Accessibility links

عمران‌ ‌عبدالله‌ ‌أحمد‌ ‌*‌ 
*النصّ‌ ‌الفائز‌ ‌بالمركز‌ ‌الثالث‌ ‌لجائزة‌ ‌الرَّبادي‌ ‌للقصة‌ ‌القصيرة‌ ‌(الدورة‌ ‌2021‌)‌ 
*قصة‌ ‌مهداة‌ ‌إلى‌ ‌روح‌ ‌طبيب‌ ‌عيون‌ ‌الأطفال‌ ‌اليمنية‌ ‌د.‌ ‌آمال‌ ‌الذبحاني‌ 
  
كانت‌ ‌الطبيبة‌ ‌آمال‌ ‌الذبحاني‌ ‌ترهقُ‌ ‌عينيها‌ ‌باستمرار،‌ ‌وهي‌ ‌تركز‌ ‌في‌ ‌عيون‌ ‌مرضاها‌ ‌التي‌ 
أرهقتها‌ ‌مَشاهِد‌ ‌الدمار‌ ‌في‌ ‌ظل‌ ‌هذه‌ ‌الحرب‌ ‌الطويلة..‌ ‌بين‌ ‌كلية‌ ‌الطب‌ ‌في‌ ‌شارع‌ ‌الستين‌ 
الشمالي،‌ ‌ومستشفى‌ ‌مغربي‌ ‌في‌ ‌شارع‌ ‌الزبيري‌ ‌بصنعاء،‌ ‌كانت‌ ‌تتنقلُ‌ ‌لِتُوزِّع‌ ‌جهودها‌ 
لمعالجة‌ ‌العيون،‌ ‌وإعداد‌ ‌جيلٍ‌ ‌جديد‌ ‌من‌ ‌الأطباء‌ ‌والطبيبات.‌ 
 ‌طوال‌ ‌خمس‌ ‌سنوات‌ ‌أصبحتْ‌ ‌آمال‌ ‌لا‌ ‌تستيقظ‌ ‌إلا‌ ‌على‌ ‌أصوات‌ ‌القنابل‌ ‌والرصاص،‌ ‌كما‌ 
أضحى‌ ‌جرس‌ ‌عيادتها‌ ‌بمستشفى‌ ‌”مغربي”‌ ‌لطب‌ ‌وجراحة‌ ‌العيون‌ ‌”عينًاً”‌ ‌بلا‌ ‌رموش،‌ ‌ولا‌ 
قزحية.‌ 
يدخلُ‌ ‌المرضى‌ ‌إليها‌ ‌بمختلف‌ ‌الأعمار‌ ‌للكشف‌ ‌عن‌ ‌حالتهم‌ ‌الصحية،‌ ‌ولا‌ ‌يركز‌ ‌على‌ ‌ذلك‌ 
الجرس‌ ‌إلا‌ ‌النادر‌ ‌من‌ ‌المرضى.‌ 
وما‌ ‌إنْ‌ ‌تنتهي‌ ‌فترة‌ ‌الدوام،‌ ‌تقتربُ‌ ‌آمال‌ ‌من‌ ‌جرسها‌ ‌لتبدأ‌ ‌حوارًا‌ ‌طويلًا‌ ‌معه،‌ ‌معاتبةً‌ ‌إياه‌ ‌على‌ 
ضعف‌ ‌صوته‌ ‌أمام‌ ‌أصوات‌ ‌القنابل‌ ‌والصواريخ‌ ‌التي‌ ‌ترافقها‌ ‌لِأكثر‌ ‌من‌ ‌خمس‌ ‌سنوات!‌  
حتى‌ ‌تسقط‌ ‌دمعتان‌ ‌من‌ ‌عينيها‌ ‌تحملُ‌ ‌حقيبتها‌ ‌وتنزل‌ ‌على‌ ‌المصعد،‌ ‌راكظةً‌ ‌باتجاه‌ ‌كلية‌ ‌الطب‌ 
-‌ ‌جامعة‌ ‌صنعاء،‌ ‌مؤديةً‌ ‌رسالتها‌ ‌الإنسانية‌ ‌في‌ ‌التعليم‌ ‌رغم‌ ‌انقطاع‌ ‌راتبها‌ ‌جراء‌ ‌الحرب‌ 
الدائرة‌ ‌في‌ ‌البلد.‌ 
تضعُ‌ ‌حقيبتها‌ ‌على‌ ‌الكرسيّ،‌ ‌وتقودُ‌ ‌السيارة‌ ‌بعجلة،‌ ‌مسرعةً‌ ‌للوصول‌ ‌قبل‌ ‌بدء‌ ‌زمن‌ 
المحاضرة،‌ ‌وعندما‌ ‌تصلُ‌ ‌آمال‌ ‌بوجهها‌ ‌البريء‌ ‌والحيوي‌ ‌إلى‌ ‌بوابة‌ ‌الجامعة‌ ‌تجدها‌ ‌مغلقة،‌ 
حيث‌ ‌علقت‌ ‌على‌ ‌جانب‌ ‌البوابة‌ ‌لافتة‌ ‌”تم‌ ‌إيقاف‌ ‌الدراسة‌ ‌للوقاية‌ ‌من‌ ‌خطر‌ ‌تفشّي‌ ‌جائحة‌ 
كورونا”…‌ ‌انبهرتْ‌ ‌آمال‌ ‌فلم‌ ‌تكن‌ ‌تتوقع‌ ‌أنْ‌ ‌يتم‌ ‌تعليق‌ ‌الدراسة؛‌ ‌إذ‌ ‌لم‌ ‌يتبقّ‌ ‌إلا‌ ‌محاضرة‌ 
واحدة‌ ‌للطلبة‌ ‌لتأتي‌ ‌فترة‌ ‌الامتحانات.‌  
تألمتْ‌ ‌كثيرًا‌ ‌على‌ ‌أبنائها‌ ‌الطلاب،‌ ‌وعادت‌ ‌بسيارتها‌ ‌نحو‌ ‌منزلها!‌ 
 ‌وفي‌ ‌الطريق‌ ‌ضجت‌ ‌الإذاعات‌ ‌بإعلانات‌ ‌إيقاف‌ ‌الدراسة‌ ‌في‌ ‌المدارس،‌ ‌وحتى‌ ‌الجامعات،‌ 
وإغلاق‌ ‌الأسواق،‌ ‌والأماكن‌ ‌المزدحمة،‌ ‌وتحذير‌ ‌السكان‌ ‌من‌ ‌وباء‌ ‌كورونا،‌ ‌والعمل‌ ‌على‌ 
مواجهته.‌  
توقعتْ‌ ‌الطبيبة‌ ‌آمال‌ ‌أنْ‌ ‌يغلق‌ ‌المستشفى‌ ‌أبوابه،‌ ‌إلا‌ ‌أنّ‌ ‌موظفة‌ ‌العلاقات‌ ‌باغتتها‌ ‌في‌ ‌الساعة‌ 
الرابعة‌ ‌عصرًا‌ ‌بأنّ‌ ‌هناك‌ ‌العديد‌ ‌من‌ ‌الحالات‌ ‌المرَضية‌ ‌بانتظارها.‌ 
حارت‌ ‌كثيرًا،‌ ‌وبعد‌ ‌تفكير‌ ‌عميق‌ ‌شربت‌ ‌كأسًا‌ ‌من‌ ‌الليمون،‌ ‌ولبست‌ ‌قفازة‌ ‌بلاستيكية‌ ‌على‌ 
يديها،‌ ‌وأخذت‌ ‌معقمها‌ ‌الكحولي‌ ‌ودسته‌ ‌في‌ ‌جيبها؛‌ ‌كإجراء‌ ‌احترازي‌ ‌للوقاية‌ ‌من‌ ‌كورونا؛‌ 
لأنها‌ ‌ستقابل‌ ‌وستحتك‌ ‌بعشرات‌ ‌المرضى‌ ‌القادمين‌ ‌من‌ ‌كلّ‌ ‌أنحاء‌ ‌الجمهورية.‌ 
عملتْ‌ ‌آمال‌ ‌كلّ‌ ‌ما‌ ‌بوسعها‌ ‌للوقاية‌ ‌من‌ ‌خطر‌ ‌الإصابة‌ ‌بالجائحة؛‌ ‌لأنها‌ ‌كواحد‌ ‌من‌ ‌آلاف‌ 
الأطباء‌ ‌الذين‌ ‌استمروا‌ ‌في‌ ‌تأدية‌ ‌واجبهم‌ ‌رغم‌ ‌مخاطر‌ ‌عملهم‌ ‌في‌ ‌زمن‌ ‌تفشي‌ ‌وباء‌ ‌كورونا،‌ 
ولكن‌ ‌الفيروس‌ ‌كان‌ ‌مسرعًا‌ ‌إلى‌ ‌صدر‌ ‌آمال‌ ‌التي‌ ‌لم‌ ‌تحصل‌ ‌على‌ ‌جهاز‌ ‌تنفس‌ ‌صناعي‌ ‌بعد‌ 
أنْ‌ ‌اقتحم‌ ‌”كورونا”‌ ‌رئتيها‌ ‌وحوّلها‌ ‌إلى‌ ‌جثةً‌ ‌هامدة.‌ 
كانت‌ ‌آمال‌ ‌الذبحاني‌ ‌تأملُ‌ ‌أنْ‌ ‌يعلو‌ ‌صوت‌ ‌جرسها‌ ‌على‌ ‌أصوات‌ ‌الرصاص،‌ ‌وأنْ‌ ‌تقف‌ 
أصوات‌ ‌الصواريخ‌ ‌لِيعمّ‌ ‌الأمان‌ ‌في‌ ‌وطنها‌ ‌للعمل‌ ‌على‌ ‌مكافحة‌ ‌وباء‌ ‌كورونا،‌ ‌تمنت‌ ‌أنْ‌ ‌يعود‌ 
السلام‌ ‌إلى‌ ‌وطنها‌ ‌لتعود‌ ‌قزحية‌ ‌جرسها،‌ ‌وأنْ‌ ‌تحتفلَ‌ ‌بتخرُّج‌ ‌طلبتها‌ ‌لتضع‌ ‌رموش‌ ‌عين‌ 
جرسها..‌ ‌هكذا‌ ‌رحلت‌ ‌آمال‌ ‌ورحل‌ ‌الكثير‌ ‌من‌ ‌زملائها‌ ‌من‌ ‌الذين‌ ‌كانوا‌ ‌يأملون‌ ‌توقف‌ 
الصراع‌ ‌لمواجهة‌ ‌وباء‌ ‌اجتاح‌ ‌كلّ‌ ‌دول‌ ‌العالم!‌ 
رحلتْ‌ ‌آمال‌ ‌تاركةً‌ ‌وطنًا‌ ‌يئنُّ‌ ‌من‌ ‌ثنائية‌ ‌الحرب‌ ‌وكورونا…‌ ‌آملة‌ ‌من‌ ‌أطراف‌ ‌النزاع‌ ‌إيقاف‌ 
الحرب‌ ‌لمواجهة‌ ‌كورونا،‌ ‌وإحلال‌ ‌السلام‌ ‌في‌ ‌اليمن…‌ ‌فهل‌ ‌دُفِنت‌ ‌آمال‌ ‌مع‌ ‌حلمها؟!‌ 
  • 204
    Shares
Advertisements

تعليقات