Accessibility links

ميمونة عبدالله غالب*

*النص الفائز بالمركز الأول لجائزة الربادي للقصة القصيرة (الدورة الأولى 2021(

Advertisements

أفتحُ عينيّ، لا يمكنني التحرك، عالقة في مستطيل، النجدة، لا يمكنني التنفس…

أفتحُ عينيَّ مجددًا، امرأة جميلة على عرش سبأ، على يمينها رجل ضخم، تشير إليه نحو صحنٍ ذهبي عليه كتاب وريشة.. ينظران إليّ، يبتسمان، تشير إليّ، أتجهُ نحوها ، تأخذ كأسًا، تسكبُ بيديَّ منه ضوءًا سائلاً، يقدَّمُ الرجل لي الصحن، أحملقُ بذهول واستغراب، يهمسُ الرجل في أذنيَّ: “أنا إسماعيل بن الأفضل..”، يختفي الجميع، يبقى الظل، يتحرك نحوي كبرق، يختفي أيضًا… استيقظتُ للتو، لا أرغبُ بفعل أيّ شيء، سوى التفكير، لكن التفكير وحده لا يقودُ لفكرة، أحكُّ رأسي بإصبعين وعلى قدم ديكٍ واحدة، أنهضُ مرغَمةً، أفتحُ النافذة المُطلّة على حتمية العدم وشجرة سدر يابسة، رائحة مطر!، الصباحات النوفمبرية!، هذه هي الحياة، الطبيعة الأم، التراب، الماء، الهواء، الأصل.. الآن أرغبُ بالخروج، أتجهزُ بعجلة، أسابقُ الشمس، إنها السابعة.

في نوفمبر، تتململُ الشمس أكثر مني، وهو أمر يسُرّني جدًّا.. أنطلقُ نحو الكُلية، تتصل بي أشجان، إنه اليوم المنشود، سأزورُ الأشرفية هذا المساء؛ أودُّ أنْ أبصر النور!، أنهي المكالمة وأنا أُعلِمُها أنني لم أنسَ.. أبتسمُ ببهجة، أبلغُ وجهتي، ألتفتُ للمتحف بخدوش الحرب على وجهه ، تراث حقيقي، حتى على المستوى الخارجي!، أهرول نحو القاعة، أمرُّ بالحارس، يبتسم.. أبتسم بدوري، أصلُ للقاعة قبل المحاضِر بساعة كالعادة، فمجتمعنا قدوة في الالتزام!، تنتهي المحاضرة، الثانية مساء، عليّ الوصول للمنزل بغضون ثلاثين دقيقة، أستقلُّ الباص، نمرُّ بالمركزي بزحمتهِ المقيتة، وضوضائهِ، نعلقُ هنالكَ حوالى عشر دقائق، لنعلَق في زحمة الجولة مجددًا ما يقاربُ ثلث الساعة، أصلُ إلى المنزل عند الثالثة إلا ربع.. أغسلُ وجهي، أغيّر ملابسي.. أنطلقُ مجددًا.. في تمام الثالثة تتصلُ بي أشجان.. يا إلهي كم أنتِ دقيقة يا أشجان!! “أعلّق باندهاش منزعج”.
أين أنتِ يا عزيزتي؟، الذين لا يحترمون مواعيدهم لا يستحقون الاحترام، وعليك ألا تكوني منهم”.
أقهقه وأقفل الهاتف: “خلفكِ مباشرة يا جدة!” – “تعجبينني”، تقول وهي تقبّلني.
أحتضنها وأقول: “دقيقة واحدة لا تُقلل من الاحترام أليس كذلك؟”، وأغمز.

“لأنك لم تكبري بعد.. لا تُقلل”، أبتسم، تسألني: “سيرًا أو حافلة؟”. أومئ بالنفي، أمسك يدها الكبيرة بكلتا يديَّ، أسير، تبتسم: “ليكن إذًا”.. نمشي.. نتوقف أمام جدار يشبه الحصن، عتيق وكبير جدًا، مفتوح منتصفه على شكل باب، عُلِّقت فوقه لوحة صغيرة تتناقض مع حجمه “باب موسى”.
– “هذا هو”، أقول في شرود”.
– نعم، سندخلُ الآن من باب موسى، سنتجهُ للمظفر، فالأشرفية، ثم نخرجُ من الباب الكبير.
– “وهكذا نكون قد زرنا المدينة القديمة كاملة؟”، أسألها بشغف.
– “إلى حدٍّ ما، جيد؟”.
– “جدًّا”.
عندما دخلت أفلتُّ يديْها، إلى يمين المدخل محل أحذية.. بدا المنظر مؤذيًا جدًّا، أليس من المنطقي أنْ يكون المدخل محفوفًا بما يزيد من عراقة المكان؟.. “يا للعشوائية!” همستُ لنفسي بعد أن أشار لي صاحب المحل بالدخول.. حدقتُ فيه باستحقار، استغربَ، شدتني يدها “هيا!”، فأكملتُ السير.

يسارًا ، تشكلتْ سلالم من الحجارة للأعلى نحو ما وصفته أشجان بقسم شرطة باب موسى ليمتد بعده تسلسل من البنايات القديمة.. بقيتُ محدقة طويلًا.. شدتني الأحجار القديمة المستخدمة للبناء، وتلاصقُ المنازل على امتداد الشارع.. اتّسمَ الحي بالقِدم والحداثة؛ مما أعطاه رونقًا جميلاً يمنحك انبهارًا بعراقة الماضي، واندهاشًا بالحداثة المضافة إليه كالنوافذ المستحدثة للمباني الجدقديمة، تابعنا السير، وصلنا (المظفر)، لم ندخله، حدقتُ فيه من بعيد، عرضت عليّ الدخول، رفضت، “بصراحة لستُ مهتمة بشيءٍ الآن” – قلت لها – “للأشرفية فقط.. لا وقت..
“ألن تخبريني ما السر؟، لماذا هذا الشغف بالأشرفية؟”
“شاهدتُ حلمًا.. هلا استعجلتِ قليلًا!”

لاحظَتْ أنني لا أرغب بالحديث فصمتتْ تمامًا وسِرنا متباعدتين قليلاً.. بعد قليل، سألتها عن قُبَّة قريبة، قالت إنها لا تعرفُ اسمها، كنتُ قد لمحت ما شعرتُ بأنه الأشرفية مخبأ خلف منازل صغيرة، وبدتْ القبة متصلة به بطريقةٍ ما، رفضتُ عرضها بسؤال أحدهم والاستئذان لدخولها، وتابعتُ محدقة صوب القاهرة التي تجلتْ من أعلى الجبل كأنها في مهمة حراسة!
وقفت على بعد بضعة أمتار من المسجد تراقبني القاهرة من أعلى.. بدت لوحة مذهلة، كما لو أنك تشاهد جدارية مرسومة للأشرفية ومن فوقها القاهرة كأمّ وابنتها.. شعرتُ برابط خفي بينهما، عندما وصلتُ البوابة انتابني شعور قلق ودهشة، لمستُ الباب براحة يدي، لوهلة شعرتُ بأنني عدتُ مئات السنين للوراء، سمعتُ أصوات البناء، ورأيتُ الملك الرسولي من على موكبه وهو يوصي المزخرِف بكتابة النقوش دونما خطأ.. دخلتُ وهي من خلفي.. عدَّة أبواب اصطفّت خلف البوابة مباشرة على خط أفقي مستقيم جميعها – كما بدا لي – تُدخلُكَ إلى المسجد، لكنها مغلقة عدا واحد، اتجهتُ إليه، رغبتُ بالدخول ولم أفعل، بقيتُ أحدق فيه من عتبته، الزخارف، الأعمدة، القباب، كلاسيكي جدًّا لكنه مظلم لدرجة مخيفة.
– “هل ندخل؟”، سألتني.
– “لا.. لا أجد النور هنا، لنذهب..
“تابعنا استكشاف المكان، بدا قويًّا وغير قابل للهدم.. منبران عملاقان جدًّا يحاولان أنْ يوازيا القاهرة، أبواب كثيرة مغلقة.

شاهدتُ نوافذ صغيرة في مكانٍ منخفض جدًّا لم أحزر إلى أين تؤدي، التففت حولها فرأيتُ مدخلًا مرتفعًا قليلًا، حاولتُ دخوله، لكن أرضيته رثة، كدتُ أقع، حمّام صغير معدّ بطريقة غريبة، بجواره الكثير من الحمامات المماثلة، لمحت النوافذ الصغيرة أسفل أحد الحمامات، لم أعرف ما غرضها، استغربتُ وأكملتُ السير.
“يبدو أنّ المكان قيد التجديد”.. علّقت إذ شاهدتُ الكثير من أدوات البناء في باحة خلفية للمسجد.. ابتعدتُ عنها قليلًا.. شاهدتُ الكثير من الأبواب المغلقة، حاولتُ فتحها عبثًا.. لمحتُ ظلًّا ما، تبعته، دلفَ إلى أحد الأبواب.. نظرتُ خلفي لم أجد أحدًا.. اتجهتُ صوب الباب، مغلق بإحكام تمامًا كسابقيه.. شعرتُ بالخوف؛ “هذا ما جئت لأجله”، قلتُ في سري.. طرقتُ الباب، في طرفة عين، أصبحتُ في الداخل في أقلّ من الثانية.. الظلام حالِك، تيبستُ في بقعتي.. “هل من أحد هنا؟”، همست.
سمعتُ خطوات متّزنة في زاويةٍ ما، صوت شيء حديدي يتم سحبه عنوةً، سلاسل صدِئة تتحرك، دوّى صوت ارتطام أحالني بخارًا لشدة الخوف، صمتٌ أُبدي، ارتبكت.. بحثتُ عن هاتفي في جيبي، وجهتُهُ عشوائيًّا، جهة الصوت، لم أجد أحدًا، رأيتُ بابًا أحمر اللون معلقًا في منتصف الجدار.. اتجهتُ صوب الباب، أشرتُ بهاتفي نحو الداخل، محض سلالم.. ألتفتُ بنظري صوب الباب الذي دخلتُ منه، لا مجال للعودة.. تحسستُ الباب الأحمر الممتد أفقيًّا، بدا قويًّا كفايةً ليحملني، صعدتُ عليه، نزلت السلالم.

أضأتُ فلاش الهاتف، شُيِّدَ المكان بطريقة مختلفة لا يشبه بناء المسجد، طوب أحمر مُنقَّش، عتيق لكنه صلب، يبدو أنّ أحدًا لم يدخله منذُ دهور، نزلتُ ما يقارب ثلاثين سلّمًا حتى توقفتُ عند زقاق طويل معتم، تلفّتُّ بهاتفي، رأيت فانوسًا على حافة الدرجة الأخيرة، تفحصتُ مخزونه، تمعنتُ في الأرجاء، وعلى طوبة نتَأتْ عن الجدار – على يساري – رأيتُ علبة ثقاب كبيرة، استخدمتُها لإشعاله، رأيتُ ذلك الظل مجددًا، في نهاية الممر، اتجَهَ يمينًا، ركضتُ خلفه، لم يعُد هنا، نظرتُ يمينًا، فإذا بالعديد

من السلالم هنا أيضًا، نزلتُ، ومثل سابقاتها فإنّ المكان هنا محض سلالم محاطة بجدارَين بحيث لا يمكنك معرفة ما بالأسفل، بدتْ سلسلة السلالم أبدية.. فكرتُ… ستقلق أشجان عليّ، يا إلهي! تضاعف العدد ثلاثًا هذه المرة، نزلتُ عشرًا أخرى حتى وجدتُني أمام بابَين خشبيين متقابلين، أحدهما بنّي مزخرفٌ بنقوش سوداء، والآخر أحمر غامق مزخرف بحروف واضحة، تلفّتُّ، لم أجد الظل ولم أعرف أيّ البابين هو المنشود، جلستُ على الدرجة الأخيرة، فكرتُ في الحلم، لم يكن هنالك ما يدل على وجود طريقين في الحلم، هل أخطأت التفسير؟.. يا إلهي! أصبح المكان باردًا وشاحبًا فجأةً، وقفتُ في المنتصف بين البابين، مددتُ ساعديّ، وضعتُ يديّ عليهما، أغمضتُ عينيّ، وقررتُ اتباع حدسي واختيار الباب على يساري، طرقته ثلاثًا، لم يفتح، ولم أنتقل كما حدث في الأعلى، انتظرتُ، عاودتُ الكرّة دون جدوى، يا إلهي! ماذا أفعل الآن؟!، صرخت: “هل من أحد هنا؟، أين أنت؟”.. صرختُ بصوتٍ أعلى محرقة بالفانوس.
– “هل تعرفين لِمَ أنتِ هنا؟”، صوتٌ غليظٌ ودافئ من خلفي، توجستُ خِيفةً، ثم تداركتُ لأبدو شجاعة “لا.. هلّا أخبرتني؟، أراهن

أنك تعرف!”.

– “هههههه كيف ستفتحينه؟”
– ” لا أعرف، خلْتني سأنتقلُ آنيًّا”.
– “لتدلفي للداخل عليك معرفة سبب وجودك هنا أولًا”.
– “بسبب الحلم”.”.. ولأنني فضولية”، قلت لنفسي.
– “هذا صحيح، عليكِ أنْ تستخدمي الدلائل في الحلم لتتمكني من الدخول”.

– “الدلائل؟.. همممم.. أتذكر ضوءًا في يديّ، ولعله الفانوس، ريشة على رأسي، ولعلها تولّعي بالبحث عن الحقيقة، كتاب، وعرش مأرب!”.. ألتفتُ ولم يعد الظلّ موجودًا، وجهتُ الفانوس صوب الباب، حدقتُ فيه، المربع الكبير الذي يضمّ حروفًا عربية، تحسستُها فوجدتُها متحركة، حتمًا هي كلمة مرور، الكتاب هو السر، عنوانه… “ظل الأشرفية!”، رتبت الحروف بهذا الترتيب، تحرّك الباب، قفزتُ فرِحة، وجدتني أمام غرفة بديعة مضاءة ومرتبة، مُصلَّى باليمين، نافذة عليها جرة، مجلدات كثيرة رُصّت في المنتصف، فكرتُ في أنها قد تتضمنُ التاريخ الحقيقي للمدينة، على اليسار متكأٌ مفروشٌ بصوفٍ ناعم، بطريقة مرتبة جدًّا، وعلى طاولة خشبية صغيرة وُضِع كتاب بعنوان “كنوز الدولة الرسولية”، جلستُ على المتكأ، وضعت الفانوس على الطاولة، وأمسكتُ بالكتاب، وشرعتُ أقرأ.
فتحتُ عينيّ، صداع شديد!، دخان كثيف، ورائحة مزعجة، استشعرتُ حركة، أشرتُ بيدي فاقترَب، إنها فتاة، يا لملامحها

الغريبة!.. لماذا تبتسم لي؟، قشعرت، “أين أنا؟”.
– “في منزل الشيخ، للعلاج”
-” الشيخ؟.. العلاج؟”
– “سأذهبُ لمناداة الشيخ.. ووالديك.. اطمئني، أصبحتِ بأمان”.. قالت هذا وابتسمت بضبابية، ثم تلاشتْ في الدخان الكثيف، لم أتمكن من التنفس أو الرؤية، كان صوت قفل الباب آخر ما سمعت.
في المرة الثانية عندما فتحتُ عينيّ كان أبي يمسكُ بيديّ بفرحة، “أين أنا؟”، رجل غريب عند رأسي، والفتاة وراؤه.. حتمًا هو الشيخ، ليس مطَمئنًا، يبدو كمن خرج لتوّه من قبر!، جثة مناضلة!
– “لا تقلقي يا صغيرتي أنتِ بخير الآن”، قال أبي مقبّلًا يديّ.
– “ما الذي حدث؟.. أين أنا؟.. أشجان!”.
يتبادلُ الجميع النظرات، يقول لي أبي: “مَن أشجان؟”
– “صديقتي التي ذهبت معي للأشرفية !!!”.
-” الأشرفية؟!”، قال أبي بذهول.
– “هل تذكرين كيف وصلتِ للقبة يا ابنتي؟”، سألني الرجل.

كنتُ في الأشرفية برفقة أشجان، ابتعدتُ عنها قليلًا، رأيتُ ظلاً، تبعتُه نحو سرداب في المسجد حتى وصلتُ لغرفة، حيث وجدتُ مكتبة الأشرف الثاني، ومُصلّاه، أتذكرُ أنني غفوتُ وأنا أقرأ خارطة قديمة”.
– “اسمعي يا ابنتي.. لم تذهبي للأشرفية، وقد تأكد والدك من ذلك، عثرنا عليك في القبة، لقد تعرضتِ لتلبُّس شيطاني”، و…حملقت.
– “أنتِ مصابة بغيبوبة منذ أسبوع”، تحدثَ أبي وهو يكبحُ دمعة في عينيه.
حملقتُ بصدمة – “الظل؟”، همست.
– “قرينك”، أجاب الشيخ.

  • 264
    Shares
Advertisements

تعليقات