Accessibility links

Advertisements

عبدالوهاب سنين

مجموعة “احتراقات 4×6  “، للقاصة اليمنية ايمان المزيجي والصادرة عن مكتبة خالد بن الوليد بصنعاء/2022، غاصت في الذات الإنسانية مبدية آلامها وآمالها وتبدلاتها، كما شخصت الواقع في سلبياته وإيجابياته، فهذه المجموعة التي نتداولها اليوم استطاعت أن تجد لنفسها مساراً على غرار الأجناس الأدبية والفنون الأخرى، كالرومانسيك في الرواية، والميتاقصة في القصة القصيرة، لذا أتت القصة القصيرة جداً تتحدث عن نفسها بحضور لافت بين الأجناس الأدبية، وهذا الجنس الميكروسردي لم يعد حكراً على الرجل، بل أتت الكتابة النسائية في الـ ق ق ج معلنة حضورها واختصاصها بكتابة هذا الجنس، وهذه المجموعة اليوم واحدة من تلك الكتابات، إذ نجد فيها الهم الأنثوي المتعالق مع الرؤية للواقع بهمومه، وكذا الهم الذاتي وبشاعة واقع الإنسان المرير، وهموم الأسرة، وذلك من خلال قصص كبسولية تنقد من خلالها الواقع المتشظي في كل مناحي الحياة.

ومن خصائص هذه المجموعة أنها ارتدت أهم ما يميز هذا الجنس القصير جداً وهي : التكثيف والإيجاز والحذف، وتقوم على التضاد والتقابل الدلالي وقدرة القاصة على تجويع اللفظ وتوسيع المعنى في عبارات رشيقة وموجزة والتلاعب باللغة، ومن الخصائص أيضاً الفضاء الشذري أو المتقطع، والالتزام بالحجم الكبسولي  للقصة القصيرة جداً، كما سيأتي بيانه، لذا ليس كما يعتقد البعض أن من السهل كتابتها في سطر أو سطرين ومن ثم إطلاق التجنيس ق ق ج .                                           

وفي المجموعة  نجد السخرية الكاريكاتورية في تعرية الواقع وانتقاده باستعمال المفارقة وحضور الباروديا الساخرة كما في قصص: ماركة،  new look ،تكنولوجيا، وكوفيد 19.

وأذكر واحدة من القصص الساخرة قصة (ماركة :

(( تأكدتُ أن العطر الذي أهديته لصديقتي في عيد ميلادها كان ممتازاً؛ فما زالت رائحته عالقةً في قميص زوجي))

نلاحظ في هذه القصة مدى القدرة لدى القاصة في هذه المساحة القصيرة جداً، وتحديداً في كلمتين اثنتين (قميص) و(زوجي) أن تجلى الحدث وتوقع الصدمة للمتلقي في قفلة الحدث، ومدى ارتباطهما بالكلمة الثانية (العطر) في بداية القصة، إذ صورت القاصة دناءة الرجل ووقاحته في تعامله مع شريكة حياته بارتدائه الخيانة، ومدى الألم والصفعة التي تلقتها من صديقتها، لذا  كانت القصة تذم الخيانة من الجنسين بل من القريب بل الأخص والأقرب. 

ومن المميزات في هذه المجموعة كما ذكرت أنفاً عند ذكر خصائص المجموعة، هو احترام مقياس القصر في حجم القصة، إذ اتخذت مساحة قصيرة جداً من الكلمات، لذا كان الحجم في هذه المجموعة هو بمثابة الميسم الحقيقي لهذا الجنس الأدبي الحديث جداً، وفي هذه المساحة الموجزة جداً استطاعت القاصة التحكم بمعايير الـ ق ق ج ، ومن أهمها التكثيف والاقتضاب والترميز والإيحاء، لذلك فالقِصر في المجموعة يعبر عن مدى احترام الكاتبة لمقياس حجم القصة، ومدى القدرة على إشباع القصة بكلمات قصيرة جداً كما أسلفت، إذ نحن في عصر متسارع جداً ينتقل من الإطناب إلى الإيجاز الشديد، لذلك قال القاص الفنزويلي لويس بريتو غارسيا : (( نمر بسرعة من دراما الكتاكالي التي تدوم عرضها ثلاثة أيام إلى التراجيديا الإغريقية التي تستمر ليلة كاملة، إلى الأوبرا التي تستغرق خمس ساعات، إلى الفيلم الذي يدوم ساعة ونصف، إلى حلقة المسلسل من عشرين دقيقة، إلى الفيديو كليب من خمس دقائق إلى الوصلة الإشهارية من عشرين ثانية، ثم القصة القصيرة جداً من ثانية واحدة))  

وتمتاز مجموعة (احتراقات..) بالطاقة الإشعاعية، ومدى قدرتها على توليد معان ارتوت بالتكثيف والاختزال والمعنى المتقابل داخل الحدث لذلك كان قصر الحجم في هذه المجموعة قد ساعد على التلاعب باللغة، مما أدى إلى مفارقة وإدهاش وصدمة للمتلقي عند القفلة، وذلك ما لمسته في العديد من القصص كما في قصة حياة، ومفاجأة، وجميل.. ة.

وسأتحدث عن قصتين: الأولى  (مفاجأة) 

(( طال غيابه، أخذت الشكوك تقضم قلبه.. عاد دون إخبارها بقدومه، تسلل خلسةً على أطراف أصابعه، دفع باب الغرفة بعنف .. وجدها تقبل صورته)) 

نجد المفارقة في تفكير الرجل وامتلائه بالشك في شريكة حياته، بينما الزوجة لم يشغل بالها غيره حتى في غيابه، فصورت القاصة تلك الدهشة للمتلقي  في المفارقة القوية و القفلة المدهشة، إذ كان العنوان هو بمثابة الصفعة للرجل، واندثار أوهامه أمام إخلاصها، وهذا التكثيف والاختزال والتلاعب باللغة في مساحة لا تجاوز السبابة والوسطى.

أما القصة الثانية فلي معها عهد قديم قبل صدور هذه المجموعة البديعة، فقد سبق لي أن قدمت لها قراءة سابقة ضمن كتاب الملتقى الأول للقصة القصيرة جداً والقصة:     

بعنوان (جميل.. ة)  

(( رن هاتفه ارتبك، أغلقة بوجل .. شَكّتْ في أمره، استسلم للنوم

فتشت عن آخر مكالمة، تنفست الصعداء مكالمة من (جميل)

أنَّبها ضميرها لسوء ظنها .. ابتسم الزوج تحت اللحاف ممتناً لتاء

مربوطة انتحرت لأجله))

بدءاً بدلالة العنوان لهذه القصة ، إذ يوحي العنوان بانفلات التاء المربوطة، من الاسم العلم جميلة، وكانت التاء هي الرابط بين الرأس والجسم للقصة، وهذه العلامة السيمولوجية يقف عندها القارئ، لغرض استجلاء القصة واستنطاقها بصرياً ولسانياً، ومن خلال العنوان الدال على هوية النص نرى اختزال دلالات ومعاني  تعد بمثابة المفاتيح الكاشفة التي نصل من خلالها إلى عتمة النص الغائر، فالتلاعب باللغة بداية من العنوان كان احترافيا، لذا لا يستهين القاص بحرفية العنوان إذ هو البؤرة السيميولوجية على رأي سوسير الفرنسي، والسيميوطيقية على رأي بيرس الاميريكي، والتي من خلالها تبرز العلامات الدالة على الحكي، هنا تمر القصة عبر حدث متصاعد وشخصيات لصيقة بالحدث، وتوحي القصة بخيانة الرجل، واخفاء عشيقته ببتر التاء المربوطة من اسمها جميلة، لذا كان الاشتغال في القصة محكماً، إذ فيها التنكيت  و إلغاز و تكثيف وهدف ورمزية، وهذا ما جعل من القصة موحية، إذ لم تكن خبراً مباشر بل حملت هذه الكبسولة تلميحه في العنوان واضحة من خلالها تمكن القارئ أن يملأ فجوات التلميح ويقوم بربطها مع بعضها،  لينتهي بمرحلة التنوير لقفلة الحدث بصورة مدهشة بانتحار أحرف اللغة التي تلاعبت بها القاصة بحرفية عالية. 

أخيراً أرى في المجموعة تقنية التقطيع، أو بما يسمى بالفضاء الشذري أو المتقطع، وأجد القاصة قد استخدمت هذا الفضاء المتشذر في قصة(سيادة)، وقصة(الشاهد الوحيد)، إذ نجد القصة عبارة عن كتلة منسجمة ومتسقة وفي نفس الوقت تحمل القصة فضاءً متقطع ومتشذر كما في قصة (الشاهد الوحيد):

((قتله دون ذنب أمام ناظريه، استدعته الشرطة لاستجوابه، ألجمه الصمت لبرهة .. حين رأى القاتل يحقق معه انطلقت رعشة أسفل عموده الفقري تبعها صوته المبحوح :  

                    لم 

                       أرَ

                        شيئاً ))

وهذا التقطيع البصري كان مقصوداً وفيه دلالة نلمسها في السخرية من الواقع العربي إذ القاتل أصبح محققاً، وهي بذلك تصور الفضاء المتشذر باندحار القيم النبيلة التي تخلى عنها الإنسان، وتلك الجملة المقطعة صدرت بصوت مبحوح مغلوب على أمره، لذا ليس أمامه إلا الانكار بعدم رؤية الواقعة التي لم ير وقوعها غيره هنا كانت الباروديا حاضرة إذ كانت عبارة عن محاكاة ساخرة تقاطعت فيها الحقيقة واللا حقيقة، الجد والسخرية.  

أما القصة الثانية بعنوان (سيادة):

(( اليوم سأدافع عن كرامتي المنتهكة، سأقول له الـ لاااااا بعلو

                        صوتي ولن أسكت بعد الآن

  • فيما تشردين يا امرأة؟!
  • اااا أفكر بما سأطبخه لك يا تاج راسي)

هنا القاصة اعتمدت التمديد فالتلاعب بخطوط الكلمات في كلمتي ( لااااا ) و(ااااأفكر ) دلالة على القمع والكبت، فنرى المونولوغ الداخلي كان حاضراً إذ حدثت الزوجة نفسها بصوت داخل فضاء متشذر ومجزأ في محاولة قولها ( لااااا)، ثم باغتها الزوج بإخراجها من حديث النفس، فكان ردها أيضاً متشذراً بتمديد كلمة (ااااأفكر)، إذ القصة كانت ساخرة تذم القمع والتسلط الهرمي.

   
 
Advertisements

تعليقات