Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*
إدغار آلان بو قاص وشاعر أميركي، من مواليد بوسطن عام 1809، وتوفي في بالتيمور عام 1849، وفي زمنه لم ينل التقدير الذي يستحقه، فظل يعاني طيلة حياته من الإفلاس، ومات مديونًا.

لكن بالتدريج أخذت أعماله المكانة التي تستحقها، وأدرك الأميركيون ثم العالم أنه كاتب عبقري من طراز رفيع ونادر للغاية.

إدغار آلان بو من أوائل من كتبوا قصص رجال التحري “البوليسية”، وقصص الرعب، وقصص الخيال العلمي، وتأثيره على الأدب يكاد يشمل العالم بأسره.. على أن هذا الأديب الذي له هذا الإسهام العظيم في الأدب لم يعمر طويلاً، إذ إن حياته على ظهر الدنيا لم تمتد لأكثر من أربعين عامًا، ووفاته المبكرة تعد خسارة كبرى، ليس للأدب الأميركي فقط، ولكن لجميع محبي فن القصة القصيرة في مختلف الثقافات الإنسانية.

هذا ولا يزال سبب وفاته غامضًا، ويقال إن ضريحه في بالتيمور ماريلاند فارغ من جثته.. وعلى الأرجح أنه تورط في عداوات سياسية، إذ لم يكن يغادر منزله إلا وهو مسلح بمسدسين أو ثلاثة!

سوف نلقي هنا نظرة سريعة على إدغار آلان بو في معمله الأدبي وهو يقوم بالتحضير لكتابة قصصه القصيرة.. إذ يتيح لنا كتابه “موعدنا غدًا”(ترجمة هاني حجاج، كتاب الرافد، العدد 58، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2013) الذي يتكون من تسع قصص قصيرة أن نحظى بهذه الفرصة.

والملاحظة الأولى التي نتوصل إليها بعد انتهائنا من قراءة القصص، أن إدغار آلان بو يقوم بالتحضير الجيد لقصته قبل أن يجلس إلى طاولة الكتابة.. إنه يختار موضوعات ذات أبعاد إنسانية عميقة منتزعة من حقب تاريخية معينة، وهو بأسلوبه المشوق وخياله الخصب، يُدخلنا في أجواء تلك الأزمنة الغابرة، ويبتدع شخصيات تنقلنا إلى ذلك العالم، ويجعلنا نُعايش الظروف المأساوية التي مرت بها، وهذا يجعل منه أيضًا رائدًا من رواد القصة القصيرة التاريخية.. وحسب علمي لم يلتفت أحد من الدارسين إلى هذا الأمر، وربما يعود السبب إلى أن “القصة القصيرة التاريخية” لم يعترف بها النقاد كأحد أنواع الأدب القصصي.. وإحدى القصص المهمة التي تنتمي لهذا النوع هي قصة “وادي الأشباح” التي تدور أحداثها في اليونان عام 764 ميلادية، وهي السنة التي ضرب فيها الطاعون ربوع تلك البلاد، وهو يصور سبعة أصدقاء سهروا يعاقرون الخمر بجوار جثمان صديقهم الملفوف في أكفانه، ثم هبط عليهم شبح أسود: “لا شكل له.. ولا صفة.. لم يكن شبح إنسان.. ولا شبح إله.. لا هو من آلهة اليونان.. ولا هو من آلهة الكنعانيين.. ولا أي إله مصري..”(ص62).. وللقصة أبعاد رمزية عميقة، وهو يكشف في نهاية القصة عن هوية الشبح الأسود بقوله إن له أيّ – الشبح – صوت الألوف والألوف من الأصدقاء الذين رحلوا.

القصة الثانية التي تنسج على المنوال نفسه هي قصة “قناع الموت الأحمر”، حيث يهاجم الطاعون بلدًا أوروبيًّا، ويحصد نصف سكانه، ويقوم الدوق (بروسبيرو) حاكم تلك البلاد بالانعزال مع حاشيته في قلعة حصينة، مزودة بكفايتها من المؤن، ويروح يلهو ويقيم الحفلات غير عابئ بالكارثة التي حلّت ببلاده، ولكن في إحدى الحفلات التنكرية يحضر شخص غريب متنكرًا بملابس الأموات (الكفن)، فيغضب منه الأمير، ويدنو منه رافعًا خنجره، محاولاً قتله، ولكن هذا الغريب يسلبه روحه.

لا يذكر إدغار آلان بو تاريخًا محددًا، ولكن يمكننا الاستنتاج أن المقصود هو الطاعون الأسود الذي اجتاح أوروبا في الأعوام 1347-1352 ميلادية، وأدى إلى هلاك ثلث سكان أوروبا.

والقصة التاريخية الثالثة هي “البئر والبندول” التي تتحدث عن أساليب التعذيب المروعة التي يتعرض لها رجل إسباني وقع في قبضة محاكم التفتيش، ثم إنقاذه في اللحظة الأخيرة من الموت بفضل وصول الجيش الفرنسي إلى مدينة توليدو الإسبانية.. وكما هو معروف، فإن نابليون بونابرت هو الذي ألغى محاكم التفتيش في إسبانيا، وهذا يعني أن الزمن التاريخي المفترض للقصة هو في عام 1807.. تجري أحداث قصة “موعدنا غدًا” في مدينة فينيسيا الإيطالية، ولا يعرف تاريخها على وجه الدقة، وهي عن عاشقين يفرّق بينهما القدر، فيقرران الانتحار في الموعد نفسه الذي اتفقا عليه.. وأما أجمل قصص إدغار آلان بو في هذا الكتاب فهي قصة “الرجل الذي تم استهلاكه”، وهي بلا شك من روائع الأدب العالمي، وأسلوبها الأصيل، لم يتمكن أحد حتى الآن من تقليده، على الرغم من كثرة مقلديه، ومقتفيي آثاره.. والقصة تتماس مع التاريخ الحربي للولايات المتحدة، ولكنها مكتوبة بأسلوب كوميدي غاية في الطرافة، فهي تتحدث عن رجل صار أسطورة في المجتمع، وأحدوثة على كل لسان، إنه الجنرال (أ.ب.ج.سميث) بطل من أبطال الحرب، الذي حارب الكيكابو والبيجابو – على ما يبدو من قبائل الهنود الحمر – ودحرهم.. وجميع النساء مفتونات بقوام الجنرال وحلاوة صوته، ووسامته، وتناسق أعضائه وشاربه.. وأما الرجال فيلهجون ببراعته في التصويب، وشجاعته وإقدامه في الحرب.

لقد قرر بطل القصة أن يذهب إلى بيت الجنرال ليتعرف عليه عن كثب، وهناك يدخله خادم زنجي إلى غرفة نوم الجنرال، فيتعثر بكومة غريبة ملفوفة في قماش، يقوم بفتح الربطة، ويكتشف أن بداخلها الجنرال! ويطلب الأخير من خادمه أن يمد له بساقيه وذراعيه وعينيه وحلقه وصدره.. وهكذا نتبين أن الجنرال قد فقد معظم أعضائه في الحرب، وحصل على بدائل صناعية لها.. فهو إنسان مناقض تمامًا لصورته التي في أذهان الناس.. وهكذا نعثر على ملمح جديد في أدب إدغار آلان بو، ألا وهو هذا الشكل البديع من السخرية والكوميديا الراقية.

الملاحظة الثانية على أسلوب إدغار آلان بو أنه بجانب التنويع التاريخي لقصصه، فإنه يشتغل على التنويع الجغرافي، فأماكن قصصه تتوزع على العديد من دول العالم: “اليونان، إسبانيا، إيطاليا، أندونيسيا، بلد أوروبي غير معروف”، وبالطبع هناك عدة قصص تدور أحداثها في الولايات المتحدة الأمريكية.

الملاحظة الثالثة تتعلق بولع إدغار آلان بو بكتابة قصص الجريمة، وهو أستاذ في فهم نفسيات المجرمين ودوافعهم، ولديه في هذا الكتاب ثلاث قصص تنتمي لهذا النوع الأدبي، وهو نوع مختلف عن الأدب البوليسي الشائع، فهنا توجد جريمة، ولا يحدث تحقيق حولها، أو أن انكشاف الجريمة يحدث طوعًا من المجرم أو صدفة، وبالتالي التحقيق والتحري ليس لهما اعتبار.. يُسمى هذا النوع من القصص والروايات بالأدب “الجنائي”.

فيما بعد أسس “بو” القصة البوليسية بقصته: “عمليات القتل في شارع مورغ”. واخترع للمرة الأولى في تاريخ الأدب شخصية المحقق البوليسي.. قصة “قلب يعترف” هي عن شخص يقوم بقتل شيبة لأسباب واهية – نظراته كانت تزعجه – وعندما يأتي ثلاثة من رجال الشرطة للبحث، يستبقيهم ويثرثر معهم، ثم ينهار ويعترف بجريمته، ويدلهم على مكان الجثة.

قصة “القط الأسود” تتحدث عن رجل قتل زوجته ودفنها خلف حائط في القبو، تأتي الشرطة للتفتيش عنها، ويكشف لهم الرجل دون قصد عن مكان جثتها! قصة “برميل الآمونتيلادو” هي عن رجل ارستقراطي تعرّض لإهانة تافهة من رجل إيطالي، فيستدرجه إلى قصره، ويسجنه في سرداب، ويبني عليه جدارًا، ولا يكتشف أحد أبدًا تلك الجريمة.. ونلاحظ أن القصة الثالثة مختلفة عن سابقتيها، فالمجرم لم يسقط في قبضة العدالة.. والسبب له علاقة بشخصية النبيل الارستقراطي، وقوة طباعه، وبرودة أعصابه، وقدرته الحديدية على التماسك وتجنب زلات اللسان والإفراط في الانفعال الذي يوقظ الشكوك!

هذه الإطلالة الخاطفة على مَشْغَل إدغار آلان بو القصصي توضح لنا المرونة العقلية المدهشة التي تميَّز بها، وقدرته على التنويع في الزمان والمكان وأفعال الإنسان بطلاقة، هذا بالإضافة إلى إحساسه الفني المتجاوز لخيال معاصريه في البحث عن إمكانيات جديدة للأدب، مُجربًا ومُبتكرًا أنواعًا أدبية لم يكن لها وجود قبله.

*روائي وكاتب يمني

   
 
Advertisements

تعليقات