Accessibility links

Advertisements

هامترامك – “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري:
لم يكن الطفل (عبدالكريم) يعلم عندما غادر قريته في ريف محافظة إب/ وسط اليمن، ولحق بوالده في الولايات المتحدة عام 1977، أنه سيكون ذا شأن في المستقبل، وسيدخل التاريخ كأحد أبرز المؤثرين في مسار الجالية اليمنية في ولاية ميشيغان.

لقد استطاع ذلك الطفل أن يتكيف بسرعة مع البيئة الجديدة، ويلتحق بالتعليم بتشجيع من أبيه، مواصلاً دراسته حتى تخرّج في الجامعة طبيبًا.

وعلى الرغم من النجاح الذي حققه هذا الطبيب كمتخصص في العظام، إلا أنه لم يتخلَّ عن مجتمعه وجاليته، وأخذ يتطوع بجانب عمله كطبيب… حتى حانت الفرصة، وقرر خوض الانتخابات، وكان أول أبناء الجالية اليمنية بولاية ميشيغان مشاركةً في العمل السياسي، بل هو أول أميركي من أصول يمنية خاض انتخابات محلية وفاز بها، بل استطاع خلال تجربته في الخدمة العامة أن يسهم في تحقيق تغيير في واقع مدينته وجاليته إلى الأفضل.

استطاع عبدالكريم الغزالي (1958 – 2015) أن يقدم أنموذجًا للمهاجر الناجح والفاعل والمؤثر، فتسلح بوعي مكّنه من التماهي في خدمة مدينته وجاليته عبر العملين الرسمي والتطوعي بمستوياته المختلفة، لدرجة استطاع خلال عمله عضوًا في مجلس المدينة تحقيق إنجازات حقيقية ما زالت ماثلة وشاهدة على مآثره الإيجابية.

على صعيد عمله كطبيب عظام متخصص بالعمود الفقري، كان ماهرًا ومحبًّا لمهنته، متعاونًا مع مرضاه، متعاملاً بمستويات تنمّ عن رؤية إنسانية رفيعة امتلكها هذا الطبيب.. بل كان مساهمًا تطوعيًّا في كثير من الأعمال الخيرية لصالح أبناء الجالية وغيرها من الجاليات، وكان يحظى باحترام وتقدير اجتماعيين لافتين.

ومن أبرز الأمثلة البسيطة على ذلك أنه كان يعمل بجانب عيادته متطوعًا في مدرسة، بالإضافة إلى المسجد.

قبل عبدالكريم الغزالي، يمكن القول إن الجالية اليمنية في ولاية ميشيغان وغيرها من الولايات كانت ما زالت خارج إطار العمل السياسي والترشح الانتخابي، وبالتالي يعود لهذا الشاب الفضل في كونه أول من طرق هذا الباب بشجاعة ووعي منقطع النظير؛ إذ بادر منذ وقت مبكر بالترشح للانتخابات، وعلى الرغم من خسارته في التجربة الأولى، إلا أنه خاض التجربة مرة ثانية حتى نال الفوز، بل كانت له تجارب مختلفة في مستويات انتخابية مختلفة، نقرأ من خلالها مدى تطلع هذا الشاب لإحداث تغيير أكبر في واقع جاليته ومهجره الأميركي في رسالة لأبناء جاليته، يؤكد فيها أهمية مشاركتهم السياسية الإيجابية الفاعلة في البلد الذي منحهم جنسيته، وفتح أمامهم الفرص.

منذ قدومه من اليمن إلى الولايات المتحدة عام 1977، وكان حينها طفلاً في سن الثانية عشرة، حظي (عبدالكريم) باهتمام ورعاية والده، الذي أولى التعليم اهتمامًا كبيرًا، فألحق ابنه بالمدرسة؛ إيمانًا منه بأن التعليم هو الطريق الوحيد للنجاح.

في هذه الجو من التشجيع والاهتمام واصل عبدالكريم تعليمه، حتى تخرج في جامعة Life university (Georgia) عام 1993م في تخصص طب العظام chiropractor.

إيمانه بالمجتمع، جعل علاقته بالطب ممهورة بتعاطف كبير مع الناس، وقناعة بأهمية مساعدة المحتاج منهم، ولذا كان مبادرًا في مساعدة المرضى ممن ليس لديهم تأمين صحي، علاوة على التزامه بأعمال تطوعية اجتماعية وتربوية، وغيرها بجانب عمله الطبي.

انطلاقًا من وعيه المؤمن بخدمة الآخرين، ورغبة منه في أن تقطع الجالية اليمنية خطوة إلى الأمام، بما يكرس حضورها ومشاركتها العامة، كان قرار مشاركته في العمل السياسي، فترشح لمجلس بلدية هامترامك أربع مرات، وفاز مرتين، وخسر مرتين، كما ترشح لمنصب عمدة المدينة مرتين وخسر، علاوة على ترشحه لعضوية المجلس التشريعي للولاية عام 2010 وخسر.. في دلالة على مدى الإصرار والطموح في توسيع نطاق عمله السياسي.

خاض عبدالكريم الانتخابات لأول مرة منافسًا على عضوية مجلس مدينة هامترامك عام 2001، ليكون بذلك أول أميركي من أصول يمنية يخوض الانتخابات في مهجره، ولسوء الحظ وقعت أحداث 11/ 9 فانقلب الوضع تمامًا، وكانت خسارته في الانتخابات، ليعود مشاركًا في انتخابات 2005م، وكللت مشاركته بالفوز، ليدخل كأول أميركي يمني مجلس المدينة.

كما شارك في دورة انتخابية لاحقة واستطاع أن يعود مجددًا لعضوية المجلس.

خلال تجربته في مجلس مدينة هامترامك استطاع عبدالكريم الغزالي أن يحقق إنجازات كبيرة لصالح المدينة والجالية، منها متابعة سن قانون يسمح بتأدية ورفع “الأذان” للصلاة عبر مكبرات الصوت في مساجد المدينة عام 2004م، وهو القانون الذي أثار ضجة إعلامية على مستوى الولايات المتحدة.

كما أسهم في افتتاح ثلاثة مساجد داخل المدينة، وأسهم في تغيير قوانين كانت تمنع افتتاح مسجد على الشارع… وقوانين أخرى غيّرت من وضع المدينة والجالية للأفضل.

كما عمل جاهدًا من أجل إصدار قانون يحترم الأقليات، وخاصة الجالية العربية والإسلامية واليمنية، وهو القانون الذي منع الشرطة والمسؤولين من استجواب الناس في حال ارتكابهم المخالفات المرورية، وسؤالهم حول: الجنسية والكرين كارد، وأصبحت بذلك مدينة هامترامك في ولاية ميشيغان رابع مدينة أميركية تقوم بسنّ هذا القانون، وفق وسائل إعلامية محلية.

عاش الدكتور الغزالي في مدينة هامترامك لقرابة ثلاثة عقود، وبرز فاعلاً ومؤثرًا في العمل العام، ليس باعتباره أحد أعيان الجالية اليمنية، بل أحد أعيان المدينة؛ إذ كان يحظى باحترام مختلف جالياتها، فخلال عمله السياسي خدم الغزالي عديدًا من المنظمات والهيئات العربية الأميركية وغيرها، وكان له نشاطات مميزة في تقريب وجهات النظر بين جميع سكان المدينة الذي تنتمي إلى أكثر من عشرين بلدًا من دول العالم.

خلاله عمله بمجلس المدينة، كان عبدالكريم لا يتقاضى إلا مبلغًا زهيدًا، وكما قال إنه جاء من أجل العمل، وليس من أجل المنصب والمال.

وقال في أحد أحاديثه الإعلامية: نحن اكتسبنا ثقة المواطن في المدينة بعد أن حققنا إنجازًا كبيرًا، وهو احترام الأقليات، خاصة العربية والمسلمة، حيث أصدرنا قرارات من المجلس البلدي يمنع الشرطة من توقيف واستجواب المواطن في المدينة بناء على أن مظهره الخارجي يوحي بأنه عربي أو مسلم، كل ذلك عزز الثقة بيننا وبين الناخب في المدينة.

من نافل القول إن الغزالي دخل بمدينة هامترامك التاريخ من خلال إسهامات كثيرة، ليس أولها أنه أول أميركي من أصول يمنية خاض انتخابات محلية أميركية، وكانت هذه البداية من حظ هذه المدينة، بل أيضًا من كونه سجّل مبادرات تُحسب له، وتَمثّل ذلك في خصوصية بناء المساجد، ورفع الآذان بمكبرات الصوت، وإصدار قرار جريء يمنع الشرطة من توقيف الأشخاص من أبناء الجالية العربية والإسلامية للاشتباه بمظاهرهم الخارجية… وكانت هذه المدينة من المدن السباقة في إصدار هذه القوانين والقرارات الجريئة.

في مختلف المناصب التي شغلها في المدينة، بما فيها عمله في العلاقات العامة، ولجنة التخطيط والإنشاء، وانتخابه أحد مديري الغرفة التجارية للمدينة، وغيرها من المناصب، كان عبدالكريم مثالًا في الالتزام والتماهي مع الخدمة العامة، متعاملًا بتواضع وإخلاص مع جميع أبناء المدينة؛ ما جعله محل احترام وتقدير جميع أبنائها.

خلال السنوات التي أعقبت أحداث 11/ 9 عمل عبدالكريم بتفانٍ من أجل تخفيف المضايقات، التي كان يتعرض لها أبناء الجالية العربية والإسلامية، والتقى في سبيل ذلك بمسؤولين في الولاية، وغيرهم… وهي الجهود التي أسهمت إيجابيًّا في تخفيف معاناة الجالية العربية والإسلامية.

كما كان لعبدالكريم إسهامات في مناصرة القضايا العربية والإسلامية القومية كقضية فلسطين، والتقى في فترات مختلفة بقيادات أميركية أوصل خلالها صوت الجالية العربية والإسلامية في أميركا المناصر لمعاناة الشعب الفلسطيني.

كل ذلك في سياق همّه الأكبر، وهو معاناة الجالية العربية في أميركا، وحرصه على أهمية مشاركتها في العمل السياسي، وهو ما سبق وأكد عليه  في أكثر من حديث إعلامي، منوهًا بأهمية مشاركة الجالية اليمنية والعربية في العمل السياسي؛ «من أجل أن يكون لنا حضور في صُنع القرار على مستوى المدينة، وعلى مستوى الولاية والدولة الفيدرالية».

بعد صراع مع المرض خسرت الجالية اليمنية والعربية والإسلامية في ولاية ميشيغان، في 12 فبراير/ شباط عام 2015، الدكتور عبدالكريم الغزالي، وهو الرحيل الذي خلّف فراغًا كبيرًا، لكن الراحل كان قد سجّل حضورًا في تاريخ المدينة سيبقى من خلاله حيًّا في ذاكرتها كأحد أبنائها المخلصين.. ووفاءً له أطلقت المدينة اسمه على أحد شوارعها.

اليوم نلمس ثمار ما حققه الغزالي سياسيًّا في قيادة المدينة، إذ مهد الطريق أمام من جاءوا بعده، وهو ما تلمسه المدينة، حاليًّا، في ما أفرزته الانتخابات الأخيرة، حيث فاز بمقعد العمدة أميركي من أصول يمنية، وهو الطبيب أمير غالب، بالإضافة إلى ثلاثة أعضاء في مجلس المدينة ينتمون للجالية اليمنية.

لأسرة عبدالكريم اليمنية حكاية مع الهجرة، فجده هاجر إلى الحبشة، ومنها إلى فرنسا، وهناك التحق بالجيش الأميركي، ومن هناك انتقل إلى الولايات المتحدة، وتزوج امرأة يمنية، أصلها من يافع، ومن ثم أدخل أبناءه إلى الولايات المتحدة، بما فيهم والد عبدالكريم.

عندما وصل عبدالكريم إلى الولايات المتحدة كانت الأيام الأولى صعبة عليه، وتدريجيًّا بدأ يتحدث اللغة الإنكليزية متكيفًا مع أوضاع البلد الجديد، وكانت البداية بتشجيع من والده هو إلحاقه بالتعليم.

كان عبدالكريم قوي الشكيمة، فاستطاع بسرعة تجاوز صعوبات البداية حتى أصبح جزءًا من البيئة الجديدة، التي حقق فيها ذاته دون أنْ يتخلى عن ثقافته وتقاليده الأصيلة كمعظم اليمنيين في الولايات المتحدة في علاقتهم بثقافتهم ودينهم ولغتهم واحترامهم للوطن الجديد الذي احتضنهم ومنحهم الحياة اللائقة.

عمل والد عبدالكريم في مصنع سيارات حتى تقاعد، وكانت رغبته ألّا يتعب أبناؤه كتعبه هو، وبالتالي كان حريصًا على أن يلحق عبدالكريم بالتعليم.

الوطن

بعد أن تخرّج طبيبًا وخاض غمار العمل العام والسياسي لم ينسَ الراحل عبدالكريم الغزالي وطنه الأصلي، بل كان يذكره بمحبة كبيرة، وكان يحلم أن يعود لليمن ليتمكن من إنشاء مستشفى كبير، بمعدات كاملة، ويستطيع من خلاله تقديم الخدمات للفقراء انطلاقًا من إيمانه بأهمية أن يمتلك الطبيب قناعة بمساعدة الناس.

تقع مدينة هامترامك في ولاية ميشيغان الأميركية، وهي مدينة صغيرة تحاد وتتداخل مع المدينة الشهيرة “ديترويت”، أكبر مدن ولاية ميشيغان، ويعيش فيها نحو أربعة آلاف يمني بنسبة تصل إلى 22% من سكان المدينة البالغ عددهم حوالي 22 ألف نسمة، والمعروفة بتنوعها الثقافي.

   
 
Advertisements

تعليقات