Accessibility links

Advertisements

محمد مصطفى العمراني
ـ هل ستتزوجين في العيد كما قالوا؟

ابتسمت ومضت فتبعتها أمطرها بأسئلتي لكنها لم ترد .

شردت إلى بعيد وغرقت في تفكيرها، كنت طفلاً ابن عشر سنوات، وكانت نورا شابة، لا أعرف كم عمرها، لكني منذ عرفت نفسي وأنا معها، كأنّ أمي قد أهدتني لها .!

أتبعها كظلها في كل مكان، في الصباح نذهب إلى البئر، وعند أول دلًّا تغسل وجهي ثم تملأ جرة الماء وتحملها، أتبعها، تتوقف عند شجرة النبق، تضع الجرة جانبًا، وتلتقط الأحجار، وترشق الشجرة فتتساقط النبق، تتركني وتمضي فأملاء جيوبي سريعًا وألحق بها، بعد الفطور نذهب إلى الوادي، ونظل نرعى الأغنام، أطارد الجراد والعصافير وتظل تراقبني وتضحك، نعود بالمساء وقد كلّت قدماي من الجري، ما أن تمسح نورا زجاج الفانوس وتشعله حتى أنام بجوارها، فتأتي أمي لتقودني إلى فراشي في بيتنا، أحيانًا تتركني أنام عند نورا .

لا أعرف معنى الزواج.. ما أعرفه أن نورا ستذهب ولن أراها، وقررت: لن يتم هذا الزواج.

صعدت منزلهم، وجهزت كومة الأحجار، وترقبت وصول عريسها، وحين نزل من السيارة رشقته بالحجارة، ففر سريعًا، وأسرع إخواني يطاردوني ليمسكوا بي، رشقتهم بالأحجار، فلم يقترب مني أحد، غير أن أمي لحقت بي وشوت ظهري بالعصا، فررت منها ورجمتها بالحجر، فسال الدم من رأسها، وحين رأيت الدم اجتاحني الخوف، وفررت بعيدًا.

حين هبط المساء ذهبت إلى نورا فوجدته ما يزال هناك، ابتسم لي قائلاً :

ـ أنا لن آخذ نورا، سأبني لها بيتا هنا، وستظل أنت معها.

زال غضبي منه، اقترب مني وصافحني، ثم دسّ في جيبي مائة ريال، لأول مرة في حياتي أمتلك هذا المبلغ، في العيد يعطوني 10 ريالات؛ فأطير فرحًا، أما أن أمتلك مائة ريال فهذا ما لم يخطر لي على بال.

من فرحتي نسيت ما فعلته بأمي، وأسرعت إليها أريها المائة ريال، فمسحت على رأسي، ودعت لي بالهداية.

في عرس نورا ارتكبت كارثة لن أنساها، لبست بدلة العيد، جاء عمي ووضع في خاصرتي مسدس ميكروف، أُقيم العرس في بيت عمها؛ فهو أكبر بيوت القرية، ويتسع للكثير من الناس، ذهبت إليها، النساء يصافحنها ويعطينها الفلوس، وبدوري صافحتها وأعطيتها المائة ريال، أعادتها وأعطتني مائة ريال أخرى، وملأت لي الكيس بالسكاكر والحلويات؛ فخرجت مزهوًّا وكأنني الاسكندر المقدوني، أتفاخر على الأطفال بمائتي ريال وكيس مليء بالحلويات وبدلة جديدة ومسدس ميكروف، فمن سيصل إليّ؟!

ولأني قد التهمت الكثير من الحلوى، فقد شربت الكثير من الماء، وذهبت إلى الحمام المجاور لمكان العروسة لأتبول، وما إن جلست حتى سقط المسدس في حفرة الحمام، حاولت أمد يدي لألتقط المسدس، لكنه كان بعيدًا، فكرت: هل اتركه وأمضي؟

ـ ولكن ماذا سأقول لعمي؟!

ـ هل أذهب وأخبره؟

وزاد ارتباكي حين طرقت النساء باب الحمام، غشاني العرق، وأحسست أني في ورطة وكدت أبكي، ألتفت فوجدت علاقية ثياب طويلة لويت رأسها وأدخلتها في زناد المسدس وسحبته بقوة فانطلقت الرصاصات واخترقت سقف الحمام الترابي وصعدت إلى مجلس الرجال، فأصابت إحداها البوري الممتلئ بالفحم والتتن فوق المداعة “النارجيلة”، فانتثر الجمر والتتن والدخان، وتقافز الناس رعبًا يدوس بعضهم بعضها، أما النساء فقد تدافعن هربًا، والصراخ من كل جانب، لقد رووا لي بعد ذلك ما حدث لأني حين انطلقت الرصاصات ومرت بجوار وجهي أُغمي عليّ في الحمام، ولم أعلم كم مضى من الوقت حتى كسروا باب الحمام وأخرجوني، رشوا عليّ الماء فأفقت، أخرجوا المسدس وسلموه لعمي، وأنا بدوري فررت إلى جوار العروسة كي لا يضربني والدي، احتضنتني بقوة، وهي تبكي :

ـ كنت ستقتل نفسك من أجلي؟!

ألجمني سؤالها فنكست رأسي خجلاً.

أضافت :

ـ لم أكن أعلم أنك تحبني إلى هذه الدرجة .

النساء يثرثرن وأنا غارق في تفكيري:

ـ كيف سيعش هذا الولد بعد أن ترحل نورا؟

ـ  سيصبح يتيمًا من هذه الليلة.

ـ يبدو أنه سيتبعها إلى جبل المورد.

ـ نورا ستنساه لكنه سيمرض بعدها.

بعد المغرب أطلقت الرصاص، وغادرت نورا القرية، بكت أمها، وبكيت أنا، فيما انقسمت النساء نصفهن يواسين أمها، والنصف الآخر يحاولن مواساتي .!

   
 
Advertisements

تعليقات