Accessibility links

Advertisements

غسان خالد
(تدفعنا أسباب كثيرة إلى عيش خيالات وهمية، لكنها حقيقة طالما عشناها وتركت أثرها فينا).

استيقظت مبكرة على منبه التوقيت، انتفضت من أسفل غطائي نحو الباب، أدرت مقبضه في الاتجاهين.. جذبته نحوي، لكنه مغلق من الخارج.. ركلت بقبضة يدي وقدمي عليه، ثم نطحته برأسي: افتحوا.. افتحوا.. لم يجب عليّ أحد.. عبثت بأشياء غرفتي، طوحت بجهاز الكمبيوتر المحمول على الأرض، قذفت بالكرسي على حامل لوحات الرسم، رميت بالألوان الزيتية نحو النافذة، هويت بقفص العصفور إلى الخلف، ارتميت على المقعد الموضوع أمام مرآة خزنة الملابس.. نفذ إليَّ صوت أمي، وهي تهز الباب: (جربي فتحه من جهتك.. ربما يكون عالقًا)، لا يحتاج.. أغلقه والدي بالمفتاح.. أليس هو من أذن لي بالخروج، (أغلقه والدك؟)، ربما أنا أتوهم !، (كل ما نعيشه وهم.. أرجوك يا ابنتي لا تؤذِ نفسك).

أصابني شك وحيرة، بدا إذنه السابق لي لحضور حفل تخرج صديقتي الوحيدة من كلية الهندسة كأحد التوهمات، بدأت باسترجاع الأحداث من تلك اللحظة مساءً، التي قررت فيها وأمي الانضمام إلى مشاهدة التلفاز مع والدي لطلب إذن الخروج، جلسنا إلى جواره في لحظة قراءة مذيعة التلفزيون خبر: “…وفق تقارير دولية ومحلية، فمنذ انطلاق الحرب في اليمن 2015 قتلت 528 امرأة، وأصيبت 805 أخريات، وواجهت النساء أكثر من 4 آلاف حالة انتهاك..”، حوَّلَ التردد فورًا إلى قناة رياضية: “فازت المصرية فريال أشرف عبدالعزيز بذهبية منافسات وزن فوق 61 جودو، بدورة الألعاب الأولمبية طوكيو 2020، بعد التغلب على بطلة أذربيجان إرينا زاريتسكا..”، نقل التردد نحو قناة كويتية ظهر فيها فيديو مهزوز: ((رجل كويتي يستقيم على حاجز الاستقبال في مطار بلده، يحمل بيده بوكيه ورد، يتفحص أفواج القادمين، تطل ابنته العائدة من دراسة الطب في أوروبا بملابس التخرج، يشرع بالغناء لها.. يحتضنان بعضهما.. يتأثر كل من حولهما..))، وتأثر والدي، فباغتته أمي: (نادم الآن على سحب ابنتك من مدرستها في الصف التاسع ورميها في البيت).. لم يجب.. ظل شاردًا في اتجاه شاشة التلفاز المعلقة على الحائط، عدلت أمي من جلستها نحوه، وقالت: (غدًا هو حفل تخرج منال صديقة ابنتنا، وقد أرسلت لها دعوة لحضور الحفل، واتصلت بي والدتها الدكتورة نجاة لتطلب مني السماح لها).. ظل والدي شاردًا نحو ذات المكان، أضافت أمي: (قلت لها في المساء سأطلب الإذن من والدها..)، هز رأسه من الأعلى إلى الأسفل مرتين.

تركتهما، وعدت للجلوس جوار قفص العصفور في غرفتي، حدثْته: أريد أن أبشرك يا صديقي، وافق والدي على ذهابي إلى حفل تخرّج منال، لكن هذا لم يقضِ على تناقض الخوف وفرح اللحظة في داخلي بسبب ما حدث لي قبل بضعة أيام ولم أتمكن من الحديث معك، بالطبع تتذكر حين حدثتك أني مضطرة للخروج إلى الصيدلية المجاورة لشراء دواء أمي وبعض مستلزماتي في غياب والدي، أغلقت باب المنزل ورائي بهدوء، ومضيت أمشي على رصيف البيوت التي تتلاصق جوارنا، انعطفت يمينًا إلى الزقاق الذي يؤدي إلى الشارع المجاور، بدأ دُوارٌ يسري في رأسي، خطواتي تتباطأ، وصلت إلى الصيدلية التي في رأس الشارع، لم أفهم الكلمات التي كان يخاطبني بها الطبيب الصيدلاني، لكنني أتذكر أنني أفلتُّ كوب ماء من يدي المرتجفة، قفلتُ عائدة على الفور، تجاوزت الزقاق إلى رصيف الشارع المؤدي إلى المنزل، تجمّع حولي الأولاد والشباب، انسلوا من جميع الأماكن يشيرون بأصابعهم إلى مواضع جسدي الحساسة، حاولت الركض، لكن أقدامي لم تستجب، هبّت رياح شكّلتْ زوبعة من بقايا الأتربة والأوساخ على الشارع، متجهة نحوي، فشلتُ في تفاديها، وقعتُ في قلبها، تسلقتني من أسفل ملابسي،  لم أعد أرى شيئًا، وقد ملأت عيني بالتراب.. خبَت على جسدي، أحسست بنزعها لملابسي الفضفاضة وغطاء رأسي، وددت لو أنها تدفنني أسفلها، أو تقذف بي إلى غرفتي، وأنا أخطو بملابسي الضيقة حاسرة الرأس، ذليلة، ظهر الشباب والأولاد ثانية حولي، حدث ما كان يحذرني منه والدي فقد التقطوا لي صورًا بهواتفهم ووضعوها على مواقع التواصل الاجتماعي، وصلت الصور إليه وهو جالس مع والدتي في صالون المنزل، استشاط غضبًا يلومها، كما كان يفعل دائمًا، تحاول والدتي تهدئته بكلمات قدرية، لكنه لا يستجيب، يقْسم مرارًا أنه سوف يغسل العار ويدفن الفضيحة بيده، يحاول الوقوف على قدميه، لكن دُوارًا يسقطه، تأتيه والدتي بحبات الدواء، يرمي الكأس أمامه على الجدار، ويبتلعهن دون ماء.

إلى الآن.. لا أعرف كيف دخلتُ المنزل، وجدتني في غرفة أمي، لم أرَ والدي.. قالت أمي، وأنا أحاول لملمة أنفاسي: (راقبتكِ من النافذة، كنتِ مضطربة بمشيتك، تسيرين بلا ثقة وكأنك عارية.. وعدتِ بيد فاضية)، خفتُ منهم حين تجمّعوا حولي.. العاصفة أعمت عينيّ، وطارت ملابسي مع الريح.. في تلك اللحظة رأيتني في المرآة المقابلة لموضع جلوسي، وما زلت أرتدي الملابس التي خرجت بها، أتيت إلى هنا، ولم أستطع الحديث معك.

حسنًا عصفوري الجميل، هل أنت خائف مثلي؟ أنت – أيضًا – يصيبك الخروج من قفصك والتحليق بعيدًا بالرهاب.. لنحاول كسر مخاوفنا بأنفسنا.

فتحت له باب القفص الملقي الآن أمامي، وها هو العصفور لم يعد موجودًا فيه، فهمت من هذا أن الأمر حقيقي وليس توهمًا.

قبل أن أنام، كتبت رسالة نصية لمنال أخبرها أن والدي وافق على حضوري الحفل، اتفقنا على الموعد الذي ستأتي فيه بسيارتها لأخذي إلى هناك، حسنًا سأرى الرسائل النصية.

“مكالمة واردة من منال”:

(الوو.. أنتظرك في الأسفل!.. تسمعينني) نعم.. أسمعكِ.. منال هذا حقيقي، (ما هو؟)، سماح والدي لي بحضور حفل تخرجك، (قلتِ لي برسالة نصية أنه سمح لك)، …. ، (الووو.. ماذا يعني هذا الآن)، والدي أغلق عليَّ باب غرفتي منال، ( حسنًا.. فهمت).

شعرت بخجل، وعجز داخلي كبير أمام صديقتي الوحيدة، ألمَّ بي دُوار ثقيل وأنا ما زلت واقفة أفكر بذلك، استجمعت سريعًا ما تبقى لي من قدرة تحكّم، وقذفت بنفسي نحو السرير، بدا لي سقف الغرفة مرآة كبيرة، انعكست عليه مستلقية بشكل عرضي، جزء من أقدامي خارج السرير، تراجعت بلوزتي القطنية إلى صدري، انسحب بنطلون بجامتي إلى أسفل الركبة، شعري مهمل إلى الخلف، خطوط دم سائل من جانب جبهتي إلى أسفل خدي، جسدي جامد كأنه في ثلاجة الموتى، أحسست بجسمي يدور بشكل متسارع عكس عقارب الساعة، شعرت بابتعادي عن الفراش، وكلما ارتفع يخف وزني ويتضاءل جسمي، انفصلتُ عن جسدي، سقط إلى الأسفل، تخلصت من أعبائه، وقد صرت هالة صغيرة في نهاية جسم مخروطي ابتدأ من السرير وانتهى في الأعلى.. تلاشت المخاوف والأوهام، تحررت من رقيب خارجي وآخر فضّ داخلي، فتحت الأبواب بلا محاذير، سبحت بخفة في فضاء فسيح على مرأى من الشمس بين هالات صغيرة تسبح متقاربة في مسارات خاصة متخففين من الأجساد، تبخرت غرائزنا، زالت الحدود القاسية، سبحت بعيدًا، اقتربت من واحات الهالات المضيئة، حللت بينهم بلا خوف ولا تخمينات خاطئة، لا يمكنهم التقاط صور لي وإرسالها إلى مواقع التواصل، اختفى التنميط المسبق، انعدمت فرص حصرنا في مهام محددة، فنحن نتشابه من الخارج حد التطابق، ونتمايز بما في داخلنا.. للأسف، قطع سيل الجمال هذا طرقات قوية، أسقطني الفزع إلى الأسفل، تسربت في جسدي، عدت إليه، تلبستني المخاوف والتوهمات، وصفدتني الأثقال مرة أخرى.

استمرت الطرقات على الباب مع صراخ عالٍ: (افتحي.. افتحي وإلا سأضطر إلى كسر الباب)، نهضت بخيبة من يعود إلى معتقل حريته مرة ثانية بعد أن ذاق طعمها، سحبت المزلاج، ظل والدي متجمدًا في مكانه رافعًا قبضته إلى الأعلى كتمثال الحرية الشهير، اندفعت أمي خلفي وأسندتني إلى السرير، لم تكد تجلس أسفل قدمي حتى افتزّت خارجة، وعادت بنتف قطنية ومحلول كحولي تمسح به على مواضع جسمي المدماة من الضرب على الباب، ثم ذهبت نحو والدي الذي بدا ظله كاملاً من مكاننا:

– ابنتي حاولَت الانتحار بسببك! 

– بسبب إفسادك لها بالدلال؟

– أنت من أذن لها بالخروج مساءً، ثم أغلقت عليها باب غرفتها!

– لم آذن لها؟

– هززت رأسك مرتين بالموافقة أمام عيني!.

–  افهميني.. ليست موافقة.. ضعفت حينها.. لم أستطع قول لا في وجودها.. تعبت لا أستطيع رؤيتها منكسرة..

– ما فعلته أسوأ من الشيء الذي خشيته.

– لاحقًا ذهبت إلى غرفتها لأخبرها بعدم موافقتي.. كانت نائمة اضطررت إلى إغلاق الباب.

– ليس هناك مبرر لمنعها من الخروج..!

– من حقي أخاف على ابنتي.. ومن واجبي أن أحميها.

– من ماذا تخاف عليها وتريد حمايتها؟

– من الخيال..

– ما هو هذا الخيال الذي يخيفك ولا يخيف والد منال..

– ابنته واثقة من نفسها، وتفهم كيف يفكر الآخرون، وتضع حدودًا لهم..

– كيف تستطيع ابنتنا التعامل مع الآخرين وأنت منعتها من الخروج وعزلتها تسع سنوات عن الناس.

– .. حميتها منهم.. هذا واجبي.. لكني لم أحرمها من أي شيء آخر.. شقى عمري وتعبي كله من أجلها.. منحتها غرفة خاصة بها، وأثثتها بالشكل الذي يحلو لها.. رضخت لرغباتها في تعلّم الرسم، وأحضرت لها مدربة إلى المنزل.. قالت تريد جهاز تلفون محمول، اشتريت لها واحدًا.. ثم قالت إنها تحتاج جهاز كمبيوتر فهي تحتاج برامج للرسم، قلت حاضر.. طلبت مني توصيل انترنت، قلت أمرك.. أسعدتها بالهدايا والمجوهرات التي لا تستطيع غيرها مجرد الحلم بها.. ومع هذا ثقتها بنفسها ضعيفة ومهزوزة.

– هذه الأشياء لا تعني شيئًا لإنسان يعيش في زنزانة.

– لا تعني شيئًا..!

لم أحتمل المزيد من الجدل العقيم بينهم، صرخت فيهم: توقفوا.. توقفوا.. أعدكم لن تتجادلوا ثانية بشأني.. سأقتل نفسي حتى تتأكدوا بأني لن أنوي حتى في سري تجاوز مساحة غرفتي، صفقت الباب في وجههما، أحكمت المزلاج من الداخل، وصلني فورًا آخر تهديد من والدي: (سوف أترك المنزل لك ول…).

غادر وترك لنا قرع نعاله.

شعرت بوهن العائلة، لم نستطع التماسك عند أول اقتراب للحدود التي وضعها وظل زمنًا يخيفني بها، والدي يكابر ولا يعترف بأخطائه، رغم تأثره الواضح بمشاهد التلفاز، ورغبته في أن تكون ابنته الوحيدة سندًا له، وقد تقدم بالعمر وراجع أخطاء الماضي، حتى الأنثى تستطيع أن تكون مصدر فخر وتباهٍ،  لولا خوفه من الخيال لكنت اليوم متخرجة أيضًا.. كسر شتات تفكيري هذا طرقات أخرى قوية على باب الغرفة، اعتقدت أن والدي تراجع عن تهديده وعاد: (أنا منال.. افتحي) من.. ال.. أهلاً منال.. ألف مبارك عليك.. سامحيني.. (لا عليك.. ماذا حدث؟)، كالعادة.. هل تعرفين مما كان يخاف عليَّ والدي طيلة هذه السنوات؟، (من ماذا؟)،  تخيلي.. يخاف عليَّ من الخيال.. هذا الشيء الوحيد الذي أبقى حياتي على قيد الأمل.. لولا خيال الفن والأدب لكنت مت كالبهائم الشاردة.. (ربما خيال آخر يرعب بعض الرجال.. خيال المتحرش مريض، يتخيل المرأة عارية.. يظهر معه في أسوأ نسخة حيوانية.. لا يعقل فيها ولا يعي..)، كيف يخاف عليَّ من خيال مريض.. ربما هو من يمارسه.. ما يرعب الرجل هو أن ترتد عليه الأشياء الخاطئة التي يمارسها.

قطع حديثنا دخول دكتورة نجاة وخلفها والدتي، باشرتني بقرار حاسم: (من الغد سوف تأتي ابنتي منال في كل صباح لأخذك إلى مرسم عيادتي.. مكان جميل ومريح.. سيعجبك)، لا أستطيع.. أنت لا تعلمين ما حدث اليوم حين طلبت الخروج، (.. هذه المرة لن تضطري إلى الاستئذان من والدك.. اتفقت مع والدتك بأن يكون القرار لك.. وهي ستتدبر أمر والدك).. بدا حماس أمي واضحًا على ملامحها، أشعت طاقة كبيرة منها، ساعدتني على اتخاذ قراري.

في الصباح التالي غادرت المنزل مع منال بعد خروج والدي، سرت معها إلى المرسم في عيادة والدتها النفسية، غرفة واسعة.. حوائطها مغطاة برسومات البنات التي وطأت أقدامهن المكان، مضيت أتأمل اللوحات لوحة لوحة، فهمت أنهن استطعن كسر قيودهن الخاصة، فتحت النافذة المطلة على حديقة ورد وأزهار فواحة، وصلني نسيم مبلل برائحة التربة التي تتشرب الماء، امتلأت رئتي بعبق الهواء المتجدد، شرعت بالرسم تحت إشراف الدكتورة نجاة، وجدتني أرسم ملامحي كما تستشفها روحي، فتاة بلا شكل محدد، ضائعة في الحياة، مدمية من جهاتها الأربع، طورت نسخًا كثيرة لرؤية نفسي من منظور خيالي، كل مرة كنت أنجح في إسقاط إحدى مخاوفي.. أكتسب ثقة أكبر في قتل أفكار جامدة، صرت متصالحة مع نفسي والحياة، جسدت التفاصيل التي تنبع من مصدر الجمال الذي برق داخلي، أطعّمه بالخيال، وأستشف به الواقع، وفي أوقات ارتطامي بحاجز اليأس واللا جدوى أركض مع زائرات المرسم في الحديقة المجاورة، نفرد صدورنا للهواء، ونعرض أجسادنا للشمس، أتخفف كثيرًا مثل أن أتخلص من أعباء جسدي بالارتقاء في ذلك الجسم المخروطي.

خلال ذلك كانت تصل إلى العيادة كل صباح هدايا ومغلفات باسمى، تضعها منال أمامي، لم تكن الهدايا والألعاب الغامضة ضمن ما يثيرني، فتضطر إلى رميهن في الغرفة المجاورة، حتى أتت منال في أحد الأيام ووضعت مغلفًا أمامي بحزم: (هذه الهدية تخصك وأنت من يجب أن ترميها في الغرفة المجاورة، إذا لم ترغبي في فتحها)، أمرك بش مهندسة.

خطوت إلى الغرفة المجاورة المكتظة بالهدايا والمغلفات وباقات ورد وشوكلاتة مختلفة الألوان والأحجام والأشكال، صناديق عطور ومنتجات تجميل مطوقة بشرائط، ومغلفات أخرى، في أول نظرة داخلها أثارني أمر مغارة الهدايا والمغلفات، وقد كان وقعها عليّ سابقًا كالورود التي تُجلب من المقابر، المغلف في يدي يحمل توقيع “مُحبك الأبدي”، وهذا – أيضًا – ما قرأته على الهدايا والمغلفات الأخرى.. قالت منال: (شخص مجهول وغامض يبعث هذه الهدايا بشكل منتظم).. أرتني مغلفًا مرفقًا برسالة ورقية أدهشتني كثيرًا، لأن فيها عرضًا سخيًّا من “المحب الأبدي”، صار الأمر مقلقًا وقد عرض عليّ إقامة معرض فني للوحاتي لمدة يوم واحد. بدد حماس منال مخاوفي، لكن الأمر لم يأخذني إلى نقطة أبعد من تجريب شيء جديد لا أفهم إحساس ومشاعر القيام به.

وفي هذا اليوم الذي رتبت ونظمت له كثيرًا، كنت أتنقل بين زوار المعرض، غمرني رضا داخلي كبير، شعرت بوجودي بينهم لأول مرة مثل إنسان مستمتع بحياته دُعي إلى معرض رسام غريب لا يرغب بمعرفة اسمه، سعادة الرضا التي أحسستها لم تكن واضحة عليّ بقدر وضوحها على وجوه أمي ومنال ووالدتها، ونحن نلتقط صورة جماعية بعد مغادرة الزُّوار.. اقتربت منال: (حزينة على عدم مجيء الشخص الغامض).. فراغ غياب والدي أكبر من شعور افتقاد شخص غامض ومبهم.. وفي ذروة صمتنا، أقبل رجل من بعيد يرتدي ربطة عنق جميلة، يحمل بوكيه ورد في يد، وفي الأخرى يرفع بوستر مكتوب عليه: “محبك الأبدي”، وحين اقترب وبدأ الغناء عرفته من صوته، ارتفع صوت منال من خلفي ودوى في الصالة، وأنا أركض نحوه: (كل ما حدث كان بالاتفاق مع والدك).

   
 
Advertisements

تعليقات