Accessibility links

Advertisements
Advertisements
Advertisements

وجدي الأهدل*

لعل أحد أكثر الكتب مقروئية على مستوى العالم في السنوات الأخيرة هو كتاب “نظام التفاهة” للمفكر الكندي آلان دونو، الذي صدر باللغة الفرنسية عام 2015، وترجمته للغة العربية د. مشاعل عبدالعزيز الهاجري، وصدر عن دار سؤال للنشر – بيروت عام 2020.

الكتاب حقق انتشارًا عظيمًا في الشرق والغرب، ولفت الانتباه إلى قضية غريبة نوعًا ما، هي قضية التفاهة التي تحولت بالتدريج إلى نظام عالمي يحكم كوكب الأرض للمرة الأولى في التاريخ.

ما هو نظام التفاهة؟ بحسب ما فهمته من مؤلف الكتاب، فإن هذا النظام يزيح الذوق السليم والتفكير السليم والفطرة السليمة، ويسعى إلى استبدالها بذوق فاسد، وتفكير أعوج، وفطرة مزيفة.

يشير آلان دونو إلى أن هذا النظام اللا إنساني مفروض بالقوة، من قِبَل قوة غير مرئية، على التسعة مليارات إنسان دون استثناء.

لقد رصد آلان دونو ظواهر “نظام التفاهة” في السياسة والاقتصاد والثقافة والفنون والآداب والعلوم وفي التربية والتعليم، وكيف تأتى له أن يحقق نجاحًا منقطع النظير.

في السياسة على سبيل المثال، يشير كنموذج إلى الدول الأفريقية التي تحررت من الاستعمار، ولكنها لم تتخلص من تحكّمه بها من وراء البحار، بواسطة أدوات محلية، يتم تهيئتها لتمسك بزمام السلطة في تلك البلدان، ما يضمن استمرار كافة المكاسب التي كان يجنيها المستعمر قبل رحيله بفضل تعاون وكلائه.

لقد كشف انقلاب النيجر في يوليو الماضي صدق أطروحات آلان دونو، حيث تبين أن فرنسا كانت تشتري اليورانيوم اللازم لتشغيل مفاعلاتها النووية من النيجر بسعر 0.8 يورو للكيلوغرام الواحد، والذي حدث أن قادة الانقلاب ألغوا العقود بتلك التسعيرة المجحفة، وسعَّروا اليورانيوم بالسعر العالمي وهو 200 يورو للكيلو غرام.

هناك حالة مشابهة في اليمن، حيث كانت شركة توتال الفرنسية تشتري الغاز اليمني بسعر 3 دولار لكل مليون وحدة حرارية، وكانت على وشك استئناف شراء الغاز اليمني بهذا السعر البخس، علمًا أن السعر العالمي للغاز لكل مليون وحدة حرارية يتراوح ما بين 10-15 دولار، وهذا الفارق في الأسعار، يتطلب تعديل العقد مع شركة توتال، والبيع بالسعر العالمي، ما لم فإن هذه سرقة فاضحة.

لا أتفق مع آلان دونو عندما يسمي سرقة ثروات الشعوب الفقيرة بعمل تافه، أو أنها تجري تحت مظلة “نظام التفاهة”.. لا أرى هذا المصطلح يعبر بدقة عن النهب المتواصل الذي قامت به أوروبا منذ قرون لثروات العالم.

يفترض آلان دونو أن العنصر المحلي الذي يقبض عمولة من أجل تمرير صفقة رديئة لصالح الشركات العابرة للقارات هو إنسان تافه.. هو كذلك بلا شك، ولكن وصمه بالتافه لا يكفي، إنه مجرم منحط يتسبب في إفقار ملايين البشر، وفي تحويل وطنه إلى دولة فاشلة.

يرصد آلان دونو مظاهر التفاهة في الحصن الأخير للبشرية، وهو البحث العلمي الأكاديمي، التفاهة التي ضربت أرقى الجامعات في العالم، وجعلتها أسيرة للشركات التي تمول الأبحاث والدراسات، وتنفق بسخاء على الأكاديميين والعلماء، وتشتري أولًا بأول نتائج أبحاثهم لتحقيق المزيد من المكاسب السوقية.

لم تعد مخرجات الأبحاث تصب في مصلحة الإنسان، ولا في مصلحة تقدم الجنس البشري، إنها الآن تصب في مصلحة الشركات الجشعة التي لا يهمها سوى ارتفاع أسعار أسهمها في البورصة، وهدفها الأول والأخير هو الربح بأي طريقة، وأما الإنسان فتم اختزاله إلى مستهلك لا غير.

في مجال الفنون تم تسليع الأدب والفن بطريقة ماكرة، متعمدة، وكان هذا هو الانتصار الأعظم لـ”نظام التفاهة”، ومن وجهة نظري كان هذا الانتصار هو الأكثر خطورة على الروح البشرية.

يشرح آلان دونو ما حدث في مجال الفنون بقوله:

“والآن، يمكننا أن نفهم بطريقة أفضل لماذا يُفرض على الفنانين العمل وفقًا لأهداف السوق أكثر من الأهداف المرتبطة بعملياتهم الإبداعية الخاصة”.

لقد كان الفن على مدار العصور المتعاقبة هو المنقذ للروح البشرية من الضلال والتوحش والجشع واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.. الفن هو الذي يهذب النفس ويرقى بها، وهو الذي يشبع حاجتنا إلى الجمال.. وكلما ارتقى الإنسان في تطوره الروحي ازداد شغفًا بكل ما هو جميل كالموسيقى والأدب والفن التشكيلي والنحت والغناء والرقص والفكر والتأمل، وتمكن من لجم شهواته الحسية إلى الطعام والجنس والتملك فلم يعد عبدًا لها.

يلخص آلان دونو العطب الذي أصاب الفنون، بسبب نظام التفاهة بقوله:

“سوف يتملك أصحاب المال، بعد مدة، ثمار المواقف التي ما طُورت أصلًا إلا رفضًا لهم كأثرياء: سوف تؤول إليهم حقوق الملكية الفكرية لتصاميم اللباس الذي ابتدعه أناس كان أسلوبهم فيه قد جعل منهم هامشيين في السابق، في الكليات الرفيعة سوف يُدَرِّسون الأعمال الأدبية البارعة التي أنتجها من رفضهم المجتمع فكتبوها ضد الأغنياء بصعوبة وغضب، سوف يستحوذون على أحياء كان الفقراء هم من أسبغ عليها العقل والروح بما توفر لهم من وقت قليل، وهكذا، فإن لديهم خيار شراء الحقوق الحصرية للاختراعات التي ابتدعتها الأرواح الغنية لأناس واجهوا المتاعب واضطروا للتغلب عليها. بذلك فإن حس الدعابة لديهم، الذي طوروه جيدًا، سوف يجعل لهم الضحكة الأخيرة: سوف يدوي صدى ضحكاتهم الثخينة فيما هم ينحدرون بكل هذه الأشكال، التي طُورت من دونهم، إلى أن يحيلوها عناصر للّعبة التجارية، هذا هو شغفهم الوحيد، إنه استعراض القوة المالية، ولا شيء غير ذلك”.

كما نلاحظ من المقتطف أعلاه أن تسليع الفن في الغرب قد وصل إلى مراحله النهائية، مرحلة التفاهة، ولم يعد هناك أمل في إنقاذ الفن من براثن رجال الأعمال.

وعلى ما يبدو أن الشرق، والوطن العربي بصفة خاصة، يسير في ركاب هذه الموجة، رويدًا رويدًا، وينحدر إلى نظام تفاهة غير مكتوب، غير معلن، يفرض على الأديب والفنان والمفكر العربي الالتزام بمسارات آمنة، تبقيه حاضرًا في المجال الذي ينشط فيه، لئلا يكون منبوذًا.

هناك أسئلة حرجة تجنب آلان دونو الإجابة عنها:

متى بدأ نظام التفاهة وأين؟ ومن الذي فرض هذا النظام على العالم بأجمعه؟ وماذا يستفيد من ذلك؟

لا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة الشائكة ستكلف آلان دونو حياته، لأن كل ما قاله صحيح، لكن كشف جميع الأوراق، وكشف أسماء اللاعبين المتخفين، لن يمر بسلام.

نفهم من كلام آلان دونو أن رؤساء الغرب هم دمى تحركهم خيوط لاعبين لا نراهم، ونفهم كذلك أن الديمقراطية مجرد مسرحية، فلا أحد هناك أيّا كان منصبه، بإمكانه التصدي لنظام التفاهة وإيقافه عند حده.

علينا أن نتذكر أن الاغتيالات التي تحدث في الغرب لشخصيات رفيعة سببها محاولتهم التصدي لنظام التفاهة، وإرساء نظام عادل ينحاز للخير والجمال والنقاء الروحي.

لقد حيّر اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي العالم، وأولهم الشعب الأمريكي نفسه، لكن إذا أخذنا أطروحة آلان دونو على محمل الجد، فإن نظام التفاهة هو الذي قتله.

تجرأ آلان دونو على كشف متى بدأ نظام التفاهة في مجال الفنون، بإشارة خافتة جدًّا، وله الحق في ذلك، حين أشار إلى نافورة دوشامب، وبحسب الهامش الذي أوردته المترجمة، فإن “النافورة” هي مبولة للفنان الفرنسي مارسيل دوشامب، عرضها عام 1917 في معرض فني بباريس، واستطاع نظام التفاهة أن يقنع الجميع أن هذه المبولة من أهم الأعمال الفنية في القرن العشرين، وأنها تعلن بداية مرحلة جديدة في تاريخ الفن!

الكتاب شديد الأهمية، ويمهد الطريق للبحث عن إجابات تهم البشرية بأسرها، وكما قلنا نجد تلميحات من آلان دونو، بالكاد ننتبه لها، تشير إلى من يتربع على القمة ويدير نظام التفاهة من وراء الكواليس.

* ورائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات