Accessibility links

Advertisements

جيمس زغبي*
حين ظهرت الأنباء عن انتشار متحور أوميكرون في الأسابيع القليلة الماضية، تنهدت ابنتي وقالت «إنني استسلم. في الوقت الذي اعتقد فيه أننا تجاوزنا المنعطف، نعود إلى البداية مرة أخرى. أظن أنه يتعين علينا التسليم بحقيقة أن هذا لن ينتهي أبداً».

كانت تعبر عن الخوف الذي يشعره كثيرون بأن هذا المتحور إذا تمخض عن موجة خامسة من الفيروس، فسيكون هو المتحور الذي يصيب معنوياتنا في النهاية بالانهيار. وإذا توخينا الأمانة في النظر إلى وضعنا الحالي، فهذا يقودنا إلى استخلاص أن العودة المأمولة إلى الوضع الطبيعي، مجرد أماني، على أفضل الأحوال.

وبعد 21 شهراً من جائحة كوفيد-19، نجد أنفسنا في «وضع طبيعي جديد» لأن أشياء كثيرة للغاية تغيرت لدرجة أن الحياة لن تعود ببساطة إلى ما كانت عليه قبل الجائحة. فمن جديد، سمح الكثير من وكالات الحكومة والشركات الكبيرة للموظفين بالعمل عن بُعد، واختار كثيرون منهم عدم العودة إلى مكاتبهم.

وفي الولايات المتحدة، كثيرون من عمال الخدمات منخفضي الأجور، بعد فصلهم من عملهم في بداية الأمر، عادوا إلى الالتحاق باقتصاد الوظائف المؤقتة. فقد أصبح هؤلاء العمال يكسبون أكثر ويتمتعون بالحرية والمرونة التي يوفرها هذا العمل. ومع إعادة فتح أماكن عملهم السابقة، اضطر أصحاب العمل إلى زيادة أجورهم بعد أن وجدوا صعوبة في العثور على بدلاء لهم.

وفي المدن الكبرى، أصبحت العقارات الإدارية خالية وأُغلقت بعض الشركات التي كانت توفر مثل هذه الخدمات. ووسعت المطاعم أماكن الجلوس في الهواء الطلق مقتطعة جزءاً من المساحات المخصصة لمواقف السيارات، وكل هذا لاستيعاب العملاء الذين يكترثون للإجراءات الاحترازية لتفادي الإصابة بالمرض.

وتقلصت كثافة وسائل النقل العام بسبب الانخفاض في عدد المسافرين. ونتيجة لكل هذا، تغير وجه مراكز المدن. لكن أخطر التغييرات ليست مادية بل سياسية ونفسية. وفي وضعنا الطبيعي الجديد، أصبح تصورنا السياسي خطير الشقاق. فخلافنا لا يقتصر على قضايا أساسية مثل العرق والمساواة بين الجنسين، بل أصبح التفسير السياسي الشقاقي يمتد إلى قضايا مثل صحتنا وصحة أطفالنا ومجتمعاتنا.

وتحولت اجتماعات مجالس المدارس ومجالس المدن إلى حلبة جدل غاضب ومشحون بشأن فرض وضع الكمامات وتلقي اللقاحات. وتلقى بعض المسؤولين الحكوميين الذين فرضوها تهديدات بالقتل. والمثير للقلق الشديد هو أن المنطق كان غائباً عن هذه المناقشات الغاضبة حول هذه الأمور المتعلقة بالحياة والموت.

فمعدلات الإصابة بمرض كوفيد-19 بين غير الحاصلين على اللقاح تزيد خمس مرات عن تلك التي بين الحاصلين على اللقاح، ومعدلات دخول المستشفيات لتلقي العلاج والوفيات أعلى بعشر مرات بين غير الحاصلين على اللقاح.

وما أخشاه هو أن يتحول هذا الشقاق العميق والراسخ إلى وضع طبيعي جديد. فلن يشعر بعضنا بالراحة دون وضع كمامات قبل أن تمر فترة طويلة، وسنظل ننظر بريبة وببعض من الخوف أو الاستياء إلى الذين يرفضون وضع الكمامات أو الحفاظ على التباعد الاجتماعي. وفي المقابل، سينظر الأشخاص الذين لا يضعون كمامات إلى الملتزمين بوضع الكمامات ليس باعتبارهم أشخاصاً يكترثون لصحتهم وصحة عائلاتهم بل باعتبارهم ليبراليين مترفعين يمثلون وينقلون بياناً سياسياً بارتدائهم الكمامات وحفاظهم على الإجراءات الوقائية.

وهذا هو الحال الذي أخشى أننا بلغناه. تتغير مدننا وأماكن عملنا أيضاً، وأصبح اختلافنا غاضب وعميقاً لدرجة أن المرض الفتاك أصبح تصوراً حزبياً. وحتى لو تم احتواء متحور أوميكرون هذا أو ما قد يأتي بعده من متحورات، أعتقد أن الوضع الطبيعي السابق لم يعد قابلاً للتكرار. فالوباء يغير حياة هذا الجيل بالطريقة التي غير بها الكساد الكبير والحربان العالميتان والحرب الباردة حياة أجدادنا وآبائنا. لقد تكيفوا ونجوا، وما زال يحدوني أمل سنفعل هذا أيضاً.

*رئيس المعهد الأميركي العربي- واشنطن

   
 
Advertisements

تعليقات