Accessibility links

ليبيا وعودة الربيع.. “ومن ليبيا يأتي الجديد” – هيردوت


Advertisements

عبدالباري طاهر*
في الأول من يوليو هبت رياح الربيع العربي مجددًا في ليبيا. كانت ليبيا في طليعة ميادين الربيع، ولكن الطاغية معمر القذافي، وسلطنات الخليج رموا بثقلهم، وحشدوا المرتزقة لتحويل الربيع إلى صيف ساخن، بل جحيم أحرق ليبيا، وفتحوا الأبواب أمام التدخل الأجنبي.

الحرب الإجرامية فككت المجتمع الليبي، وأفسحت السبيل أمام الأطماع الدولية لنهب ثروات ليبيا. استنجد القذافي بالجنجود، وبمرتزقة أفارقة لقمع الاحتجاجات بعد عجز جيشه ومليشياته، وتهديداته بالحرب “من زنقة إلى زنقة”، وهو أيضًا ما ردده علي عبدالله صالح “من طاقة إلى طاقة”، وتدخلت قطر والإمارات لعسكرة الاحتجاجات السلمية؛ لوأد الانتفاضة، وهو نفس ما عملوه في سوريا واليمن بالتحالف والتحارب مع الإسلام السياسي، أداة الثورة المضادة في الربيع العربي.

تحارب الأنظمة المستبدة، والإسلام السياسي وحلفائهم هو السبب الأساس في عسكرة الاحتجاجات المدنية السلمية وضربها في بعض بلدان الربيع العربي، وكان الاستثناء الانتفاضتين: الفلسطينية، والسودانية اللتين ظلتا حاضرتان ومتكررتان رغم القمع الوحشي من قبل الجيش الاستعماري الإسرائيلي، والجيش السوداني، ومليشيات الجنجويد (قوات الدعم السريع).

الانتفاضتان الليبية واليمنية جرى عسكرتهما بالحرب. اليمن باحتراب جيش علي عبدالله صالح، وفرقة علي محسن، وبانقلاب صالح وأنصار الله.

الثروات النفطية في ليبيا دفعت دولاً عديدة للتسابق على التدخل، فيها بما في ذلك الناتو. شُنَّت حرب جائرة على ليبيا، واشترك فيها الأمريكان والأوروبيون ودول نفطية، ولاحقًا تركيا، ودول عربية، ومرتزقة فجنر الروسية، والجنجويد، ومن بلدان إفريقية أخرى.

في ليبيا حاليًّا حكومتان، ونواب منقسمون، وأكثر من جيش، ومليشيات عديدة. المظاهرات الحالية اتسمت بالعنف، وإحراق مقرات رسمية، ولكنها تؤكد على السلمية، وتمتد إلى عدة مدن ومناطق مختلفة في طرابلس الغرب، وطبرق، وسرت، والشرق، أي أنها تشمل مختلف مناطق ليبيا المهمة.

الظاهرة اللافتة أن الأطراف المختلفة أيدت المظاهرات، والأهم تصريحات الجيش (خمسة زائد خمسة) في ترحيبها بالمظاهرات، وإعلان حمايتها.

يومًا عن يوم تتصاعد المظاهرات المطالبة برحيل النخب السياسية التي أفسدت الحياة، وكانت السبب في تفكيك ليبيا وسرقة ثرواتها، وأتاحت الفرصة للتدخل والوجود الأجنبي، والمرتزقة متعددة الجنسيات.

أهمية الاحتجاجات السلمية أنها تضع النخب الحاكمة المتحاربة موضع المساءلة، داعيةً لرحيلها، وفي ظل انقسام وصراع هذه النخب، فإن الاحتجاجات السلمية تلقى القبول والتأييد وطنيًّا وعربيًّا ودوليًّا، وتفقد المليشيات والمرتزقة والوجود الأجنبي مبرر وجودها، وأرضية تدخّلها، والأهم اتساع نطاق هذه الاحتجاجات السلمية لتغمر الأرض الليبية كلها.

في الحقيقة لا خلاص من النخب الفاسدة والمستبدة، ومن المليشيات المسيطرة، والوجود والتدخل الأجنبي غير هذه الهبة الشعبية الواعدة بالتواصل.

تتظافر الاحتجاجات الليبية مع الانتفاضة السودانية المتصاعدة منذ 25 أكتوبر 2021، وبعد مضي ثمانية أشهر على الانتفاضة السودانية، ورغم القمع الوحشي الذي قتل أكثر من مئة، ورغم الاعتقالات الكيفية، وجرائم الاغتصاب، والانتفاضة تتجذر وتتصاعد واعدة بالانتصار على طغمة البشير البرهان وحميدتي والكباشي.

الاحتجاجات الليبية والانتفاضة السودانية تدللان أن الربيع العربي لم يمت، وأن جذوته لا تزال مشتعلة في مناطق، وتحت الرماد شرارة مشتعلة في مناطق أخرى، فجسد البوعزيزي ما يزال ملتهبًا، وروحه ما تزال تؤرق الضمائر الحية في الأمة كلها.

هناك شبه كبير بين ربيع ليبيا، وربيع اليمن، فالطاغيتان: القذافي وصالح، احتكما للسلاح من الوهلة الأولى، وحرصا على عسكرة الحياة شأن طاغية سوريا أيضًا، وكان التدخل الأجنبي في البلدين قويًّا. صحيح أنه في ليبيا أكثر وأقوى بحكم الثروة النفطية، إلا أن التدخل الخليجي كان له حضور قوي في البلدين، ولا يزال حضوره المباشر في اليمن فاعلاً، خصوصًا في الجنوب.

اقتسمت الإمارات والسعودية اليمن، فتفردت الإمارات بالجنوب، وتفردت السعودية بالشمال، وعملا معًا على تفكيك اليمن، وتدمير الكيان الوطني، وتمزيق النسيج المجتمعي.. أما ليبيا، فالإمارات تولت دعم حفتر في الشرق، ودفع أوردغان بجيشه ومرتزقته من أنصار الدولة الإسلامية، وهيئة تحرير الشام، وجبهة النصرة، وأحرار الشام الموالين لتركيا لدعم الإسلام السياسي في الغرب الليبي.

الاحتجاجات المدنية السلمية تؤذن بميلاد ربيع جديد في مواجهة قوى الثورة المضادة، والاحتراب في عموم ليبيا المدعوم بالمرتزقة والوجود الأجنبي والتدخل الخارجي.

إن الانقسامات في صفوف النخب الحاكمة مدنية وعسكرية، وفسادها الفاضح، والاختناق السياسي، وحالة المجاعة، وانعدام الأمن والسلام والاستقرار وانعدام مياه الشرب، وانقطاع التيار الكهربائي في بلد من بلدان النفط الغنية تمتلك ثروات زراعية وحيوانية، وتصل المجاعة فيها إلى أرقام قياسية يمثل فضيحة، وهذا ما أدى إلى التظاهر، في حين يفشل المجتمع الدولي في إجراء الانتخابات؛ لأن كل رموز الحكم الفاسدة تريد الترشح، واحتكار السلطة المسخرة للمليشيات والمرتزقة والوجود الأجنبي.

تراجع العسكر والدعم السريع السوداني خطوة للوراء، وإنْ كانت تكتيكية، إلا أنها تعني عجزها عن الحسم العسكري، وعدم القدرة على قهر الانتفاضة المشتعلة منذ 25 أكتوبر 2021، وهو ما يؤشر إلى ربيع قادم، وقد رفض المنتفضون خطوة البرهان.

الانتفاضة السودانية بوابة كبرى لربيع عربي قادم بشائره الأولى في ليبيا، والوضع في ليبيا لا يختلف كثيرًا عنه في اليمن؛ فالنفط والغاز هنا وهناك منهوب، وإن كان في ليبيا أكثر، والفساد في النخب المتسلطة فاشٍ ومتسيد، والاستبداد وقمع الحريات ومصادرة الرأي، وتفكيك الكيان الوطني، وتمزيق النسيج المجتمعي قاسم أعظم ومشترك.

النواب في البلدين منقسمون، والحكومة والجيش والأمن والنخب منقسمة ومتصارعة، والبلدان في حالة مجاعة وافتقار لأبسط مقومات الحياة.

* نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق.

   
 
Advertisements

تعليقات