Accessibility links

كتاب “العصبية بُنية المجتمع العربي” وقراءة في نظام وأزمة القيم 


Advertisements

صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري:
تواتر عدد من القراءات عبر التاريخ في محاولة لتفكيك بُنية المجتمع العربي وفهم القيم المتحكمة في دفع إرادة الحياة لديه. وتعاقبت على مقدمة ابن خلدون قراءات عديدة، والتي لا شك استندت إلى ما قدّمه، لكن عددًا منها مثّلت إضافات نوعية في بسط الآلية وكشف النوازع التي تتشكل منها القيم على مستوى الفرد والجماعة والمجتمع.

 

يبقى كتاب اللبناني عبدالعزيز قباني “العصبية بُنية المجتمع العربي” (دار الآفاق الجديدة بيروت) من أهم الكُتب التي قرأت الإشكالية القائمة أمام تمثّل الانسان لإنسانيته، إذ إنه من خلال التعرف إليها وتمثّلها يكون قد قطع شوطًا طويلاً في تجاوز مشكلة العصبية بقيمها التي تتحكم في إرادة الحياة لديه… متوقفًا أمام العصبية كعوق أمام تطور المجتمع العربي.

وقال قباني: “إن هذا الكتاب مساهمة في معرفة مَن نحن؛ لأن معرفة أنفسنا ضرورية من أجل التغيير نحو الأفضل، من أجل الخروج من أزمة التخلف في الوجود؛ ليكون لنا حضور في العصر، وهو ما تم معالجته في باب واحد وأحد عشر فصلاً”.

وهو يُهدي الكتاب “إلى كل عاملة وعامل من أجل أن يكون الإنسان إنسانًا” حدد المؤلف أن الهدف من كتابه هو مساعدة القارئ على اكتشاف إنسانيته وتمثلها، من خلال كونه (أي الكتاب) يعالج العصبية كنظام قيم يلجم اندفاع حركة الحياة المعبّرة عن ذاتها في الإنسان بالإرادة تحقيقًا للانتصار الذي يأخذه معناه ومعياره من قيم المجتمع السائدة فيه في مرحلة تاريخية معينة، مهتمًّا في ذات الوقت بالعصبية كشوكة وقوة داعمة للسلطة.

يأخذ هذا الكتاب، حسب المؤلف، بتربية الإنسان، ولا سيما اللبناني خاصة والعربي عامة، على القيم الإنسانية الكبرى، وينحو بها منحى إنسانيًّا في غايته، بعيدًا عن كل عصبية فئوية في السلوك.

مِن الفصل الأول وحتى الفصل السابع قارن المؤلف بين نظام قيم العصبية ونظام قيم الديمقراطية لكونهما نظامين ونقيضين بقيميهما الأساسية.

ووفق المؤلف فإنه بالعصبية يمكن تفسير ظواهر السلوك المختلفة لدى الأفراد والجماعات والشعوب، ولاسيما لدى الجماعات في المجتمع العربي، من هنا – يقول – تكوّن العصبية بُنية هذا المجتمع العربي، أي تكوّن نسيجه الاجتماعي الثقافي القيمي السلوكي، وتفسّر عبر هذا النسيج الظواهر السياسية والثقافية والنفسية والتربوية المتمثلة في هذا السلوك. وبالتالي، يؤكد المؤلف، أن أي تغيير في قيم الإنسان لا يتم دون تغيير في قيمه الحافزة إياه إلى السلوك، وبالتالي فالعربي عامة لا يصير ديمقراطيًّا وعادلاً إلا إذا نمت فيه قيم الديمقراطية والعدل، أي أن التنمية والتقدم والمساواة والحرية والعدل والنقد ومعنى الإنسان وحقوقه لكي تصير دافعًا اجتماعيًّا تحتاج إلى أن تنمو كقيم في الوجدان؛ فتحفز إلى السلوك تحقيقًا لمضمونها بالإرادة… ونمو هذه القيم في الوجدان، وفق هذا الكتاب، تقتضيه اجتماعية الإنسان، وهو ما يتم بالتربية والمحاكاة والتثقيف والثقافة والممارسة والمعرفة.

ناقش الكتاب العصبية باعتبارها نظامًا اجتماعيًّا شاملًا متكاملًا لتحكمه في سلوك الفرد والجماعة، ولكونه نظامًا عامًا لا يقتصر على بيئة اجتماعية معينة، بل يشمل بإلزامه الجميع مع فروق في شدة الالتزام أو في التراخي حسب المناطق والمستويات الثقافية والمصالح والأيديولوجيات والحالة الاقتصادية ونمو النوازع الأولية.

كما ناقش العصبية باعتبارها، أيضًا، نظامًا سلطويًّا فئويًّا إخضاعيًّا يميّز بين الناس، فلا يعرف للمساواة سبيلاً يساند بقيمة التراتبية والسلطوية بعضه بعضًا؛ وهو من هنا تفاضلي القيم والإنسانية؛ وبالتالي فهو نظام يقوم على الفئوية المتعصبة الهادفة إلى السلطة بذاتها بقصد الإخضاع، وكما يقول المؤلف، فالفئوية تتجلى في سلوك الفرد، كما تتجلى في سلوك الجماعة، وهي فئوية مولّدة للعنف ومؤدية للجريمة في ظروف الخلاف على السلطة؛ وهذا ما يفسر انغلاق الجماعة الفئوية على أبناء فئويتها وعدم انفتاحها إنسانيًّا على الآخر، وفي حال انفتحت فيكون انفتاح مصلحة وانفتاح قانص مفترس، على حد تعبيره.

ويؤكد الكتاب أن نظام العصبية يتحكم في جميع طبقات المجتمع، ودلل على ذلك بواقع المرأة في العالم العربي، حيث يشل نظام العصبية فعالية المرأة بهدر إمكانياتها وجعلها كمًّا مهملاً بدافع من الجنس كقيمة، والسلوك التراتبي التمييزي بينها وبين الرجل المترتب عليها… من هنا – يقول قباني – لا يمكن القفز فوق القيمة بيسر وسهولة واختزال؛ فالقيمة تشكّل عائقًا كبيرًا أمام الانتقال من مرحلة إلى أخرى وأكثر تحررًا من قيود القيم أو من أغلال إطار اجتماعي إلى آخر أوسع وأرقى، حد تعبير المؤلف.

 كما ناقش الكتاب الآثار والنتائج المترتبة على تعبيرات الفرد والجماعة عن قيم العصبية كبناء اجتماعي نفسي متمثل بمؤسسات، وارتداد هذه الآثار والنتائج على حياة المجتمع بكل مستوياته، ابتداء من الفرد وانتهاء بالسلطة الرسمية التي تسلك كما الفرد والجماعة وفق مضامين قيم مجتمعها؛ لأنها منه، ولا يمكنها إلا أن تكون منه.

مِن الفصل الثامن وحتى الفصل العاشر عالج الكتاب أنموذج العصبية في علاقات الطوائف والفرق الدينية بعضها مع بعض، كما عالج أنموذج منها في النظام السياسي الطائفي (أو العنصري)، وأنموذج آخر في المؤسسة الحزبية الحديثة…. وبيّن كيف أن هذه النماذج تتميز بالفئوية المتعصبة الاستبدادية المنغلقة على ذاتها من دون الذوات الأخرى، وبصورة خاصة المؤسسة الحزبية التي يفترض فيها أن تكون منفتحة عملاً بمنطق أيديولوجيتها، مؤكدًا أن هذه الفئوية المتعصبة تعيش هواجسها وتتحكم في الفرد والجماعة تحكمًا لا يعرف أيّ معنى لجوهر الإنسان، ولا أيّ احترام له؛ لأنه تحكّم لا يعرف أيّ معنى للمساواة ولا لكرامة الآخر، حد تعبير المؤلف.

في الفصل الحادي عشر والأخير عالج الكتاب “أنموذج من العصبية في المجتمعات المتطورة” وفي علاقتها بغيرها من المجتمعات والدول، ولا سيما المتخلفة منها، وبيّن كيف أن العصبية لا تزول من المجتمع بصورة نهائية، ولكنها تنزوي وتنكفئ وتنتظر الفرص السانحة حتى تعود وتظهر في السلوك؛ سلوك السلطة في علاقتها الخارجية وسلوك الفرد والجماعة في المجتمع المتطور نفسه في حالات وظروف معينة أشار إليها المؤلف.    

ويخلص الكتاب، في الخاتمة، إلى أن النظام كما الحركة أصلآ الكون والطبيعة والحياة ومبدآهما. وأشار إلى أن النظام في المجتمع يضبط حركة الذات ويقنن حريتها؛ فالحرية في المجتمع حرية في نظام، مؤكدًا أن المعرفة وسيلة أساسية لتدعيم نظام المجتمع عبر بلوغ الحقيقة والحفاظ على الحق بها من جهة، وعبر تطويره وتقدمه من جهة ثانية. كما أن لا مجتمع من دون نظام يضبط حركة الذات ويقنن مسار الإرادة، مشيرًا إلى أن النظام قد يكون عامًّا وقد يكون خاصًّا، والعصبية بفعل فئويتها نزاعة إلى ما هو خاص أكثر مما هي نزاعة إلى ما هو عام. من هنا صار متوجبًا، حسب المؤلف، بمقتضى الانفتاح والاتصال أن يقوم نظام قيم إنساني جديد يتمثل بالسلوك الصريح غير المنافق، وتكون الكرامة والحرية والحق حلقته الرئيسة، وأساسًا لقيام المجتمعات الديمقراطية العادلة، وإلا بقي كل من العالم المتقدم والمتخلف يتخبط بأزمته وبلا إنسانيته. وفي هذا أشار إلى أن أزمة العالم المتقدم هي أزمة قيم نابعة من عدم التزامه بقيم حضارته في سلوك مع الخارج، وهو في سلوكه هذا يعبّر كما عصبية الطائفة عن الجانب السلبي والمستلب فيه. وكذلك أزمة العالم المتخلف هي أزمة قيم أيضًا؛ أزمة نابعة من احتكاكه واطلاعه على حياة العالم الأول في مجتمعه، وما فيها من قيم جاذبة تتجلى في السلوك الحر والإنتاج المبدع والاستهلال المدروس، ويتوق إليها العالم المتخلف، ويبلغها بالمعرفة والثقافة النظرية، ويعجز عن بلوغها بالسلوك والتحقيق؛ لافتراضها شروط غير متوافرة فيه، راهنًا فيما يجهد العالم الأول لكي يحول دون هذا التوافر، انطلاقًا من أنانية مصالحه الحاملة إياه على الاستغلال، كما يقول المؤلف الذي خلص إلى أن الإنسان المتخلف يشمل بعصبيته نفسه والآخر، والإنسان المتطور يشمل بديمقراطيته نفسه وبعصبيته الآخر، وبهذا يكون الإنسان المتطور منافقًا، حد قوله.

معتبرًا أن واقع الإنسان هذا المجسد للواقع الدولي غير العقلاني وغير الإنساني يجعل دول العالم المتخلف في نزاع مستمر مع دول العالم الأول بحافز من كرامتها التائقة إلى التحرر من التسلط والهيمنة والاستغلال والتبعية والتجزئة، ومجتمع العالم العربي هو في صميم هذا النزاع.

الجدير بالإشارة أن المؤلف كان قد ذيّل عنوان الكتاب في الصفحة الأولى منه بمقولة “عبثًا تحاول المرأة العربية البحث عن حريتها في مجتمع غير حر بقيمه”، وهي مقولة أراد منها المؤلف أن يفتتح بها القارئ كتابه… وهي  بالفعل تختزل فحواه التي تؤكد أهمية المجتمع الحر لتكريس إنسانية الإنسان.

   
 
Advertisements

تعليقات