Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*
غلّبت مصلحة ضمار الهدف الاستراتيجي على كل شيء، وواصلت تمارين “يغلق ما نقص” مع راعي الشباب والرياضة، ووقفت في الميدان أمام جول معكوم بـ 36.000 دولار ضمار مباراتيّ بيروت، واشتيه يباصيني بها من خارج ضمار مكافأة المجلس المحلي المخبايه عنده.

وانت لو كنت مؤمن بشخص ما ومخلص في التمارين وتركض في الميدان وراء هدف نبيل يشجعه النبلاء بكل تأكيد.. هل ستتوقعه راعي يتخلى؟

بالنسبة لي ظننت أن النبلاء لا يتخلون، ولكن راعي الشباب تخلى وباصاني بضمار مباراتي بيروت مشروطًا بنسيان مكافأة المجلس المحلي وعدم المطالبة بها!

هكذا أبلغني عبر مدير مكتبه، وكانت مباصاته الأخيرة صفعة قوية أربكتني في الميدان، ولخبطت تصوراتي عن الضمار الأخلاقي، وتركت في قلبي إصابة بليغة.

تقبلتها منه بروح رياضية، ووافقت في الحال على الشرط الجائر الذي طعفر بأهم مبلغ مضمون وفي متناول اليد من ضمار الهدف الاستراتيجي الكبير، واطفأ صوت الأفراح في صالة الأحلام وتركني واقف في الميدان أمام جول بداخله التزامات متراكمة من الشهرين الفائتين + نفقات مباراتي بيروت.. وانت لو كنت مكاني كيف ستتصرف؟

بالنسبة لي قلت مش معقول ولا مقبول ولا منطقي أطيّح الضمار كله  للمخارجة من حنبة مباراتين دوليتين لم يعد  للأهلي أيّ حظ فيهن من بعد الأربع الهزائم المتلاحقة التي مُني بها الفريق.

وكان علي بدرجة أساسية، قبل كل شيء، أن أخارج الأهلي من الالتزام الدولي لنادي الأنصار اللبناني بمبلغ 20 ألف دولار، لتتبقى أمامي في الجول من بعد ذلك التزامات الرواتب والمستحقات المتراكمة بمبلغ 2 مليون ريال، يعني 10.000 دولار تخارجت منها بالاعتماد على حصة ضمار المباراة الثانية.

وبذلك الإجراء التقشفي الصارم تبقت ستة آلاف دولار اعتمدناها في الإدارة بدل سفر للفريق طيلة مدة بقائهم في بيروت لمدة 14 يومًا، ومش هنا المشكلة المؤرقة طبعًا.

المشكلة في أن بعثة الأهلي ستحصل على إقامة فندقية لمدة أربعة فقط مدفوعة التكاليف وفق شروط الفيفا على حساب الأنصار اللبناني، سيبدأ انتقال الفريق إليها مع بدء الترتيبات للمباراة الثانية.

وبحسب تكتيكات التقشف المعتمدة في سير خطة ضمار الهدف، تبقت أمامي في الجول إقامة عشرة أيام متفرقة لبعثة الأهلي يتعين عليّ أن أتدبر أمرهن فيسع، والسفر بعد أيام، والمباراة صعبة، وتشتي لها تمارين مضاعفة وسريعة للعثور على مباصيين دوليين للمخارجة من حنبة الضمار، ولكن كيف؟

بالاعتماد على تمارين “يغلق ما نقص” عثرت على مباصي من الزملاء رؤساء الأندية المحلية، باصاني بحجز فندقي لأول أربعة أيام من لحظة وصول الفريق إلى بيروت، تنتهي بعد أول مباراة بيوم واحد.

وتبقت أمامي في الجول من بعد ذلك إقامة الست الأيام الفاصلة بين المباراة الأولى والثانية، أجّلت حسمهن إلى وقت لاحق، وانا مراهن على حسابات الفوز المضمون على الأنصار اللبناني أضعف فرق المجموعة.

وما أخس لما تروح تشوف لفريقك مباراة حساباتها لديك مختلفة، وتبحث منها عن فوز يسهل عليك مهمة المخارجة الطارئة من حنبة الأيام الست العاكمة على روحك، وتشاهد وانت جالس في مكانك بمنصة الضيوف 5  أهداف تدخل مرماك، جول بعد آخر، بلا رحمة في مباراة نتيجتها ستحدد مصير إقامة الفريق خلال الست الأيام القادمة، وتلك حنبة كبيرة قلبت كياني في وقت كنت فيه بأشد الحاجة للفوز، وخاور أشم الانتصار شموم، من بعيد حتى.

ماهو.. ما افعل ذلحين؟، وأين اسير بروحي بعد هذه الهزيمة النكراء، وانا محمل فوق ظهري بعثة مكونة من 30 شخص، ستنتهي فترة إقامتهم بالفندق بكرة الصباح، ويشتوا إقامة ثانية لمدة ست أيام في أغلى العواصم العربية، وانا حانب في الميدان مانا داري كيف شتخارج، ولا من هو المباصي الذي يمكنني العثور عليه في بلاد الناس لمباصاتي بضمار المخارجة من أسوأ حنبة دولية تركتني مبلود أمام الجول، وانا غريب في بلاد غريبة.

واحيانا وانت حانب في الميدان، وكل الأجوال مقفلة في وجهك، ينكع لك مباصي من السماء يخارجك من حيث لا تدري ويفك ضيقك وكربك.

وذلك ما حدث يومذاك بعد الهزيمة الثقيلة.. كنت خارج من الملعب وانا مكروب وضايق ومتحمل جبل لبنان فوق ظهري من ثقل الهموم، وعثرت بين الزحام على  نائب برلماني يمني حضر لمشاهدة المباراة يومذاك، سمعته يصيح لي باسمي وشفته وارتجف قلبي يرقص من الفرح، وتشعبطت فوقه: – الموضوع كيت وكيت، خارجني لي منع ابوك.

باصاني بإقامة الأيام الست في فندق متواضع نزلت فيه مع الفريق وانا تاعب ومرهق جدًّا، ومعنوياتي صفر، وماعد لي نفس لأيّ مراهنة على الفوز. وكل الذي اشتيه من ختام المشاركة الخارجية هو الحفاظ فقط على المائة والعشرين ألف دولار المنتظرة من الفيفا كأهم وأكبر إنجاز يمكنني تحقيقه للأهلي في مسيرة ضمار الهدف الاستراتيجي.

وعلى المستوى الشخصي كرئيس تاعب منهك كان نفسي بس تنتهي فترة الإقامة المتواضعة بالفندق العادي لأنعم واستمتع في الأيام الأربع القادمة برفاهية شروط الفيفا في فندق خمسة نجوم كمكافأة نهاية برطعة مستمرة في الميدان، ولكن منو شيخلي لك حالك تستمتع، وانت هاجع وآمن من هموم ضمار الهدف !

وماهو، وكيف، وايش اللي حصل؟

انتقلنا بعد 6 أيام إلى فندق فاخر في قلب العاصمة بيروت وعادنا إلا بدأت استجم واتسخسخ واربخ واستكن وارسم بهدوء بال خطة العودة إلى البلد بروح جديدة بعد سلسلة الهزائم المحبطة للمعنويات، بينما كان إداري الفريق ذاهب إلى مكتب طيران اليمنية ليبدأ ترتيبات تأكيد الحجوزات وسفر الفريق في اليوم الثاني مباشرة بعد المباراة الأخيرة التي ستنطلق بعد أربع أيام، ورجع إلى الفندق وهو خائب يقول لي وانا مستجم:

– قالوا مافيش حجوزات سفر، واقرب رحلة بعد ثمان أيام

ايوااااه والحنبة

تحول كل شيء متاح للرفاهية في الفندق الفاخر إلى هم مفاجئ وضاغط طعفر رفاهية الفندق الفاخر من الجول وطير لي فهنة الساعتين اللي عادنا بدأت ارتاح فيهم من بين عيوني !

وماهو، ما افعل ذلحين؟ وأين اسير بروحي هذي الساع، ومن شيخارجني من ضمار أربع أيام إضافية في بيروت، سيحتاج الفريق فيها إلى إقامة وإلى وجبات يومية، وانا حانب في الميدان ومهزوم ومعنوياتي في أسفل سافلين ونفسيتي في مرحلة الإحباط النهائي، خصوصًا بعد تعرض الأهلي إلى هزيمة ثانية في آخر مباراة له في بيروت مع الأنصار اللبناني.

واحيانا وانت حانب تتلبج أمام الجول سرحة وجية، تدور أي كورة على الطاير ينكع لك مباصي من السماء ليخارجك من حيث لا تدري.

وذلك ما حدث يومذاك بينما كنا مغادرين من الفندق بعد انتهاء فترة الإقامة المدفوعة، متحملين العفش حقنا، ومش عارفين فين بنروح، ولا في أي اتجاه يفترض بنا أن نسير، وجوالي في يدي أتلفن لصاحبي النائب كآخر  المباصيين المحتملين ولا يرد عليّ.

وفجأة وانا في أسوأ حالة ضيق مش عارف ما افعل ولا أين اسير، عثرت في صالة رسيبشن الفندق بالصدفة على واحد من تجار المدينة.

شفته زيما لمّا يشوف العطشان كوز ماء بارد، ومن الفرح دمعت عيني والله وتشعبطت فوقه:

– أنا لي منع ابوك يا فلان، الموضوع كيت وكيت واشتي للفريق إقامة أربع أيام داخل هذا الفندق نفسه.

على طول باصاني وحجز ودفع الحساب لعامل الفندق ذيك الساع سبعة آلاف دولار، وسار في حال سبيله، وانا في أقصى حالة من الإنهاك الذهني والتعب وحساباتي في الميدان كلها حسابات رئيس مهزوم يقاتل في سبيل ضمار الهدف الاستراتيجي، واقول لنفسي:

– خلاص ما ذلحين وقته اتفرغ لصالة الأفراح بالاعتماد على صافي مبلغ المائة وعشرين ألف دولار المنتظرة من الفيفا.

ولكن منو شيخلي لك حالك تخطط وانت آمن وهاجع، وماهو، وكيف، وايش اللي حصل؟

* كاتب يمني ساخر

   
 
Advertisements

تعليقات