Accessibility links

عروض أسبوعية في صنعاء.. هل تُعيد الحياة لروح المسرح اليمني؟


Advertisements

 

صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الكمالي:

أثّرت الحرب في اليمن، سلبًا، في مختلف مجالات العمل الثقافي، بما فيها الفنون، وفي مقدمتها المسرح (أبو الفنون)، إذ عملت الحرب على خنق ما تبقى منه، متمثلاً بعروض مناسباتية في يومه العالمي (27 مارس).. فحتى هذه العروض توقفت.

من مسرحية (البداية) في مسرح (أ ل م)

 

في هذا الخضم ظهرت، في مستهل فبراير/ شباط الماضي، تجربة لمسرح اجتماعي كوميدي في صنعاء باسم مسرح (أ ل م)، والذي يقدّم عرضًا كل أربعاء.. ما يمتاز به هذا المسرح، الذي يتخذ من قاعة جمال عبدالناصر في كلية الآداب بجامعة صنعاء مكانًا لتقديم عروضه، أنه أول مبادرة من مجموعة من الفنانين لإنشاء مسرح أسبوعي منتظم في العاصمة صنعاء، يكون متنفسًا ترفيهيًّا للأهالي، ويعالج قضايا المجتمع بأسلوب كوميدي ساخر، حسب مدير هذا المسرح، نذير العريقي، متحدثًا لـ “اليمني الأميركي”.

بالنظر لواقع تجربة مسرح (أ ل م)، سنجد أنه يتوفر لها خشبة مسرح دائمة مقابل حضور عديد من التحديات يجب عليه تجاوزها في حال ضمِن استمرار العروض، وفي مقدمتها بناء جمهور مسرحي، وهذا يتطلب انتظام العروض وتطورها، فالحضور في أحد عروض مسرحية “بعد ساعتين”، التي تناولت موضوع (فيروس كورونا)، لم يتجاوز نصف القاعة، كما يتطلب ذلك مواكبة النَّص المسرحي للأحداث والقضايا اليومية التي يعيشها المجتمع، بالإضافة إلى العمل بتقنيات مسرحية حديثة من الإضاءة والصوت والديكور، والحفاظ على الهدف الذي حدده القائمون عليه كمسرح يترفع عن الانزلاق في أتون استقطابات الحرب، ويعمل على ترميم ما خلّفته الحرب في نسيج المجتمع، وتلافي جوانب القصور التي لازمت التجارب المسرحية السابقة في اليمن.

هنا يتجلى السؤال: هل يمكن اعتبار تجربة مسرح (أ ل م) بادرة أمل لعودة الروح في المسرح اليمني الذي يعاني من موت سريري منذ سنوات طويلة؟

الإجابة على هذا السؤال مرتبطة بمدى انتظام عروض هذا المسرح، والتزامها قضايا المجتمع، وحرصها على تطوير تقنيات العرض… بما يدفع لتوالد تجارب مماثلة على امتداد بلد يعيش حربًا، وازاء ذلك لا يمكن التفاؤل، حسب أحدهم!

هذا، بدوره، يقودنا للاقتراب من أزمة المسرح اليمني، ومحاولة تقديم قراءة هادئة لمشكلته، لعلنا نقدّم صورة قريبة من واقعه.

يعود ظهور المسرح الحديث في اليمن لبدايات القرن العشرين، حيث شهدت مدينة عدن أول عرض مسرحي يمني عام 1910م، وهناك في العام ذاته تأسست أول فرقة تمثيل يمنية، فيما تأسست أول فرقة في صنعاء عام 1969، وشهدت تجربة المسرح في الشطرين، قبل إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، ازدهارًا تصاعديًّا، وبخاصة من عقد الستينيات إلى الثمانينيات، قبل أن تبدأ التجربة تدريجيًّا بالانحسار عقب إعادة تحقيق الوحدة، وصولاً إلى سنوات الحرب المستعرة حاليًّا، منذ أكثر من سبع سنوات، والتي ألحقت أضرارًا بالغة بالعمل الثقافي، بما فيه المسرح، إذ توقفت حتى عروضه المناسباتية.

الوقوف على مشكلة المسرح اليمني سيؤدي لمناقشة عوامل متعددة، أبرزها التخوف السياسي والتزمُّت الديني، اللذين أديّا لإفراغ المسرح اليمني منذ تسعينيات القرن الماضي من مقوماته، وفي مقدمتها الفِرق المسرحية التي كانت في عقد التسعينيات بالعشرات، ومن ثم اختفت تمامًا، وتراجع معها حضور العنصر النسائي حدًّا لا يمكن تصوره، وقبل ذلك لا بُد من الإشارة إلى افتقاد المسرح اليمني لخشبات عروض مجهزة، ومؤسسة تعليمية تعمل على تجديد دمائه، ومع كل ذلك افتقد المسرح اليمني لبرامج تنتظم معها العروض المسرحية طوال العام، فالقرار السياسي منذ تسعينيات القرن الماضي أخذ ينظر لهذا الفن بتوجُّس، بل تم شيطنته من قِبل السلطات التي تعاقبت على اليمن منذ إعادة تحقيق الوحدة، انطلاقًا من تخوفها من قدرة المسرح على التعبير والتأثير في المجتمع، ونتيجة لذلك كان قرار إيقاف نشاط المسرح المدرسي، بل تم إخراج الفنون من المدرسة.. إزاء كل ذلك تراجع حضور هذا الفن.

الناقد المسرحي النويرة: من النادر أن نجد نصًّا يمنيًّا تتوافر فيه خصائص المسرح.

 

خشبات غير مؤهلة

بلا شك تختلف آراء العاملين في هذا المجال إزاء عوامل تعثُّر المسرح اليمني، فالناقد والمخرج المسرحي مبخوت النويرة عزا، في حديث لـ”اليمني الأميركي”، أبرز أسباب تعثُّر المسرح في اليمن في العقود الأخيرة إلى «عدم وجود بنية تحتية خاصة بالمسرح.. فما يوجد في اليمن عبارة عن قاعات لعرض الاحتفالات، حيث إن من لديه مسرحية لا يجد خشبة مسرح للبروفات».

ويشير النويرة إلى أن تلك القاعات تفتقر لتقنيات المسرح الحديث، مثل أجهزة الإضاءة الحديثة، إلى جانب استخدام ديكورات فقيرة، «لكن حاليًّا نحن لا نبحث عن تقنيات، وإنما نبحث عن خشبة مسرح، عن بناء مسرحي في المقام الأول».

علاوة على التهميش المقصود للمسرح من الحكومات التي تعاقبت في اليمن خلال العقود الأخيرة.. كانت وما زالت الفنون والعمل الثقافي عامةً خارج أولويات برامج العمل الحكومي، للأسف، وكان المسرح في مقدمة الفنون تهميشًا من القرار الحكومي، وبالتالي ظلت الفنون في اليمن تعاني الكثير، ومعها المسرح، وجاءت الحرب الراهنة بالضربة القاضية.

وحول سؤال “اليمني الأميركي” عن أسباب الإهمال الحكومي للمسرح خلال العقود الأخيرة، يوضح وكيل وزارة الثقافة للفنون الشعبية والمسرح في حكومة صنعاء الخاضعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، علي المؤيد، أنه لم «يكن هنالك، باعتقادي، قناعة بأهمية المسرح ودوره الثقافي والحضاري لدى الحكومات السابقة، واليوم تُمثل شحة الإمكانيات المادية العائق الأبرز للنهوض بالمسرح خلال فترة الحرب، لدرجة أننا في قطاع المسرح لا نستطيع أن نقدم الدعم المناسب للفنانين المسرحيين، وهذا ما يؤسفنا جدًّا».

الكاتب المسرحي الأهدل: تعثُّر المسرح اليمني يكمن في توجّس السلطات.

 

مشكلة نص

بالإضافة الى معاناة المسرح اليمني من غياب دُور عرض مؤهلة، يضيف مبخوت النويرة ما اعتبره (مشكلة نَص) يعاني منها المسرح اليمني، ونتيجة لذلك لم يشهد هذا المسرح إلا قلة قليلة من العروض على مدى تاريخه، وقال: «من النادر أن تجد نصًّا يمنيًّا فيه خصائص المسرح.. هناك كتّاب أدب، وكتّاب الأدب يختلفون عن كتّاب المسرح، مَن يكتب للمسرح يجب أن يرى المسرح أمامه، وحبكة المسرح غير الحبكة الأدبية، بمعنى من يكتب للمسرح هم مختصون ويعرفون المسرح ماذا يريد».

إزاء ذلك يرى الروائي والكاتب المسرحي اليمني وجدي الأهدل، في حديث لـ” اليمني الأميركي”، أن «النقص في عدد الكتّاب المسرحيين اليمنيين ليس عذرًا لغياب العروض المسرحية، فهناك  كتابات مسرحية عربية رائعة مثل مسرحيات سعدالله ونوس وتوفيق الحكيم ومحمد الماغوط ولينين الرملي، وسواهم، يمكن تقديمها على خشبة المسرح، ناهيك عن المسرحيات العالمية التي يمكن أيضًا أن تجد طريقها إلى عقول وقلوب المتفرجين اليمنيين، مثل مسرحيات موليير وشكسبير وإبسن وتشيخوف وجورج برناردشو وبريخت»، ويلفت الأهدل إلى أن مشكلة المسرح في اليمن تكمن في توجس السلطات من المسرح وتأثيره في الجماهير.

عروض منتظمة ومستمرة

يُعدّ المسرح مرآة للمجتمع ونافذة لمعالجة قضاياه الاجتماعية والتعريف بثقافات الشعوب أيضًا، وإبراز ما تزخر به من قيم ومعارف، وغياب المسرح اليمني لا يترك فراغًا فنيًّا وحسب، بل يخلق هوّة بين الإنسان اليمني والتجارب الإنسانية والحضارية التي تقدمها خشبة المسرح، ويمنع التواصل الإنساني الخلاق بين اليمن والعالم.

يقول الفنان طارق السفياني، لـ”اليمني الأميركي”، إن وجود مسرح منتظم ودائم سيُعزز من الوعي الثقافي والمعرفي بشكل عام، كما سيسمح بالتواصل بين الجمهور والفنانين لإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية والهموم التي يعيشها المواطن في حياته اليومية، حدّ تعبيره.

ويلفت السفياني إلى أن وجود عروض منتظمة سيتيح فرصًا للفنانين والموهوبين للظهور وتحسين أوضاعهم وتعزيز العلاقة الحميمية بينهم والجمهور، وبالذات أن فرص ظهور الفنان في اليمن، كما يقول، تقتصر على العروض الدرامية الرمضانية أو الحفلات المناسباتية كحفلات التخرج، على سبيل المثال.

الحرية.. أولاً

وجود خشبة مسرح وعروض منتظمة ليست كفيلة بإنعاش المسرح اليمني؛ إذ قبل ذلك «يجب أن تكون هناك مساحة حرية عالية لكي يتنفس المسرح، فالمسرح يعيش في الحرية كما يعيش السمك في الماء، وهو ترمومتر يقيس درجة الحرية في أيّ بلد، وإذا لاحظت فإنّ البلدان ذات الأنظمة الاستبدادية يموت فيها المسرح، ولا يحضر فيها إلا في المناسبات الرسمية التي تؤكد وفاته»، حسب الكاتب وجدي الأهدل.

لكن في ظل ظروف الحرب في اليمن، والتي شارفت على العام الثامن، يمكن أن يسهم وجود مسرح منتظم في ترميم ما خلفته الحرب من جراح؛ إذ يمثل متنفسًا للهروب من واقع الحرب وأزماتها ومآسيها.. تقول نهى الخزان، التي صادفتها “اليمني الأميركي” برفقة طفلتها أثناء أحد العروض المسرحية لمسرح (أ ل م)، إن «الشعب اليمني محتاج للبهجة والتسلية في زمن الحرب.. أنا مثلاً حضرتُ هذا العرض المسرحي لتجاوز ضغوطات العمل والهموم الملازمة لحياتنا».

صفوة القول

يُجمع المهتمون بالمسرح اليمني أن الولادة الحقيقية للمسرح في بلادهم بعد السبات الطويل تحتاج لوعي صانع القرار بأهمية الفنون في صناعة النهضة، وبالتالي إعطاء الفنون، وفي مقدمتها المسرح، إمكانات استمرار العروض بحرّية، والتي من شأنها أن تتيح للمسرح الإسهام في تشكيل وعي حضاري يتجاوز معه المجتمع ثقافة العنف إلى تكريس ثقافة التسامح والتعايش والقبول بالآخر… ومثل هذه الثقافة هي التي ستصنع السلام المنشود، وقبل ذلك ستنعكس في مؤشرات تنموية مرتفعة في مختلف مجالات العمل والإنتاج.

   
 
Advertisements

تعليقات