Accessibility links

فكري قاسم*
ما غبطتُ الأمم والشعوب في حياتي على شيء متوفر لديها مثلما عشت أغبطها على وفرة الأفراح العامة التي تتمشى في شوارعها، مرات ومرات، في مناسبة وأخرى من دون أي موانع وقيود.
وعشت لسنوات طويلة أرصد مظاهر الأفراح اللي أشوفها من وقت لآخر، في هذي البلاد أو تلك الأخرى وأنا حزين على بلادي التي أصبح الموت اليومي الوفير هو أكثر من يتمشى في شوارعها بكل أريحية، ومن دون التزام حتى بضوابط السير.
ودائمًا، مع مشاهدتي لكل فرح عام متدفق على شعب، ما أقول لنفسي: يا ربي متى ستشهد بلادي الكسيرة مظاهر الفرح العارم الذي يعم جميع أرجاء البلاد، زيما بقية بلدان الله في الدنيا؟، ومتى سيتمشى الفرح في شوارع مدننا الكئيبة التي أصبحت بفضل عيال الشوارع وقطاع الطرق وتجار الحرب مجرد ممرات للبؤس اليومي، وأماكن عامة لتشييع الجنائز وقتل أحلام المارة في الطريق.
بالأمس، وتحديدًا مساء يوم الاثنين، 13 ديسمبر 2021، شهدت اليمن أخيرًا موجة فرح عارم كبير عمّ جميع أرجاء البلاد من شرقها إلى غربها، وشفت الفرح الغامر لأول مرة منذ زمن بعيد وهو يتمشى في شوارع كل المدن اليمنية بكامل لياقته وأناقته الشخصية، لابسًا العلم الوطني بكل زهو وافتخار؛ ابتهاجًا بصنيع فتيان منتخبنا الصغير اللي أهدوا السعادة والأفراح لشعبهم المكلوم من أرضية الملعب بمدينة الدمام في أخس وأسوأ الظروف.
وذلحين، من لحظة تتويج منتخبنا الوطني للناشئين بكأس بطولة غرب آسيا، وإلى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال، وقلبي بداخل قفصي الصدري زقع يبترع طوال اليوم، وأرقد وأقوم من نومي وأدخل وأخرج طوال الوقت وأصوات الجماهير اليمنية المشجعة للمنتخب في مدرجات الملعب، وفي الشوارع العامة، وفي المقاهي، هادرة في أذني تصيح “بالروح بالدم نفديك يا يمن”.

Advertisements

وكلما شفت مقطع من مشاهد ذلك الفرح العارم والكبير الذي تدفق مثل شلال بارد إلى قلب كل يمني في الداخل والخارج تنهمر دموع الفرح من عيوني قطرات متسارعة لا أستطيع الإمساك بها، وأحس بمشاعري الوطنية جياشة ولا أستطيع التوقف عن البكاء.
وأعتقد مش أنا وحدي بس من يعيش هذه المشاعر بكل هذا الفرح الدفين، كل اليمنيين المشتاقين لشهقة الفرح العام يشاركوني هذا الشعور المهيمن في الشارع العام منذ الأمس بفضل كتيبة النجوم الصغار في منتخبنا الوطني للناشئين.
بالأمس خرج مارد الفرح اليمني العام من قمقم الهزائم اليومية التي تكعفناها خلال سنوات الحرب الثمان بسبب فريق الخائبين الذين قلفدوا حياتنا كأمة وشعب بمشاريع سلالية وطائفية وانفصالية ومناطقية هزمتنا نفسيًّا بين الأمم والشعوب، ولكن مارد الفرح اليمني خرج في هذه المرة إلى الشوارع، لا ليقطع الطريق، ولا ليصطف خلف فلان وعلان، ولا ليحرق تواير الغضب، وإنما خرج متحديًا كل الظروف وكل الموانع المحتملة من أجل الفرح الدفين المخبأ في أعماق قلوب اليمنيين، في كل شبر من اليمن الكبير الذي لم يتقزم يومًا إلا من حين تولاه الأقزام.
على أن صناعة الفرح العام على أيّ حال مش هي عملية سهلة، مثل صناعة البسكويت، أو أي شيء آخر يبيعه التجار للناس بغرض المزيد من الأرباح، وإنما هي في حقيقة الحال عملية صعبة ومعقدة، وتشتي لها بدرجة أساسية قدرًا عاليًا من أخلاق العناية، ومن الوعي الوطني الكافي لفهم حاجة المواطنين إلى الفرح العام الذي يوحد مشاعرهم في البلاد المنقسمة على نفسها، تحت راية وطنية واحدة.
وهذا تحديدًا ما امتلكه صنّاع الفرح اليمني الكبير، نجوم منتخبنا الوطني للناشئين بقيادة مدرب وطني فذ وطاقم فني وإداري كان لديهم جميعًا، كفريق واحد في الميدان القدر الكافي من أخلاق العناية، ومن الوعي الوطني بحاجة أمتهم المرهقة والمتعبة والمحبطة إلى شهقة الفرح العام.

كاتب يمني ساخر.

 .

Advertisements

تعليقات