Accessibility links

Advertisements

عبدالله الصعفاني*
انتحار أحدنا ليس مدعاة للفخر والمجد، كما يذهب البعض.. وفي المقابل لا أرى في الموت انتحارًا إلا إدانة لنا نحن الأحياء، عائلات.. أصدقاء ومجتمعًا.. أفرادًا ومؤسسات.

* وفي الوقت الذي لم أتمكن فيه من معرفة الظروف التي قادت إلى شبهة انتحار حكَم كرة القدم، الصديق حسن قرمة، رحمة الله عليه، كان الشاب فيصل المخلافي، الله يتولاه بمغفرته، ينتحر بعد أن أوضح وأفصح عن الأسباب في خاطرة موجعة، سأختزلها ما استطعت في قوله:

أنا خطيئة أبي.. وأنا وجع الأمنيات.. وأنا جسد عاطش ظامر فقدَ والده في الحرب لتحمل أمّه، ومعها إخوانه، مرارات فوق الاحتمال.

* ولستُ هنا في وارد مناقشة ما إذا كان ذلك سببًا كافيًا للانتحار خارج قواعد الدين ومحفوظات (دع القلق وابدأ الحياة)؛ لأنّ زوايا النظرة إلى الأمر تختلف من شخص إلى آخر… ولا بُدّ من إخضاع أيّ حادثة انتحار لدراسة الظروف الذاتية للمنتحر، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام القاسية أو التبريرات المشجعة على قتل الإنسان لنفسه، وانتزاع آخر ما أودعه الله في بنيانه الأجمل خلْقًا..!

* وأما بعد الذي قرأناه من السِّجال الكلامي المتباين في وسائل التواصل الاجتماعي حول حوادث الانتحار الأخيرة، فإن الصحيح – من وجهة نظري – هو عدم إطلاق الأحكام المتسرعة التي لا تفرّق بين حالة انتحار وأخرى.. فمثلاً الانتحار تحت ضغط حالة نفسية مرَضيّة هائلة غير الانتحار بقرار انفعالي في حالة وعي لا يرى في قتل نفسه جريمة في حق النفس وحق المحبِّين، ولو بعد الرحيل.

* حوادث الانتحار مؤلمة جدًّا، وتطعن أعماق القلب، فالتخلي عن الحياة أخطر من القتال؛ لأنّ قتل النفس هنا تم بلا عدو، فكيف لأحدنا أن يقتل نفسه، مسقطًا كل أمل في الله، ولا يستحضر من الحلول سوى أنه لا بديل غير الانتحار، بمبرر أن حظه هو نسخة من حظ الشاعر السوداني إدريس جمّاع الذي نعى إلى الأمة حظه، فقال:

(إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه … ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه..)، لكن هذا الشاعر وإن أغلقها على نفسه لم ينتحر، وإنما ترك لنا القيام بالمهمة..!

* والآن.. ما الذي يجب أن نتحمله كإخوة وأصدقاء وأهل وشركاء تدعي مؤسسات مفترضة مسؤوليتها تجاهنا..؟

ببساطة.. علينا الاعتراف بأننا صرنا قساة.. لا فرق بين معْسر وميسور.. لم نعد قادرين حتى على استيعاب ضغوط أن يكون أحدنا في أسْر البطالة والجوع والمرارة في بيت للإيجار دون معاش.. وأن من حق أيّ شاب في الزمن المنفتح على عوالم الاستقرار والرفاهية أن يفكر ويفكر دون أن تحتبس آماله في وظيفة وزوجة وأبناء، وبناء بيت وأسرة.

وأنا هنا لا أُبرِّر بقدر ما أقرأ في أحوال صعبة ومعقدة لم تصعب على المسلم ولا على الكافر، حيث لا أحد يرى أوجاع البسطاء إلا بعيون مغمضة، وكأنها العدالة الميتة..!

* ومرة أُخرى.. المفروض أن اليمني مخلوق “عرِز”، ومن نبات الصّبار، فلماذا يقرر بعضنا الانتحار..؟

لعلها خلطة من اتجاه كلّ مَن يحكم أو حتى يعارض ويحارب إلى عبادة ذاته وتخلِّينا عن قيم المروءة والشهامة، بما في ذلك فضيلة الإصغاء لأوجاع الناس، ولسان حالنا.. أنا ومن بعدي الطوفان..!

* والمشكلة الإضافية أن ثقافتنا المكابرة في الأغلب لا تعترف بالأوجاع النفسية إلا بعد أن تكبر المشكلة وتستعصي على الحل.. المشكلة أننا فضوليون بامتياز.

تبتسم، يُساء فهمك.. تحزن، يُساء فهمك.. تُبادر، يُقال عليك (مشعِّب) و(سدِّي) أنت وعقلك.. ولا مَن يصغي أو يساعد.. وقد نقود بعضنا إلى التهلكة دونما احترام للمشاعر وضغوط الحياة حتى يتقزم الأمل، ويصبح أضيق من خرم إبرة.

* أما ما هو الحل، فيبرز – من وجهة نظري الشخصية – في نقاط، جزء منها في الحقيقة أحلام مؤجلة تنتظر طرحها على بساط السلام والحوار السياسي الذي يوقف نزيف الدم بين الشركاء في الوطن والدين والجغرافيا.

ومن هذه النقاط وضع حدّ لكلّ فساد وإفساد.. والتعاون في تنفيذ برامج تعيد تشكيل حياة الأسر الفقيرة، واستنطاق هذا الخرس في التكافل الاجتماعي

بين الأهل والأصدقاء والعائلات، بما يخفف على نفوسنا موجات الكآبة وفقدان الأمل.

* وأختم بالتأكيد على أهمية عدم نسياننا حقيقة أن المؤمن يُكافأ بكرم الله عندما يشكر النعمة، ويكافأ بفضل الله عندما يصبر على المعاناة، وأن وجبات روحية منتظمة تساعد على المضي في طريق الرحمة.. الرحمة للغير، والرحمة للذات الباحثة عن السعادة وراحة البال التي يتحقق جزء منها بالصلاة والأذكار والتفاؤل والسماحة وعدم الغضب.

* أما لو خانني التوفيق بهذه الأفكار المتواضعة، فحسبي أنّ مؤلف كتاب (السيطرة على الغضب) فقدَ أعصابه في أحد البرامج التليفزيونية.. وهنا لا بديل عن التسليم بكل هذه المرارات الانتحارية حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

*كاتب يمني

   
 
Advertisements

تعليقات