Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*
سِفر ألف ليلة وليلة هو الدواء الأمثل لمرض العشق والشغف بأنثى ميؤوس منها. وهذه حالة مررتُ بها في سنوات المراهقة، حيث عشقتُ صبية تُماثلني في العمر، وكعادة الفتيان في هذه السن أُغرمتُ بها بشدة، وصرتُ أنتهزُ كل فرصة للنظر إليها، إلا أنها غابت للأبد برحيل عائلتها إلى بلد آخر. وقعتُ في حالة كمد لا يمكن للكلمات أن تصف مدى وطأتها على النفس، وتسربت المرارة إلى فمي، حتى إلى الماء الذي أشربه، وفقدتُ الاهتمام بدراستي وتماريني الرياضية، وانزويتُ في سريري أجترُّ أحزاني في حلقة مفرغة من السلبية السوداء التي لا فكاك منها.

ربما حدس والدي بمعاناتي القارّة، أو لعله سمع تنهداتي الحارة، فاشترى كتاب ألف ليلة وليلة وأهداه لي. عكفتُ على قراءة الكتاب، ولدهشتي شُفِيتُ من الحالة السلبية التي كنت أتردى فيها.. لقد ازداد هيامي وتعلقي بالمحبوبة، لكن هذا الحب تحول إلى طاقة إيجابية ومصدر للفرح والتفاؤل، فعدتُ إلى مذاكرة دروسي وتماريني الرياضية، وبدا وكأن ذلك الكتاب السحري قد أمدني بأملٍ خفيٍّ في تحقيق المعجزة التي أتمناها، ألا وهي الاقتران في نهاية الأمر بالفتاة التي أحبها.

ابتكر (صاموئيل هانيمان) عام 1796 مبادئ الطب الهوميوباثي، وهي نظرية في المعالجة تنص على أن الشخص المريض يمكن أن يُشفى باستخدام كميات ضئيلة من المواد التي تسبب في جسم الشخص السليم أعراضًا مُشابهة لأعراض الشخص المُصاب.

لم يتوصل أّي أحد في هذا العالم حتى الآن إلى ابتكار دواءٍ يشفي من أعراض الحب التي قد تؤدي في بعض الحالات إلى الانتحار، لكنني أزعم أن قراءة كتاب ألف ليلة وليلة كفيلة بشفاء القلب العليل. وبما أن (الحب) موجة نفسية تسبح في بحر الشعور، وليس ألما عضويًّا، فإننا سنحتاج – وفقًا لمبادئ الطب الهوميوباثي – إلى دواءٍ يُحدثُ مفعولاً نفسيًّا، ويُلقّح مُتعاطيه بجرعة مخففة من العشق. والكتاب الذي يمكنه أن يُحدث هذا الأثر العلاجي برأيي هو كتاب ألف ليلة وليلة.

تتفقُ هذه التجربة الشخصية مع ما نشرته وسائل الإعلام، مؤخرًا، عن صدور كتاب عنوانه “العلاج بالرواية من الألف للياء” باللغة الإنجليزية، ومن تأليف إيلّا بيرثهود وسوزان إيلدريكن، تزعمان فيه أن بإمكان قراءة الروايات الشفاء من الأمراض! ووضعتا قائمة تتكون من 751 رواية، حيث تعالج كل رواية مرضًا محددًا. الكتاب لم يترجم للغة العربية ليتسنى لي قراءته، ولكنني أستبعد أن تكون المؤلفتان قد أدرجتا العمل الأدبي الأكثر عظمة في التاريخ البشري ضمن قائمتهما المقتصرة فقط على الأعمال الروائية الحديثة.

يمتلك كتاب ألف ليلة وليلة خاصية أخرى، وهي توليد موهبة الأدب عند الأشخاص الذين لديهم الاستعداد الفطري للدخول في هذا المجال الشائق.

منذ وقت مبكر امتلكتُ آلة كاتبة، ربما في ربيعي الثاني عشر، وأتذكر أنني كنت أجلس يوميًّا أمام تلك المخلوقة الجميلة، أتأمل مفاتنها، وأُغازل أزرارها، وأتحسسها ممررًا أصابعي على سطوحها الملساء، مولهًا بها قد شغفتني حبًّا.. كنت أرغب في كتابة شيء ما، أيّ شيء، ولكنني لم أكن أعرف – في تلك السن المبكرة – ما الذي يختبئ في صدري لأكتبه. كنت أضع الورق في جوف حسنائي فتتلهف للشغل، إلا أنني كنت أكتفي بالتحديق في البياض المحايد غارقًا في عرقي وخجلي، وقد صوّر لي جهلي أن هذه الحالة ستلازمني مدى الحياة.

بعد مطالعتي لكتاب ألف ليلة وليلة، شعرتُ وكأنني (علي بابا) الذي سمع كلمة السر ثم نطق بها لفتح المغارة المليئة بالكنوز. لقد قُدحتْ شرارة الخيال الأدبي، وفُكَّتْ عقدة التأليف، وآلتي الكاتبة التي امتنعتْ عني بطلسم متين من آيات العزيف، إذا بصديقي المخلص (علاء الدين) يفرك مصباحه، ويطلب من الجني إبطال مفعول الطلسم، فتسلط على الساحر الشرير حتى أجبره على نقض خيوطه وكف سريان الوهم والزيف.

ذكر جيرالد مارتن في كتابه “سيرة حياة غابرييل غارسيا ماركيز” أن هذا المؤلف العبقري رآه أحد أعمامه وهو بعمر خمس سنوات يقرأ في كتاب ألف ليلة وليلة، فصاح وكأنما يتنبأ بالمستقبل: “يا إلهي هذا الولد سيغدو كاتبًا”.

وهذه الصرخة التي أطلقها عم غابرييل غارسيا ماركيز بات صداها يتردد في جهات العالم الأربع، فالأطفال واليافعون الذين أُتيحت لهم فرصة التهام كتاب ألف ليلة وليلة سوف يحصلون على نقطة إضافية، تميزهم عن أقرانهم على مدى حياتهم، تتمثل في إيقاظ ملكاتهم الإبداعية، وإشعال شرارة موهبة التخيل وتخصيبها، وفتح أفق جديد في التفكير ليس متاحًا بأية وسيلة في التعليم النظامي المدرسي. كما أن هذا الكتاب المُغلف بالأسرار يعطي القارئ بطريقة ما – ربما يتمكن العلم في حقبة ما من التوصل إلى شرحها – خريطة رمزية عن عالمه اللا شعوري، ويدله على معالم وشواهد ونُصُب تحضر بشكل مؤكد في عقله الباطن.

يحتاج البشر الذين يعملون بعقولهم، ويكدحون لتحصيل رزقهم من ثمار أفكارهم، أن ينجزوا شيئًا مُغايرًا، نتاجًا غير تقليدي، أن يبتكروا أمورًا لم يسبقهم إليها أحد، أن يبهروا العالم بخلق الجديد، والإتيان بشيء غير مألوف، والإقدام على اجتراح معجزة الإبداع، وكل هذه المتطلبات التي يتزايد الطلب عليها في عالم اليوم، وتبدو في الظاهر فوق القدرات البشرية المحدودة، فإن كتابًا مثل ألف ليلة وليلة يمكنه أن يقدم لنا الموارد غير المحدودة التي نحن في أمسّ الحاجة إليها، وبإمكان قصصه الخارقة للعادة أن تزودنا بـ”الألماس” النقي الذي يلزمنا لإنتاج الخيال الخالص.

لقد تمكن الغرب من التوصل إلى “القصة الواقعية”، فحدث انفجار يشبه ارتطام نيزك عملاق بالأرض، فاكتسح تأثيرها العالم كله، ولا تزال تفعل، حتى كادت الإنسانية تُسقط من حسابها “القصة الخرافية” التي تجد في ألف ليلة وليلة نموذجها الأعلى.

لقد تسيّدتْ “القصة الواقعية”، التي نجد ذريتها في الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية الغربية، العالم الأدبي منذ أربعمائة عام بالتمام، أي منذ صدور رواية “دون كيخوته” للإسباني ميغيل دي سرفانتس عام 1614.

لكنني أعتقد أن حقبة “القصة الواقعية” لن تستمر في التربع طويلاً على قمة الأدب العالمي، وستحل محلها “القصة الخرافية” التي ستكون مناسبة أكثر للحقبة التكنولوجية المذهلة التي ندنو منها بتسارع يقطع الأنفاس، وتبدو قريبة الشبه بقصص ألف ليلة وليلة الخارقة للعادة. وسيبدو الكائن البشري وكأنه يعيش في عالم سحري يحتشد بالعجائب التي تنبّأ بحدوثها كتاب غامض قادم من ضباب الأساطير القديمة والحكايات التي لا يصدّقها العقل.

*روائي وكاتب يمني

   
 
Advertisements

تعليقات