Accessibility links

Advertisements
Advertisements

نيويورك – “اليمني الأميركي”:

تَعُولُ بناتها، وتُواصِلُ تعليمها الجامعي، وتعملُ مستقلة بذاتها، لولا انقطاعها، حاليًّا، عن العمل بسبب جائحة كورونا.

تعكسُ حكايتها إمكانات المرأة اليمنيّة في ميدان العمل، حتى في المَهْجر؛ إذ تُثبِت جسارتها في تحمُّل المسؤولية.. إنها “ذكريات البرام”، الأُم والكاتبة والطالبة والعاملة والمهاجرة اليمنيّة المُقِيمة في نيويورك… والتي تروي القصة لـ”اليمني الأميركي”.

بدأتْ قصتها بوفاة زوجها، خلال إقامتها في صنعاء.. «بعد وفاة زوجي أدركتُ أنَّ الوضع لن يكون كما كان.. أُسرتي (الوالد والوالدة) كانا في الولايات المتحدة منذ زمن، وأيقنتُ حينها أنني لِوحدي، كان الأهل يتحدثون دَومًا عن الزواج مرة أخرى، وكنتُ أرفضُ كلّ مَن يتقدّمُ طالبًا الزواج؛ وذلك من أجل بناتي».

عقب ذلك قررتْ (ذكريات) الخروج؛ بحثًا عن عمل، فعملتْ مُدرِّسة تجويد، لكن ذلك العمل لم يدُمْ؛ فبحثتْ عن أعمال أخرى، وجميعها لم تكن تناسبها؛ فأدركتْ، حينها، أهمية الشهادة الجامعية؛ لذا قررتْ الالتحاق بجامعة خاصة؛ لعدم تمكّنها من الالتحاق بجامعة صنعاء.

«كان المصروف الذي يرسله لي والدي هو ذاته ما كنتُ أدفعه للجامعة الخاصة».

كان حلمها أنْ تكون مذيعة، ولهذا التحقتْ بكلّية الإعلام، لكنها التحقت بقسم علاقات عامة وإعلان.

«لِأنني وجدتُ أنّ تخصص الإذاعة يتطلبُ حرية كبيرة في التحرك والمشاركات والفعاليات؛ وهذا ليس بالأمر السهل، لاسيما مع وجود أطفالي، فاخترتُ تخصص علاقات عامة وإعلان؛ لِيتسنّى لي رعاية بناتي.. جميعنا كنا نغادرُ صباحًا، هُنّ إلى المدرسة، وأنا الجامعة، ونعود إلى البيت في وقتٍ متقارب».

ساعة الرحيل

كما التحقتْ ذكريات، بالإضافة إلى ذلك، بالعمل في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون بصنعاء، وكانت، حينها، في السنة الثالثة للجامعة.

«كنتُ أطمحُ براتبٍ حكومي دائم يضمنُ لي ولبناتي التزامات الحياة الضرورية، لكن عندما دخل الحوثيون صنعاء لم أكُن حينها قد صرتُ موظفة متعاقدة؛ لذلك تم إزالة اسمي بسهولة من كشوفات الموظفين، وساء وضع المؤسسة، وتوقفتْ الجامعة، حينها أيقنتُ أنّ ساعة الرحيل قد آنَتْ.. لقد شعرتُ أنّ اليمن ماضٍ إلى دمارٍ كبير ليس لي قُوة على حمله وحدي».

حينها تركتْ ذكريات بناتها لدى أهلهن، وغادرتْ مسافرة للولايات المتحدة، إلا أنّ ساعة فراق بناتها كانت مؤلمة، وعلى الرغم من صعوبة تلك اللحظات، تركتهنّ ظنًّا منها أنّهنّ سيكُنّ بخير.

«كانت تلك اللحظات من أسوأ لحظات حياتي، وأصعب مِن كلّ ما مررتُ به».

لم تهنأ ذكريات بالمقام في الولايات المتحدة، لاسيما مع تصاعُد الحرب، واستمرار قصف التحالف لليمن، فعاشت حالة دائمة من الخوف والقلق على سلامة بناتها.

العودة لليمن

«كلّما تحدّثنا عبْر الهاتف عقِب كلّ غارة جوية لطيران التحالف… كنتُ أموت فيها قلقًا وحزنًا»، «كيف لي أنْ أعيشَ هانئة بالأمن والسلام وقطعة من روحي هناك»، «لم تعُد الفكرة مجرد الأكل والشرب، كان الموضوع أكبر من ذلك، صِرتُ أُفكّر بحياتهنّ ومستقبلهنّ وحقهنّ بالتعليم والأمان… فقررتُ العودة لليمن لِأخذهنّ».

وحتى تجمعُ ما تستطيع من المال من أجل السفر عمِلتْ ذكريات في مصنع بدوامٍ كامل، ومِن ثم عادتْ لليمن، وقطعت جوازات سفر لبناتها، وغادرت بِهنّ، ولم يعلم بذلك أحد، حتى أهلهنّ… «لم أكُن أملكُ وقتًا طويلاً لمناقشتهم، ولم أكترث لذلك».

الوصول لأميركا

وصلتْ ذكريات للولايات المتحدة في آب/ أغسطس عام 2018م، «وكانت فرحتي لا توصف؛ لاسيما أنّ ذلك جاء بعد صدور روايتي الأولى “ملاذ آدم” عام 2017م؛ إذ شعرتُ أنّ بعضًا من أحلامي بدأ يتحقق، من بعدها انطلقتُ باحثةً عن عمل وشقة للسكن، وشعرتُ بالهدوء؛ كون المدارس الأميركية توفر حافلات نقل للطلاب، وبعد أنْ استقرت أحوالي قليلاً، جاءت الفرصة مرة أخرى لإكمال دراستي الجامعية، رغم الصعوبة التي واجهتها لُغويًّا».

كانت مُصِرّة على التعليم؛ انطلاقًا من قناعتها بأهميته لكلّ امرأة، لاسيما وقد حاول البعض إحباطها، وهم يطلبون منها الاكتفاء بالعمل والزواج؛ وهو ما كانت ترفضه، والتحقت بالجامعة، وتحديدًا صفوف “الانثروبولوجيا”؛ باعتباره محور اهتمامها في ما تكتبه، وفق ما أوضحت.

استقرت أحوالها نسبيًّا من خلال العمل في مكتبة بدوامٍ جُزئي، والذهاب للجامعة صباحًا، في سياق حرصها على أنْ تجدَ وقتًا لقضائه مع بناتها… إلى أنْ جاءت جائحة كورونا فُأُغلِقت الجامعة وتوقّفَ العمل، «لكن عُدنا للجامعة مؤخرًا (أونلاين)».

علّمتني أميركا

استفادت ذكريات، وتعلّمت كثيرًا من الولايات المتحدة، وبخاصة على صعيد العلاقة مع الآخر.

«علّمتني أميركا، (بغضّ النظر عن سياستها ونظامها الرأسمالي)، معنى احترام حرية الآخر.. إنني اليوم أجلسُ على طاولة واحدة مع امرأة هندوسية، ونتبادل الزيارات والأطباق»، «بل إن جارتي الإيرانية الشيعية تشاركني القهوة كلّ صباح»، «لم أتصور أنني أنا التي ترعرعتُ في بيئة واحدة، ومجتمع واحد، صرتُ اليوم أتقبّل الاختلافات الدينية والاجتماعية، لقد كشفتْ لي أميركا جانبًا لم أكُن أتمنّى رؤيته، وهو لماذا نغرقُ، نحن، في هذه الصراعات؟!».

تأملُ ذكريات أنْ يكون للسفارة اليمنيّة في الولايات المتحدة ملحقية ثقافية، وأنْ يتم افتتاح صوالين أدبيّة تهتمُّ بفنّ وموسيقا وتراث اليمن.

المرأة في نيويورك

صارت المرأة اليوم غير المرأة في الأمس، بما فيها المرأة اليمنيّة في أميركا، التي دخلت معركة الصراع من أجل التغيير.

«على الرغم من الحيرة التي تعيشها، إلا أنها ستخرجُ مِن ذلك بمساعدة الرجل ومساندته»، «تحتاجُ المرأة اليمنيّة لِمن يثقُ بها وبقدراتها، لِمن لا يتصيّدُ أخطاءها، وإنْ لم يكن الرَّجُل شريكًا لها، متعاونًا متفهّمًا، فالصدام سيكون محتدًّا وقاسيًا على الطرفين… وقد رأينا هذا في ازدياد نِسبة الطلاق بين أبناء الجالية اليمنيّة».

وسائل التواصل الاجتماعي

تستخدمُ ذكريات منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وتدخلُ في حوارات ونقاشات لا تنتهي مع الآخرين يوميًّا، ومع ذلك ترى أنّ هذه المنصات أصبحت مكان مَن لا عمل له.

«مَن كان قديمًا يجلسُ على قارعة الطريق، أو يمضي ليله في دردشاته السِّرّية، أصبح اليوم له حساب ومتابعون، ويبحثُ عن الشهرة مهمّا كلفه ذلك الأمر». «إننا اليوم أمام وباء أخطر من كورونا، وهو السوشيال ميديا، ولن نستطيع التخلص من سلبياته إلا بشباب متعلّم وواعٍ».

تعملُ ذكريات، حاليًّا، على روايتها الثانية، بالإضافة إلى مجموعة قصصية… «لكن بحكم دراستي والتزاماتي تجاه بناتي وعملي فقد تأجّل قليلاً هذا الحُلم».

  • 610
    Shares
Advertisements

تعليقات