Accessibility links

Advertisements

 انتصار السري*

      على مقعدها في زاوية المقهى، كانت عيناها ترقبان مَن حولهما، تسجلان الداخل والخارج، اعتادت الجلوس في ذلك المقهى، تُفتش عن فكرة تطرحها على سطور أوراقها.

في إحدى الزوايا حبيبان يتهامسان، آخران يتعاتبان، أمٌّ تُرغم طفلها على شرب عصير حامض لا يستسيغه، يستغل انشغالها بإطعام شقيقته، يدلق كوب العصير، تقف غاضبة، توبخه بشدة، الخوف يملأ عينيه البريئتين، تنهمر منهما الدموع، يهب النادل لتنظيف الطاولة.

من إحدى الطاولات يتصاعد صراخ أحدهم في وجه بعض الأشخاص الذين معه على نفس الطاولة قائلاً:

– قلتُ لا، لن أشترك معكم؛ إنها جريمة يعاقب عليها القانون، كيف لي أن… يشده أحدهم من ياقة قميصه، يأمره بالصمت، عيون تتركز نحوهم، آخر يمد له من تحت الطاولة برزمة نقود، تهدأ ثورته، يصمت، تتبدل ملامحه، يبتسم.

عيناها انسلّتْا عبر النافذة إلى أقصى الشارع، هناك صفوف من السيارات، شخص ينزوي بينها، يتلفت خلفه لا يرى أحدًا، يفك “سحَاب” بنطاله، يفرغ مثانته، يمضي في طريقه.

تجمع أوراقها، تطلب فنجان قهوة، بمهَل ترشفها، تضع الفنجان على الطاولة، امرأة في العقد الخامس، تزحف على محيط عينيها تجاعيد، عيناها الواسعتان مرسومتان بكحل أسود زاد من اتساعهما، تحمل في يدها حقيبة من القماش مهترئة، جلست بجوارها، تحدِّق بها، أصوات جلبة أحدثها قِط أسود يجري بين المقاعد، ينصدم بالنادل، تتساقط الأكواب، يُرسل النادل خلفه الشتائم، وشتى اللعنات.

تختطف المرأة فنجان قهوتها، تقلبه، تنظر بداخله، تتأمله بعمق واهتمام، تشعر الفتاة برهبة، تلعن ذلك اليوم بل تلك اللحظة بالذات، تخرجها المرأة من سكونها قائلة:

– مسكينة أنتِ أيتها الصبية، ساقني قدركِ إليكِ، كم أنتِ متعثرة! لا مستقبل لكِ، خطّ حياتكِ قصير، مقطوع، راجعي سجل حياتكِ.. جسد الفتاة ينتفض، يغسله عرق بارد، يسقط قلمها أسفل المقعد، ترفعه، تنظر أمامها، لا تجد المرأة، لا أثر لها… فنجانها يحوي بقايا قهوة على طاولتها… ما زالت تُفتش عن فكرة تخطها على جسد أوراقها…

* كاتبة من اليمن

Advertisements

تعليقات