Accessibility links

Advertisements

بلقيس محمد علوان*
بين هاتين الجملتين تتأرجح مواقف الأسرة والمجتمع في اليمن من المرأة في مختلف مراحل حياتها، وأعني هنا مواقف الأسرة والمجتمع من تصرفاتها، وإنجازاتها، وما هو متوقع منها.

والفكرة متأصلة في العادات والتقاليد تفصح عنها الأمثلة الشعبية، والمقولات المتواترة، حيث تشكل الأمثال جزءًا أصيلاً في الثقافة الشعبية الشفهية، وتشمل كل الأشكال التعبيرية المنطوقة التي تختزنها الذاكرة، بما فيها الموروث السردي من حكايات وخرافات وحِكَم، وغيرها من فنون التعبير الأخرى، بما فيها القصص المتناقلة جيلاً بعد جيل، والريف اليمني بيئة خصبة أكثر من غيره لتجذّر هاتين الجملتين. 

“قعي مرة ….. انتِ إلا مرة”  تبدو الجملتان متناقضتان تمامًا، فعلى مستوى التوقع يُتوقع منها القوة والصبر والجلَد والتحمل والرضا والقناعة، تتحمل مسؤوليات أكبر من سنها وقدرتها واستعدادها في البيت والحقل، تحمل أكبر من سنها وطاقتها… تُزف طفلة، ثم تنجب وهي ما زالت طفلة، وقد تترمل صغيرة، أو يغادر زوجها للغربة، وتمتد غربته لسنوات، وتجد نفسها مطالبة بكل مسؤوليات الأسرة، فيقال لها في كل هذه المواقف وغيرها “قعي مرة”، وحتى مع كل ما تقدمه وتقوم به لا يُنظر له إلا على أنه أقل مما يجب، ومهما عملت “هي إلا مرة”، وليس غريبًا أن الكثيرين ما زالوا ينتقصون من الرجل الذي يتربى في ظل أمّ دون وجود أب كالمطلقة والأرملة وزوجة المغترب، ويتهمونه بضعف الشخصية والليونة، ولا نستغرب أن يُقال لمن ربته امرأة “ابن مرة” أو ابن أمه، وفي الأمثال “ابن المرة لا اصلحه الله نصف رجّال” هذه المرأة التي سلاحها في حياتها ودافعها لتحمل كل ما يُوكل إليها وكلما تجد نفسها مطالبة به.. هي الجملة متكررة المواقف “قعي مرة”.

وفي المقابل إذا تعلمت، وعملت وأنجزت، أو حتى أبدت رأيها، أو اعترضت على موقف أو إجراء، أو طالبت بحقها ماديًّا كان أو معنويًّا، كانت الجملة المعروفة (انتِ إلا مرة) هي ما تُقابل به، أليس هذا تناقضًا؟ إذ كيف نطلب منها ما لم نهيئها ونعدّها له، وفي حالة أن تحقق إنجازًا، وتخطو خطوة نحو المستقبل الأفضل نقف في وجهها؛ فهي (مرة).

لسنا متسقين مع نفسنا في الحالتين، ولا يمكن اعتبار الجملتين إلا تنصلاً من الواجب والمسؤولية والالتزامات.

نحقّر ونقلل من شأن كل ما تقوم به حرصًا على مكانة أو سلطة من غير المسموح تجاوزها أو تخطيها، ومهما حققت من إنجاز علمي أو اجتماعي تظل (مرة)، وتتداول الكلمة حاملة معاني الانتقاص والتقليل من آدمية المرأة، فقد تصل لمنصب أو مركز مرموق ويأتي من يردد المثل القائل (المرة مرة ولو تنمره)، ويكرر الناصح على مسامع الرجل بأن لا يتنازل ويأخذ من مال المرأة كي لا تعايره وتتحكم فيه، مرددًا المثل القائل (ما حد يجلس فوق شنطاف المرة)، ومهما بلغ إسهامها في الحياة الخاصة أو العامة، تظل النظرة تلك هي التي تحكم المشهد.

تتعلم وتنجح وتتفوق، لا تتلقى المباركة والفرح، ولكن ستسمع العبارة المتكررة “مرجعك للمطبخ”.

تقرر التفرغ لبيتها وأسرتها، فتلقى العبارة الأخرى “أيش استفدتِ من الشهادة”.

تقضي في الريف ثلاثة أرباع ساعات اليوم في أعمال شاقة، وضاعفت الحرب مسؤولياتها والتزاماتها الأسرية والمنزلية، ولا يعتبر من حولها كل ما تقوم به إلا أعمال أقلّ من عاديّة، وسنجد من يتندر على بهتان بشرتها، وخشونة أطرافها… في كل الأحوال يتم وضعها محل انتقاد، وعدم رضا، وتظل أسيرة بين جملتين “قعي مرة… انتِ إلا مرة”.

أتحدث هنا عن الغالبية، ولا أنكر أن هناك مَن يحترم ويجل المرأة ويقدر إسهامها في الحياة العامة والخاصة، لكننا أمام إرث كبير وعميق من الانتقاص والتمييز ضد المرأة فقط لأنها امرأة… يشغل أغلب الصورة.

لا يقتصر هذا الأمر على مجتمعنا، فالتقليل من أهمية العمل أو الإسهام لأن من يقوم به امرأة أمر سائد في كثير من المجتمعات، وعلى مر التاريخ قديمًا وحديثًا، وعلى سبيل المثال في تقييم لمقال وُزِّع على عدد كبير من الناس في أمريكا منذ سنوات قريبة… أعطى 98% من الناس درجة عالية للمقال عندما ذُيِّل باسم مؤلف رجل، بينما نفس المقال حصل على درجة عالية عند 2% فقط عندما ذُيِّل باسم امرأة، لكن من الواضح تبدو الصور أكثر قتامة، والمشكلة أكثر تركيزًا في مجتمعنا الذي يحتاج للكثير من العمل للخروج من صور وقوالب معدة سلفًا، لا بد أن نواجهها بالنقد والتفكيك، وكما تكونت عبر أجيال ستحتاج لوقت لتفكيكها وتذويبها لتحل محلها صور أكثر عدالة، ومتسقة مع العقل والواقع الفعلي.

لا تتغير المجتمعات بعصا سحرية، ولا تكفي ثورة لتُحدث التغيير، فالتغيير الاجتماعي يحتاج لوقت أطول، وبحسب (كانت) الذي يرى أن أيّ تغير يحدث داخل المجتمع يجب أن يمر بمجموعة من المراحل، والخطوات حتى يتم تحقيقه بشكل صحيح، وحتى يتحول من حالته الأولية، إلى الحالة العمومية، والمقبولة بين كافة الناس، ولا تتغير الأفكار بسهولة، والأمر يتطلب الوصول إلى الوعي بضرورة التغيير، والوعي لا يأتي من فراغ، بل يحتاج إلى عملية إرساء تصطدم بكثير من المعوقات، لكن لا شك أن التغيير أسهل مع وجود إرادة سياسية، ورؤية للدولة تعبرُ من خلالها بكل مواطنيها إلى المستقبل على قاعدة المواطنة المتساوية والشراكة، والتقدير لكل إسهام في المجتمع سواء أكان من قام به رجل أم امرأة، وحتى مع كون اللحظة التاريخية التي نمر بها غير مواتية، وبالتالي هناك من سيقول ليست هذه قضيتنا الأساسية، إذ هناك ما هو أهم، وهي نقطة أختلف مع من يطرحها جملة وتفصيلاً، فمن المهم إرساء وعي المساواة، وتقدير كل إسهام في المجتمع في الحياة الخاصة أو العامة، ومن المهم أيضًا إعداد الأجيال ذكورًا وإناثًا للحياة وللمستقبل وتسليحهم بالعلم والوعي والثقة، نعدهم أقوياء معتدين بأنفسهم واثقين بقدراتهم، متطلعين للمستقبل، وعندها لن تسمع المرأة منا الجملتين المتناقضتين الظالمتين “قعي مرة…… أنتِ إلا مرة”. 

*كاتبة واكاديمية يمنية.

   
 
Advertisements

تعليقات