Accessibility links

لوّن العام برتقاليًّا.. 16 يومًا لا تكفي!


Advertisements

بلقيس محمد علوان*
تظل جملة (العنف القائم على النوع الاجتماعي) تستفز حفيظة الكثيرين، البعض يعارضها قائلين: ديننا كرّم المرأة، وأنصفها، والبعض يعارضها بدعوى أنها فكرة جاءت من الغرب، الذي يريد لنسائنا التفسخ والانحلال – حد تعبيرهم، والبعض يعارضها بحجة أننا مجتمعات محافظة ولها من القيم ما يحافظ على المرأة مصونة ومكفولة، مشمولة بالرعاية والحماية.

حسنًا! دعونا لا نسميه عنفًا، بل لا نطلق عليه أيّ مسمى، لكن لنستعرض بعض المشاهد التي ترافقنا ونعيشها ونتعايش معها، ونطلق عليها أحكامًا دونما تفكير أو وعي فقط؛ لأنها متناقلة ومتداولة.

ظلت جارتي في حالة رعب طوال حملها خوفًا من أن يكون ما في بطنها بنتًا ثالثة بعد أختيها، ورزحت طوال حملها تحت التحذير والتهديد والوعيد إن أنجبت بنتًا، ولن أنسى صوت زوجها، وهو يبكي في ديوان منزلهم، بعد أن صب عليها كلمات الغضب والسخط والأسى وخيبة الأمل، بدلاً من فرحته بسلامتها، ولن أنسى ملامح الحزن والخيبة في وجهها، وفوق ذلك شعورها بالذنب؛ لأنها خيبت أمل الجميع، ولم تحظَ بولد يعزز مكانتها في الأسرة، ومن حولهما كان الجميع يواسونه: البنات مفاتيح الجنة، ويواسونها: إن شاء الله المرة القادمة ولد في محاولة لتخفيف وقع المصاب على الأبوين، وكلهم مجمعون على أن الحدث ليس سعيدًا على الأقل، أليس هذا المشهد مألوفًا ريفًا وحضرًا؟ 

تفخر أم الذكور بأنها أمًّا لذكور، وإن كانوا فاشلين، وإن كانوا عديمي الفائدة، وإن كانوا مخيبين للآمال، تساند هذه الأفكار منظومة معتقدات مصاغة في أمثلة شعبية تجري مجرى القواعد الاجتماعية، وتفصح الأمثال الشعبية عن كثير من مظاهر التمييز ضد البنت في المجتمع ومن أمثلتها.. إذا هرب الولد أسلم جلده، وإذا هربت البنت أعدموها، والمعنى أن الولد عندما يهرب من العقوبة من والديه فقد أسلم نفسه، أما الفتاة إن فعلت فتستحق الإعدام، انظروا إلى الفرق!

ومن الأمثال الشعبية أيضًا: لا تضحكي يا أم البنات، ولا يا أخت الخوات الدهر فيه الغزوات، والمعنى أن الزمن سيثبت أن البنات جالبات المصائب، وهذا مثل آخر: شرف البنت مثل الكبريت ما يولع إلا مرة واحدة، وقريب منه المثل القائل: البنات مكسرات الرؤوس منكسات العمائم، ومثل آخر يقول: البنت ونّة (بمعنى أنين)، والولد جنة، وهي تشير صراحة إلى نظرة المجتمع لأخطاء وتصرفات البنت، كما تشير إلى أن البنت شر محض وإلى تفضيل الولد عنها مهما كان وضعه وأخطاؤه، وينظر إلى المرأة في كل مراحل عمرها نظرة انتقاص مهما تميزت ومهما قدمت للمجتمع، ومن الأمثلة الشعبية التي تؤكد ذلك: المرة مرة ولو تبندقت، وكلمة امرأة أو مرة في الاستخدام الدارج غالبًا تستخدم للانتقاص، ولذلك يطلق العامة على من ينتقصون مواقفه أو لا يقبلون ردود أفعاله بالـ…المَرَة، ومن يعتبروه ضعيفًا يطلقون عليه تربية مرة، والرجل الذي تربيه أمه لوفاة والده أو انفصاله عنها، وتنصله عن مسؤوليته هو في المثل المتداول (تربية مكلف نص رجال لو أصلحه الله)، وحتى عندما تحمد تصرفات امرأة أو توصف بمواصفات إيجابية فيقولون بمائة رجل، وأخت الرجال، وبهذا الموروث الثقافي واللغوي الذي يعكس أفكارًا متجذرة تتأطر كثير من تصرفات الرجال والنساء على حد سواء ومواقفهم وأحكامهم، وآراءهم، ونظل نتبناها ونعيد إنتاجها، بوعي وبدون وعي.

ما القرار الذي يمكن أن نقول إن للبنت في مجتمعنا حرية اتخاذه؟

 الدراسة؟ التخصص؟ العمل؟ السفر؟ الزواج؟ تنظيم الأسرة؟ الولادة في المرفق الصحي؟ التملك والاستثمار؟ المطالبة بالميراث؟ اختيار ما تلبس؟ استصدار جواز سفر أو بطاقة شخصية بدون حضور أحد أقاربها؟ التصرف في مالها أو دخلها؟ كل هذه الأمور سنجد تفاوتًا كبيرًا، لكن الميزان مختل بشكل واضح لا تملك المرأة في أغلب جغرافيا وطننا، الذي ريفه يشغل ثلاثة أرباعه، قرارات حياتها… تقرر الأسرة تعليمها وتتخذ قرار توقفها عن الدراسة، تزوجها، وإن اختلف أهلها مع زوجها طلقوها منه، وفي أغلب حالات الطلاق تصرّ أسرتها على تركها لأولادها لأبيهم لأنهم (عيال الناس)، وما أن تعود مطلقة إلى بيت أبيها حتى توضع في إطار آخر يحدد فيه دخولها وخروجها، ومهامها المنزلية، وتفاصيل كثيرة في حياتها، بل وتفقد حتى امتيازات كانت متاحة لها في بيت أبيها قبل الزواج، والأمر مختلف تمامًا في حالة الولد، فما التسمية التي يمكن أن نطلق عليها لنعبر عن التفاوت والتمييز بسبب كون الأنسان ذكرًا أو أنثى في كل هذه المشاهد؟ 

بنص المــادة (41) من دستور الجمهورية اليمنية: (المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة)، لكن العديد من القوانين تنطوي على نصوص تمييزية ضد النساء، ومن هذه القوانين قانون العقوبات، حيث تنص المادة (41) منه على أن: (دية المرأة نصف دية الرجل وأرشها مثل أرش الرجل إلى قدر ثلث دية الرجل وينصف ما زاد ويعتمد في تحديد نوع الاصابة على تقرير من طبيب مختص أو أهل الخبرة وإذا طالت الإصابة أو سرت إلى مالم يقدر أرشه فيلزم حكمه بما تراه وتقدره المحكمة).

هذا النص القانوني يخالف مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور اليمني، حيث انتقص قانون العقوبات دية المرأة إلى نصف دية الرجل، وهذا مفهوم خاطئ لتأويلات خاطئة للفقه الإسلامي، كما تنص المــادة (232) من قانون العقوبات على تخفيف العقوبة لمن يرتكب جريمة القتل ضد زوجته أو أصوله أو فروعه أو أخواته بمبرر الشرف… وهذا يساعد على نشر هذه الجريمة، ويهدد استقرار المجتمع، والبعض يستخدم هذا التخفيف في جريمة القتل ضد النساء ليبرر جريمته ويخرج بعقوبة مخففة جدًّا قد تكون سنة واحدة حبس بدلًا من الإعدام، ويتعطل النص القرآني “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، وكم من الحالات رصدت مؤخرًا وعلى مر السنوات تحت مظلة هذا القانون، وعرف جرائم الشرف.

هناك من سيقول إنني أركز على الجوانب السلبية وأتجاهل أن هناك الأب والأخ والزوج المساندين، وسأقول هذا هو الوضع الطبيعي من حق البنت كما من حق الولد أن يحظون بالمساندة والدعم والعناية والحماية.

لقد جعلتنا ثنائية الفقر والحرب أسوأ وأعنف وأقسى على أنفسنا، الكل يعاني والكل معنف، كل المؤشرات تقول ذلك، لكنها تقول أيضًا: إن الفتيات والنساء والفئات الأضعف في المجتمع يتلقون النصيب الأكبر من العنف، وسنظل نعيد إنتاج العنف مالم نصل لقناعة أن المجتمع يتعافى بنساء ورجال متعافين من العنف، مستقلين، ويملكون حرية اتخاذ قراراتهم الشخصية، وهذا هو منطلق التغيير الذي يبدأ من البيت: من تربيتنا لأولادنا ذكورًا وإناثًا على أنهم بشر متساوون يستحقون كل الخير في الحاضر والمستقبل، أقوياء ومستقلين ومسؤولين، وتكاتفنا جميعًا لتعديل النصوص القانونية التمييزية، ومن دون ذلك ستظل مناهضة العنف ضد المرأة حبيسة ورش وأنشطة موسمية ومحصورة في قضايا محدودة، مثل التحرش والاغتصاب، وزواج الصغيرات وختان الإناث، وهي قليل من كثير يتكاتف العرف والثقافة المجتمعية والعديد من القوانين مجتمعة للحفاظ على ميزان مختل وغير منصف بحق النساء، وسيظل ركام العنف جبل أغلبه مطمور تعززه الأعراف والثقافة المجتمعية، والتأويل الخاطئ، وهي منظومة لا بد من تفكيكها ومواجهتها.

وحول العالم تستمر حملة الستة عشر يومًا من النشاط لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهي حملة دولية لمواجهة العنف ضد المرأة تُنظم كل عام ابتداءً من 25 نوفمبر، وهو اليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، إلى 10 ديسمبر، وهو يوم حقوق الإنسان بمشاركة أكثر من 3700 منظمة من 164 بلدًا…. وفي هذا العام تُنظم الحملة تحت شعار “لوّن العالم برتقاليا: فلننهِ العنف ضد المرأة الآن”، وتشهد الحملة فعاليات من بينها إضاءة المباني والمعالم الشهيرة باللون البرتقالي للتذكير بالحاجة إلى مستقبل خالٍ من العنف… 

وفي تقديري أن ستة عشر يومًا لا تكفي! فما تعانيه النساء والفتيات من عنف كثير، وما تتطلبه المواجهة من الجهد أكثر، ولمن تستفزهم عبارة (العنف القائم على النوع الاجتماعي) أقول: إن لم تكن كل تلك المشاهد التي استعرضناها سويًّا (عنفًا) موجهًا ضد المرأة، لأنها أنثى، فما عسانا أن نُسميها؟!

*أكاديمية وكاتبة يمنية.

   
 
Advertisements

تعليقات