عفاف: نعم زوجتك عفاف.. عفاف الحقيقية هي التي تطرق الباب، وما أنا إلا وصيفتها الخاصة.

العقيد يقف للحظات مصعوقاً، والوصيفة ناكسة لرأسها. يتجدد الطرق على الباب، فيذهب العقيد ويفتحه.. تدخل شابة حسناء ترتدي ثوب عرس أبيض.

  • عفاف: مساء الخير يا سيدي (تصافح العقيد بثقة).
  • العقيد: (مبهوراً بجمالها) مساء الجلال والجمال يا آنستي.
  • عفاف: (تتمشى في الغرفة وتتفحص محتوياتها) أرجو أن لا تكون وصيفتي نوال قد حازت على إعجابك يا سيدي.
  • العقيد: (يتبعها كما يتبع الطفل أمه) لا.. بل على العكس، لقد أدت مهمتها بجدارة فائقة، لدرجة أنني طلقتها من شدة كراهيتي لها!
  • نوال: إنه شرف كبير لي يا سيدي أن تقبل صداقتي، كما أتمنى أن لا تعارض حبي لحاتم.. حارسك الشخصي.

تتقهقر نحو الباب، بينما يسحب العقيد عروسه إلى سرير النوم.

  • العقيد: بل أنا سعيد للغاية بوجود صديقة مخلصة وذكية جداً مثلك لأسرتنا الجديدة، وبالنسبة لحارسي الشخصي حاتم فأعتقد أنني سأقيم له عرساً حقيقياً في أقرب وقت.
  • نوال: (يشرق وجهها بفرحة غامرة) أشكرك يا سيدي.. طابت ليلتكما (تخرج

         وتغلق الباب خلفها).

  • عفاف: أعتقد يا سيدي وبالنسبة لكل ما حدث أنه لا لوم عليّ أنا أو أبي.
  • العقيد: (طائراً من السعادة) بل على العكس، لقد أثبتم لي أنكم أصلح أسرة لمصاهرة عقيد في الجيش!
  • عفاف: (تميل رأسها بدلال) هكذا سنكون زوجين متوافقين دائماً.
  • العقيد: نعم هو كذلك (ينظر في ساعة يده) ياه.. لم تبق على صلاة الفجر إلا ربع ساعة فقط.. فما رأيك؟
  • عفاف: بالفعل، إنه لمن الخطأ أن نضيع ما تبقى من الوقت في الثرثرة، فلا نشعر إلا وقد توافد المهنئون!
  • العقيد: ومن الخطأ أن نتلقى التهاني على شيء لم يحدث.. أليس كذلك؟
  • عفاف: (تتغنج) نعم.
  • العقيد: هيا بنا!

يقفز العقيد وعروسه إلى وسط السرير ويبدآن في خلع ملابسهما.. العقيد يخلع معطفه وربطة عنقه، والعروس تخلع قفازات يديها والأساور الذهبية.

من تحت السرير يخرج رجلان مسلحان ببندقيتين آليتين، كلاهما يلبس مئزراً مقلماً يصل طوله إلى الركبة، والصدر عار إلا من أحزمة معبأة بالرصاص، وعمامة تغطي الرأس وجزءً من الوجه، ونلاحظ أن أحدهما سمين والآخر نحيل. يشهران سلاحهما ويقفان عن يمين وشمال العقيد وعروسه.. يُعمران بندقيتهما مهددين.

  • المجرم النحيل: (يتحدث وكأنه يوشك أن يعطس ولكنه لا يعطس أبدا لأنه محروم من هذه النعمة منذ ولادته) مرحباً أيها العقيد، كنت تبحث عنا طوال الليل، بينما نحن ننتظرك هنا!
  • العقيد: (مستاءً) لعنة الله عليكما، ألم يكن بإمكانكما الانتظار بضع دقائق أخرى!
  • المجرم السمين: كنا نود أن نفاجئك في توقيت أشد إحراجاً.. ولكنك أنت من نبهنا إلى قرب انبلاج الصبح.
  • المجرم النحيل: (يلاحظ محاولة العقيد إخراج مسدسه) ارفع يديك (يرفع العقيد يديه إلى الأعلى، يجرده السمين من مسدسه) أنت بطيء جداً أيها الديوث!
  • المجرم النحيل: عن إذنك سأسترد صورتي (ينتزع صورته المثبتة على اللوحة) هه! إنها مشوهة بثقوب كثيرة لا جدوى منها.. أما بالنسبة لك يا حضرة العقيد فإنني سأُحدثُ في دماغك ثقباً واحداً لا نهاية له كالأبد يا فلفلة روحي.. (يقطب جبينه) قفا عند الجدار.

بخطوات متثاقلة مرتعشة يقف العقيد وعفاف لصق الجدار.

عفاف تغطي وجهها بيديها، وتذرف الدموع وتهمهم بكلام غير مسموع.

  • المجرم النحيل: (يخاطب رفيقه) أنا سأقتل العقيد، وأنت عليك قتل زوجته.

المجرمان يتخذان وضعية التصويب على ركبة ونصف.

  • العقيد: لحظة.. عندي لكما عرض مذهل.. سيجعلكما من أعظم وأغنى الرجال في العالم لو وافقتما عليه.
  • المجرم النحيل: (لا يرفع عينه عن إبرة التصويب) تحدث.. أنا أسمعك؟
  • العقيد: أنتما لو قتلتماني ستظلان مطاردين من الدولة حتى آخر يوم في حياتكما.. ولكن لو أنكما توافقان على الانضمام إليّ للقيام بانقلاب على النظام، فإنني سأجعلكما من القيادات الكبرى في الدولة، وستحصلان على أموال لا تتسع لها البنوك لكثرتها.
  • المجرم السمين: (يظل محافظاً على وضع التصويب) طموح نعامة إلى الزعامة.
  • العقيد: قد أكون نعامة، قد أكون مجنوناً، ولكنني قادر على تحقيق حلمي.. وبواسطة قواتي ورجال عصابتكم الأشاوس أستطيع تنفيذ انقلاب ناجح.. إنني أعدكم بشرفي العسكري إذا نجحنا أن أعين أحدكما نائباً للرئيس، والآخر رئيساً للوزراء.
  • المجرم النحيل: (يخاطب المجرم السمين) ما رأيك؟
  • المجرم السمين: ما تراه أنا موافق عليه.
  • المجرم النحيل: حسناً سنعطي أنفسنا دقيقة واحدة للتفكير.

يحل الظلام تدريجيا، مترافقاً مع صوت تكتكة عقرب الساعة الذي يكون في البداية خفيضاً، ثم يتعاظم الصوت حتى يتحول إلى ضجيج مرعب.

ستار

Advertisements

تعليقات