Accessibility links

وجدي الأهدل*
يتلهف اليمنيون كبارًا وصغارًا لمشاهدة الأعمال الدرامية اليمنية، وخصوصًا في شهر رمضان الكريم، ولكن نادرًا ما تُرضي هذه الأعمال آمالهم، فيشعرون بغصة في الحلق، لأن هذه الدراما عسيرة البلع فعلاً.

Advertisements

ثلاثون مليون يمني يترقبون جديد الدراما اليمنية كل عام، وهم يُدرجون هذه الدراما ضمن طقوسهم الرمضانية الجميلة، التي تكسر رتابة برنامجهم الاعتيادي في باقي شهور السنة، ورغم تدني جودتها فإن الإقبال على مشاهدتها عالٍ جدًّا، وهذا ما نلمسه من خلال النقاش العام في البيوت والمقايل والمقاهي، وفي وسائل التواصل الاجتماعي.

مع العلم أن هذا المشاهد لم يعد غِرًّا، فهو يشاهد المسلسلات المصرية والسورية والخليجية ذات الجودة التي تتراوح ما بين المتوسطة والمقبولة، وكذلك يشاهد المسلسلات التركية التي تسحر الألباب، بالإضافة إلى الدراما الهندية والكورية والمكسيكية التي لها متابعون ومعجبون كُثر.

أين يكمن الخلل في الدراما اليمنية؟ لا شك هناك عناصر متعددة تكمن خلف هذا الخلل، ولكنني سأتناول هنا عنصر السيناريو الذي أُعده أهم عنصر على الإطلاق في العمل الدرامي.

ويتفق مع هذا الرأي المخرج الأمريكي العبقري ألفريد هتشكوك الذي يقول: “هناك ثلاثة عناصر لصناعة أيّ فيلم جيد، وهي: السيناريو، السيناريو، السيناريو”.

فلماذا لا يوجد كتّاب سيناريو ممتازين في اليمن؟ على الرغم من أن فيها المئات من الكاتبات والكتّاب الذين يكتبون القصص القصيرة والروايات والمسرحيات، وهناك المئات إن لم يكن الآلاف من كاتبات وكتاب المحتوى الذين لهم خبرة ومعرفة بصنع المحتوى الإبداعي.. فلماذا يبدو مجال الكتابة الدرامية قاحلاً؟ وبدليل أن يظهر ممثل كوميدي معروف في لقاء تلفزيوني ليصرح قائلاً بأن اليمن تخلو من كتّاب السيناريو؟؟ طبعًا هذا الممثل الكوميدي يكتب مسلسلاته بنفسه، وهو يوهم الرأي العام أن اليمن محرومة فعلاً من الموهوبين، وعليه فإنه العبقري الوحيد في اليمن الذي عليه أن ينهض بواجب كتابة السيناريو! هذا الممثل ومن لف لفه هم أحد أسباب انكفاء الموهوبين في الكتابة على ذواتهم، وتفضيلهم الابتعاد عن مجال الكتابة الدرامية، لأن هذا الممثل النجم مثلاً قد أغلق الباب في وجوههم بصفاقة، مدعيًا أنه لا يحتاج إلى معونتهم، وأن موهبته أعلى منهم جميعًا، وهكذا فهو الأَوْلى بالاستحواذ على المبلغ المخصص للسيناريو، وعلينا ألا نحسده على شطارته وفهلوته في زيادة دخله.

وليت الأمر يقتصر على هذه الإزاحة الفظة، ولكن الأدهى أن سرقة السيناريوات شائعة جدًّا، فلا يكاد يوجد مبدع يمني حاول الدخول في هذا المجال إلا واكتوى بنار نهب سيناريواته.

إذن أول وأخطر مشكلة يواجهها السيناريست في اليمن هي تعرض السيناريو الذي يكتبه للسرقة، ومع الأسف لا توجد وسيلة لتوثيق العمل وحفظ حقوق الملكية الفكرية للمؤلف، وهذا القصور القانوني هو نقطة ضعف مميتة، وإذا لم تُعالج فستظل الدراما اليمنية عرجاء، لديها المعدات الفنية المتطورة والمخرجين الأكفياء، ولكنها تفتقر إلى السيناريو الرفيع المستوى.

المشكلة الثانية التي يواجهها السيناريست اليمني هي عدم وجود طرق صحيحة متعارف عليها لتسليم عمله. حتى الآن لا توجد مؤسسة إنتاجية يمنية أو قناة فضائية يمنية تخصص بريدًا إلكترونيًّا لتلقّي السيناريوهات، وتوظف قارئ سيناريو لديه الخبرة الدرامية الكافية ليقوم بقراءة السيناريوهات المرسلة، ومن ثم الرد على كتاب السيناريو الذين أرسلوا أعمالهم بالقبول أو الرفض.

وهذه الطريقة الرسمية في التعامل مع كتاب السيناريو هي السائدة في كل بقاع العالم، وتضمن للمؤلف ألا يضيع عمله في دهاليز خفية لا يعرف من يترصد عمله فيها.

المشكلة الثالثة التي تُنفر المبدع اليمني من كتابة السيناريو هي تدني الأجور. وتكاد تكون اليمن هي الدولة الأدنى من حيث أجور الكتابة الدرامية، مقارنة بما يتم دفعه في مصر وسوريا ودول الخليج، وعلى سبيل المثال فإن الحد الأدنى للحلقة التلفزيونية في سوريا هو خمسمائة دولار، والرقم قابل للزيادة بالنسبة لكتاب السيناريو المعروفين.

وبالإضافة إلى تدني الأجور، يعاني السيناريست اليمني من مشكلة تأخر دفع مستحقاته، إذ جرت العادة في اليمن ألا يتم الدفع للسيناريست إلا عند عرض المسلسل، أيّ في منتصف شهر رمضان تقريبًا، وهكذا يتم ربط مستحقات السيناريست بعملية بيع حقوق عرض المسلسل، وهذا بالطبع يخالف السائد في الدول العربية وسائر دول العالم، حيث تشتري جهة الإنتاج السيناريو وتدفع للسيناريست مستحقاته كاملة، ولا تربطه بعملية الإنتاج والعرض.

يمكن لقناة فضائية أو شركة إنتاج تحمُّل كلفة شراء سيناريوهات حتى ولو لم يتم إنتاجها، ولكن بالنسبة للمؤلف الذي كتب سيناريو مسلسل تلفزيوني تربو صفحاته على الألف صفحة ولم يجد له مشتريًا، فإن هذه ستكون بمثابة ضربة قاضية ستجعله يترنح طيلة حياته، وغالباً لن يفكر في أن يضع قدمه مرة أخرى في هذا المجال.

القيود الرقابية المبالغ فيها هي من العوامل التي تضعف الدراما اليمنية، وتثقل كاهل السيناريست اليمني، وتجعل مساحة تخيله محدودة جدًّا.. ولا مقارنة بمساحة الحرية المتاحة للسيناريست المصري أو السوري، وحتى المسلسلات الخليجية لديها مساحة حرية أعلى من المسلسلات اليمنية، سواءً من حيث القضايا والأفكار، أو من حيث طريقة ظهور الممثلات وأداء أدوارهن.

وهناك مشكلة مستجدة ألقت بظلالها على السيناريست اليمني هي التحسس من اللهجات المحلية.. فإذا كتب السيناريست حوارات مسلسله بلهجة منطقة معينة فإن هناك احتمالاً شبه مؤكد أن السيناريو سوف يرفض.. والحل هو كتابة حوارات السيناريو بلهجة عامية بيضاء لا تدل على منطقة بعينها. وهذه مهارة جديدة على السيناريست اليمني اكتسابها.

هكذا نلاحظ أن تنوع اللهجات اليمنية – وبسبب التعبئة السياسية – أصبح قيدًا على السيناريست اليمني، وعليه أن يناور بكل قواه لينجو من هذا العائق الذي لم يكن له وجود قبل الحرب.

الجهات المختصة بالإنتاج الدرامي في اليمن تضع من جانبها قيدًا على إبداع السيناريست اليمني عندما تطلب نوعًا واحدًا فقط من الدراما: الكوميديا.

فإذا قدم السيناريست عملاً تراجيديًّا، فسوف يقابل بالرفض، وسيردون عليه بأن المشاهد اليمني يحتاج بعد وجبة الإفطار الرمضانية الدسمة إلى إثارة ضحكاته، بغرض مساعدته على هضم السنبوسة والمحلبية والسلتة، وأنه من قلة الذوق أن يعرضوا له على الشاشة مسلسلاً اجتماعيًّا يثير توتره ويستدر دموعه!

وهكذا نعلم أن السيناريست اليمني ملزم تقريبًا بمساعدة الشعب اليمني على هضم فطوره الرمضاني، وإلا فإنه لن يجني فلسًا واحدًا من هذه المهنة.

لكن بعد كل هذه المنغصات، سوف يُفاجأ السيناريست اليمني بأن الممثل الذي تم اختياره لدور البطولة ليس معجبًا بدوره، وهنا عليه أن يحذف ويضيف مراعاة لخاطر النجم، الذي سيسعى إلى إضافة مشاهد أكثر لنفسه، وحذف مشاهد زملائه الممثلين، محاولاً قدر الإمكان الاستئثار بالكاميرا لأطول وقت ممكن، حتى ولو أدى ذلك إلى حذف خطوط درامية وإضعاف السيناريو.

وهذا القصور في وعي الممثل مرده عدم فهمه لأصول الدراما، وأن إضعاف الممثل الذي سيقف أمامه، سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف دوره هو أيضًا، وبالتالي ظهور العمل باهتًا ككل.

أفضل حل لهذه الحزمة من المشكلات التي تعيق ظهور كتاب سيناريو يمنيين ممتازين، هو إنشاء كيان نقابي خاص بهذه الشريحة من المبدعين، أو عمل ميثاق شرف يوقع عليه العاملون في هذه المهنة، بحيث يحفظون حقوق الملكية الفكرية لأعمالهم عن طريق توثيقها في النقابة، ويعالجون تدني الأجور عن طريق وضع حد أدنى للأجور يلتزم به جميع أعضاء النقابة، مما سيضطر الجهات المنتجة إلى الاستجابة لطلباتهم.

ويمكن أيضًا القيام بالكثير من الخطوات القانونية والحقوقية التي سوف تساعد على ازدهار الأحوال المادية لكتّاب السيناريو، وتحول كتابة السيناريو إلى مهنة محترمة ومربحة.

*روائي وكاتب يمني.  

  • 437
    Shares
Advertisements

تعليقات