Accessibility links

فكري قاسم*

Advertisements

تشتوا الصدق؟

والله إنها كانت سنين جميلة من عمر كل الناس اللي شهدوا وعايشوا مواسم الانتخابات النيابية والمحلية والرئاسية في اليمن.

وانا يا شعب اليمن مشتاق من كل قلبي والله لمشاهدة صور المرشحين مطعفرة في كل زوة من زوايا هذي البلاد التي طحست إلى أسفل سافلين.

أنا مشتاق بشدة للسير بين زحام الباعة والمارة والسيارات والشعارات الانتخابية مكتوبة ومرسومة تحني جدران الشوارع والأزقة والأبنية والبيوت في الريف وفي الحضر.

مشتاق أشوف الناخبين بكل أشكالهم وفئاتهم ومناطقهم وأحزابهم وهم واقفين من صباح الصبح في الطوابير داخل اللجان الانتخابية في كل محافظة ومدينة وحارة وقرية، وكل واحد فيهم مراعي لدوره في الوصول إلى صندوق الاقتراع.

مشتاق للتخزينة وللجلوس في مقايل وأماكن مزدحمة، كل الكلام فيها عن التنافس الانتخابي، وعن فرص الفوز أمام المرشح الفلاني في الدائرة الفلانية.

مشتاق أشوف المندوبين حق كل المرشحين المتنافسين وهم واقفين أمام صناديق الاقتراع داخل اللجان يحرسون بطائق الناخبين بعيون صقور.

مشتاق لسماع الأصوات المتداخلة لأغاني وأناشيد الأحزاب المتنافسة وهي تتدفق إلى إذني دفعة واحدة في محيط واحد كل منه فيه يرقص ويغني وينشد لمرشحي حزبه، والصندوق وحده هو الحكم.

مشتاق لمشاهدة المرشحين وهم يتنقلون بين الناس من مهرجان إلى آخر ومن مقيل إلى مقيل آخر يحدثون الناس عن برامجهم الانتخابية.

مشتاق لقراءة كل شعارات المرشحين المتنافسين عرض الجدران وداخل اللافتات القماشية المعلقة في كل جولة بكل شارع عام.

مشتاق للجلوس أمام شاشة التلفزيون لمتابعة المؤتمر الصحفي لرئيس الدائرة الإعلامية للجنة العليا للانتخابات ولترقّب إعلان نتائج فرز الصناديق في كل دائرة، وفي كل مركز انتخابي، في كل محافظة من محافظات البلاد.

مشتاق لهاذيك اليمن المليحة التي كانت تسير إلى الأمام ولو بخطوات بطيئة؛ ولكن العجلة كانت تسير في الطريق القويم إلى حل أكبر المعضلات التي أدخلت البلاد في حروب متقطعة بسبب الصراع على السلطة.

يعني قد كنا هاجعين وما لنا شي.. عايشين على الحاصل والكل في السلطة والمعارضة عايشين حياتهم اليومية في معمعة مستمرة حول تطوير النظام الانتخابي في البلد الناشئ.

وكانت المعارضة متواجدة في الميدان وشغالة في أوساط الناس تنتقد وتقول مابلّا والا تشتي انتخابات حرة نزيهة بطريقة القائمة النسبية.

وكانت السلطة في اليمن تمارس نشاطها اليومي في الحكم من خلال حزب الأغلبية البرلمانية ومتركّية في كل ما تقوم به على نتائج الصناديق. ومتمسكة بحقها الدستوري وما اشتي القائمة النسبية، ومصممة على التداول السلمي للسلطة وفق نتائج الدائرة الانتخابية. ثم أصبح طموح المعارضة نظام حكم برلماني، والحزب الحاكم يقول لا، ومابلّا والا نظام حكم رئاسي.

وكان الهدار والنقاش بين الفرقاء والشركاء في السلطة والمعارضة يدور في كل الأوقات حول إصلاح منظومة الحكم في يمن الديمقراطية الناشئة.

وكان نجوم المشهد اليمني كلهم سياسين محليين مختلفي الآراء والتوجهات، وكلنا كنا عايشين الحياة على أمل تطوير البلاد والذهاب بها إلى العصر. أو على الأقل إلى ما هو أحسن من الموجود اللي معانا ومش عاجبنا وجالسين نشقدف أبوه ليل الله والنهار نشتي البلاد تتطور!

وكانت البلد تمشي إلى الأمام.. يوم حلو ويوم مر، وكلنا عايشين بأمان الحاكم والمحكوم.

– أيوه وبعدا مو وقع؟

ولا شيء.

خرجنا في 2011 نطور البلاد، لكن الذي حدث كان أكبر من نوايا إصلاح النظام السياسي في البلد وتلخبطت كل الأوراق واعتصدت البلاد من شرقها لغربها بسبب الهوارة السياسية وضيق أفق راكبي الموجة !

وأصبح نجوم المشهد اليمني من بعد ذلك قطريين ودراويش سايرين بالبلاد إلى أحضان الخلافة الإسلامية!

خلافة إسلامية هكذا دفعة واحدة بلا انتخابات، وبلا هدار فاضي.

والغريب، وما غريب إلا الشيطان، أنو حتى المعارضة نفسها التي أدوشت رؤوسنا ردحًا من الزمن في هدار يومي حول تطوير نظام الانتخابات في اليمن، نست كل شيء في غمضة عين وانخرطت مهرولة إلى انتخابات رئاسية شكلية لرئيس توافقي محد نافسه !

ومش كذا وبس…

تعاملت أحزاب الغفلة بكل حنكة مع هذاك الشكل المسلي من  الانتخابات التوافقية  على أنه إنجاز ديمقراطي كبير أحسن من كل انتخابات النظام السابق الفاسد؟!

ايواااه… وقالوا في المثل “رزق الحارمين للظالمين”، وكانت نتائج تلك الهوارة فيما بعد من رزق الحوثيين الذين حشدوا الناس إلى الشوارع من أجل موه؟

قالوا من أجل إصلاح البلاد وتطويرها وإنزال الجرعة رأفة بحال الناس المساكين!

ولكن الهوارة والعمى الذهني مستمرين وبسببه اعتصدت البلاد من شرقها إلى غربها، اعتصدت أكثر مما قد كانت معصودة، وطحست إلى حرب أهلية ودولية مدمرة وقاصمة اختلط فيها الحابل بالنابل والجار والصديق والعدو دفعة واحدة فوق رؤوس اليمنيين.

وأصبح نجوم المشهد اليمني من بعد ذلك مجاميع من الإيرانيين والسعوديين والإماراتيين، فيما سقطت البلاد في يد جماعة دينية انقلابية مسلحة، وهدرت البلاد إلى حدف الولاية لعلي.

الولاية هكذا دفعة واحدة بلا انتخابات، وبلا هدار فاضي؟!

أيوااااه

من 2011، مرورًا بـ 2014، إلى اليوم عمومًا والبلاد تعبانة، والناس في حالة ضنكاء.

وانا الآن يا شعب اليمن، أنا مواطن قلبي كسير على بلادي، أسير في الشوارع، والخراب حولي مهول ولا أجد أمام عيوني غير صور للقتلى وللشهداء مطعفرة بكثرة عرض كل الجدران في كل طريق عام أو فرعي، وفي كل بيت، وفوق زجاج السيارات، وأشعر لكأني أمشي في مسلخ.

وطول ما أنا ماشي في الطريق أقرأ عرض الجدران عبارات كلها موت وكراهية وأحقاد، وأقرأ دعوات متكاثرة ومتنوعة في كل مكان كلها تدعونا للعودة معردسين إلى ماضٍ قديم سحيق من أزمنة غابرة!

ناس يشتوا يرجعونا للخلافة الإسلامية، وناس يشتوا يرجعونا للولاية، وإن شافونا في حنين إلى أيام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، يزعلوا ويقولوا: اخرجوا من عباءة الماضي؟!
أيوااااه…

الشي اللي عشناه وشفناه ولمسناه وتعايشنا معه، عندهم ماضي، الناس عايشين فيه ولازم يتطوروا شوية ويخرجوا منه وينسوه لأنه ماض ورحله، ولن يعود !

تمام هذا ماضي…

طيب وعلي وأبو بكر وعمر ومعاوية وعائشة وفاطمة والغدير وموقعة الجمل والحسين وكربلاء وخبير وأرطغل والولاية والخلافة مو هن؟

اخرجوا منهن وشوفوا محلانا اليوم واحنا متطورين..

وبلادنا متطورة مرة مرة، والعالم كله محلق فوقنا يركض ابتنا من شق لا طرف؟!

هذا هو التطور الحقيقي، وهذي هي الإنجازات العظيمة، وهذي هي الثورات الملهمة اللي خلتنا اليوم بين كل شعوب الأرض أمة أشتات وبلاد كسيرة حوشوا فوقها الجن كلهم؟!

*كاتب يمني ساخر.

  • 260
    Shares
Advertisements

تعليقات