Accessibility links

Advertisements

‎عبدالباري طاهر*
قبل أكثر من عام أصدر السارد المبدع، الشاعر والمثقف محمد عبده الشجاع رائعته “عقلان”.

الرواية المتقنة مزيج من الواقعية والرومانسية، تفيض بالشاعرية كصنيع الملاحم، وتزخر بالسرد الداهش بحكايا قرى وأرياف منطقته إب في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى تعز.

الرواية مهجوسة بأحداث المنطقة الوسطى، وصراع الجبهة الوطنية، والجبهة الإسلامية، ودور الدولة ونافذيها في المنطقة، كما أنها توصيف دقيق لبيئة المنطقة، وقيمها، وعاداتها، وتقاليدها وناسها الطيبين: رجالاً، ونساء، فلاحين، ورعاة.

البطل الرئيسي عمر عقلان يحضر كرمز، ويتوارى حضوره كفعل ومشاركة.

أبطال الرواية وبطلاتها كثر، والمدهش قدرة السارد على ترسم خطا وحياة ومآثر ومصائر هؤلاء الفاعلين الكثر، فهو يسرد الأحداث بواقعية الإبداع والخلق بمسؤولية رفيعة وإتقان.

تتمسخر الرواية بالسياسة التي تجلب الحروب أكثر مما تمنح السكون، وتسير في الطريق دون أن تنتبه للضحايا، تتفاوض من أجلهم، وهي تعلم أنهم قد شبعوا موتًا.

عقلان المحب لأمه يضيع عمره بين الشمال والجنوب، بين قريته وعدن؛ هربًا من الملاحقة، وخشية الرصاص الطائش، فهو رمز الوعي المستنير، والتفكير العقلاني.

الرواية ملحمة، وهي سيرة للقرية اليمنية في ريف من أكثر أرياف اليمن ازدهارًا وخصوبةً وفقرًا في آن.

الشيخ قطب الرحى في القرية تلوذ به الرعية في كل صغيرة وكبيرة، وهو عين الدولة وذراعها القوي.

لمواسم البذر والحصاد حضور كبير، والمطر يعني الحياة نفسها.. التنازع، والتسامح وعلاقات الأهالي ببعضهم رهن بالمطر أيضًا؛ فللمطر في القرية، وبالأخص في أرياف إب وذمار وتعز وكل المناطق الزراعية معنى الحياة، كما أن القحط مفردة من مفردات الهلاك، وهو ما تعبّر عنه الرواية بعمق وإبداع.

الرواية التي تصل صفحاتها إلى 246 صفحة ذات القطع المتوسط تنوس بين السرد والشعر؛ فالسارد شاعر يغمر سرده بالصور والأخيلة الشعرية، ورقي اللغة المجازية حد المزج بين الشعر والنثر.

الرواية عقلان سيرة وتاريخ وقائع منطقة الشاعر السارد (إب)، وإلى حدٍّ ما تعز، وترابط مآسيها ما بين نظامي الحكم في الشمال والجنوب، وصراعاتهما الكالحة عبر الجبهتين: الوطنية الديمقراطية، والجبهة الإسلامية – الجبيهة، والمبندقين من القبائل، كما تسميهم الرواية.

الإهداء المتصدر الرواية قصيدة زاخرة بالإبداع: “إلى عمار ناصر الدرب أطول من أمانيك، غير أن أمانيك أوسع من هذا الكون.. كن يا صغيري كما تريد، وانتظر القطار حتمًا فسوف يمر”.

يمضي الإهداء إلى أفراد الأسرة بالنفس الشعري المتعالي على السرد، فاتحًا عمله الملحمي بحكمة “أشتا فصول”: حين تتألم دون أن تفصح، فأنت تخدع نفسك، لكنك تمنح الآخرين أملاً في أن يكونوا أقوياء.

سردية الرواية الكبرى منطقتا إب أساسًا، وتعز إلى حدٍّ ما في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وداخل السرد سرديات كثيرة، وأبطال وبطلات كثر، وأحداث الصراع في المنطقة حينها بين الدولة والجبهة الإسلامية والقبائل والنافذين، وبين الجبهة الوطنية الديمقراطية، وصراع بين دعاة التنوير والتحديث، وبين دعاة التخلف والسلفية، وبين المواطنين (الرعية)، والدولة الهشة والضعيفة.

سرديات الرواية – الشخوص: عمر عقلان بطل الرواية، الضمير المستتر، داعية التعليم الحديث، ابن المنطقة، ومن آبائها الروحيين والتاريخيين يفضل الهروب الدائم إلى عدن، ويكون تردده إلى المنطقة محدودًا تلاحقه التهم، ويتعرض للاعتقال في تعز، ولا يفرج عنه إلا عقب الوحدة.

الشخصية الثانية والرئيسية الشيخ عماد ابن الشيخ جابر ينزح بعد موت أبيه إلى قرية خاله في الجوار ليصبح الشيخ، وهو يتمتع بذهنية متفتحة، ويتسم بالطيبة، موالٍ للدولة، مطامحه كبيرة مرتبطة بقوة بالدولة وفرض هيبتها، معتدل في مواقفه، محب لتعليم الحديث، شجع ابنه أحمد للدراسة في السويد. علاقته متينة بداعية التعليم الحديث والاستنارة يوسف، وهو محب لعمر عقلان، غير معاد لجماعة الجبهة الوطنية، وعلاقته ودية بعبدالغني – الحزبي الناصري المتفرغ للعمل السري، والذي اعتقل لأكثر من عام مع الاختفاء القسري.

ومن الشخصيات الرئيسية يوسف خريج مكة، والمثقف المخضرم المغرم بالمخطوطات وعلم المواريث وكتب الحداثة، ويقابله عبدالفتاح السلفي المتعصب خريج مكة وزميل يوسف، ولكنه النقيض المعادي للحداثة والتجديد، ميال للإخوان المسلمين شأن ابنه إقبال عضو الإخوان المسلمين النشط، ثم شخصية الصوفي عبدالقادر، وهو مشعوذ لا علاقة له بالصوفية التي يدعيها، وهو ذو نفوذ واسع في الأرياف يعتقد فيه البسطاء الولاية والقدرات الخارقة، ويعالج كل الأمراض كعبدالمجيد الزنداني الذي يعالج بالأعشاب والقرآن، وهو معاد للحداثة والتنوير، وله صلات بمسؤولين كبار في الدولة، ويشكل مجموعة من النساء يقمن بختان النساء، كما تربطه صلات سرية وقوية بـ”حوبان” القاتل المحترف الملتحق بالجبهة الوطنية بينما هو زعيم عصابة.

ومن الشخصيات المهمة صقر البصير الأعمى المبصر أكثر من المبصرين يتابع أخبار العالم، وهو مطلع على أسرار القرية وناسها.. له رؤية نافذة في قراءة التطورات والأحداث، وشخصية فايزة المتواري زوجها قبل العرس شكلت والصبي عزيز ثنائيًّا، وهما راعيا أغنام تربطهما محبة صادقة، فهي تحميه وترعاه، وتتزوج في النهاية من حمزة الشخصية الغرائبية.

تتخلص فائزة من قهر اليتم بوفاة الأم ومكائد الخالة وسلبية الأب، وهناك وارثة – زوجة المغترب كريم، وإشاعة علاقتها بالشيخ عماد، وقصة ختانها من قِبل المزينة حنان مما تسبب في نزيف عرضها للموت.

وقصة هيمانة ذات السمعة السيئة عشيقة الشيخ السرية يزوجها في النهاية من الدمال (الزبال)، وقصة إخفاء عبدالغني في الأمن السياسي، ومتابعة أخيه حمود الضابط في الأمن الوطني لعدة أشهر ما دفعه للاستقالة، وتولت أمه البحث عنه حتى إخراجه من الاعتقال.

القحط وآثاره المميتة فاجعة تطال حياة الفلاحين والبشر والحيوانات والأرض، أما المطر، فهو المعنى الحقيقي للحياة والفرح والنماء، والمطر في الرواية يحتل مساحة واسعة في السرد وفي الوجدان والحياة والعقول.

‎السارد الشجاع بارع في رسم الشخوص، وتقرير مصائرها، وفي المكان إب العديد من الأماكن والقرى الكاثرة، والأسماء المرموزة غالبة، أما الأحداث، وطبيعة الصراعات، وقضايا المجتمع والريف والمدنية والتطور البطيء والمتعرج كلها بحاجة إلى قراءة أخرى.

نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات