Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*
عدتُ مع الفريق من بيروت، في نهاية المشاركة الخارجية، ومرارات الهزائم الست تتغرغر في حلقي، واشتي أعوضهن بتسجيل هدف وضْع حجر الأساس لمشروع صالة الأفراح.

وسار الشهر الأول والشهر الثاني، وانا والإدارة الأهلاوية في مراسلات يومية إلى الفيفا نطالب بصرف مستحقات مشاركة الأهلي مبلغ 120 ألف دولار، وكل الردود متوهة.

الفيفا تقول إنه تم صرف المبلغ لاتحاد كرة القدم اليمني.. واتحاد كرة القدم اليمني يقول لنا إن المبلغ عادوه عند الفيفا ولم يتم الصرف.

وعليها شهرين واحنا على هذا الحال، ولا جديد في الأمر غير تعاظم مشاعر الإحساس المرير بلصوصية اتحاد كورة، بدل ما يساعد الفِرق الرياضية ويساندها كأقل واجب عليه، يزيد يسرقها عيني عينك!، وهذا أمر محبط، مثير لمشاعر السخط.

حدث ذلك بينما كان أعضاء الجمعية العمومية للأهلي في اجتماعات يومية داخل مقايل مختلفة كلهم يسألوني فيها، ويسألوا أعضاء الإدارة بكل الاجتماعات عن مصير أموال المشاركة الخارجية، ساخطين من الهزائم التي مُنِي بها الفريق، وكل شويه يجمعوا توقيعات صبيانية في كشف، ويطالبوني أنا والإدارة الأهلاوية بالرحيل فيسع من النادي وتقديم الاستقالة. دخل الشهر الرابع، واحنا وهم في نفس الدحيس اليومي:

– أين أموال النادي؟

كنت قد أصبحت في حالة قصوى من الاتهام الذهني، وشعرت بعدم قدرتي على مواصلة مهامي في رئاسة النادي، واقتنعت تمامًا بتقديم استقالتي من الأهلي، وقبل أن أتخذ القرار وأمضي فيه بلا رجعة، أعلن اتحاد كرة القدم اليمني عن انطلاق تصفيات بطولة أندية الدرجة الثانية بعد شهر واحد من الآن، وتجمّع لاعبو الفريق الأهلاوي حولي يقولوا:

– لا تسيبناش يا كابتن.

وانت لو كنت مكاني والبطولة وعودة الأهلي إلى مكانه الطبيعي في دوري الأضواء بين الكبار، أمنية كبيرة وحلم مستعجل بالنسبة إليك، هل ستتخلى عن الفريق، وتتمسك بتقديم الاستقالة هربًا من هموم ضمار الهدف؟

بالنسبة لي واصلت اللعب في الميدان، رغم كل المحبطات وكل الظروف وكل الإصابات البليغة التي هتكت اعتباري وتركت في قلبي جراح غائرة. ورسمت مع أعضاء فريق الإدارة خطة المخارجة الطارئة من حنبات ضمار الهدف بالاعتماد على طموح توقيع عقد رعاية مع إحدى شركات مجموعة راعي الشباب والرياضة، ووقفت في الميدان أمام جول في داخله 15.000 مليون ريال قيمة عقد سنوي كان راعي الشباب والرياضة يدفعها للإدارة الأهلاوية قبل سنوات ثم قطعها، وانا اشتي أرجعها من جديد، والموضوع يشتي له تمارين لتأمين ضمار سنوي للأهلي يساعده في تجاوز المحن.

كانت علاقتي براعي الشباب والرياضة حينها قد أصبحت في أسوأ حالاتها لأسباب أجهلها، ولا أجد لها تفسير واضح وكل شوية أسأل نفسي وأنا في حيرة كبيرة:

– طيب أيش عملت عشان يتوقف عن مباصاتي؟

– معقول يعني يكون مايشتينيش انجح؟ وانا محارب في ميدانه عشان ينجح؟

– معقول يكون منزعج من أن هناك نادي فقير ومتعثر يشق طريقه مجددًا إلى التعافي؟

فوضى عارمة من التساؤلات تعصف في داخل رأسي، ومع هذا كان علي التمسك بحبل المراهنة مجددًا في الميدان على ضماره الأخلاقي.

باصيته عقد الرعاية المأمول وطلبت منه أن يتكرم، ويعيد التوقيع على عقد الرعاية القديم بذات المبلغ 15 مليون ريال.

والموضوع بسيط بالنسبة للشركات التجارية وللمصانع التي تمتلكها وتسيّر نشاطها عائلته الاقتصادية والتجارية الأكثر ثراء في المدينة، ولا يتطلب منه غير توصية كريمة أو توقيع مباشر منه على العقد.

ولكنه كان قد تغير تمامًا، ولم يعد هو ذلك المحافظ الثري النبيل الذي عرفته من قبل وآمنت به ودافعت عن مرماه وعن مرمى المجموعة بكل تفانٍ وإخلاص، وفي ظني أنني واحد من الفريق، أو رئيس من الديمة، غير أن كل تقديراتي وتصوراتي كانت خاطئة !

وماهو، وكيف، وأيش اللي حصل؟

ماطلني في الميدان طيلة أسبوعين، قضيتها في ملاحقة يومية أجري وراه من زوة لزوّة، وتباصى بي من واحد لواحد في المجموعة، تنقلت بينهم مخلصًا في التمارين، وما واحد فيهم باصاني بالتوقيع على عقد الرعاية !

وقبل انطلاق تصفيات أندية الدرجة الثانية بأسبوع واحد فقط، شعر الراعي (رب الضمار) بضغطي اليومي عليه، وقرر الخلاص من تماريني المزعجة على ما يبدو، ووقّع مع أهلي تعز عقد رعاية بـ10 ملايين ريال لسنة واحدة فقط، وباصاني به في كرة صعبة ركلها من تعز القريبة منه ومن الأهلي إلى إحدى شركات المجموعة في عدن ! وعرفت أنها ستكون المباصاة الأخيرة. تقبلتها منه بروح رياضية ولحقت بالكورة اللئيمة إلى عدن، وقلبي المتعب في الميدان متأثر بإصابات ورضوض غير متوقعة الحدوث من أكثر إنسان آمنت به في الحياة.

وسجلت للأهلي هدف تأمين ضمار تصفيات بطولة أندية الدرجة الثانية وانا حزين على ما آلت إليه علاقتي الطيبة به، وعلى تصوراتي الحسنة عن الضمار الأخلاقي.

وكان عقد الرعاية، على الرغم من شحّته كافيًا في الميدان لتسهيل مهام الفريق الأهلاوي في مشوار تصفيات الدرجة الثانية، وحقق فتيان الأهلي فيها انتصارات متلاحقة ترفع المعنويات، وأفضت بهم في نهاية المطاف لأن يكونوا أول الصاعدين إلى الدرجة الأولى، وعادوا بالأهلي إلى دوري الأضواء، إلى مكانه الطبيعي بين الكبار.

وبذلك الإنجاز الخاطف والسريع تحققت غايتي الأخيرة من بقائي في رئاسة القلعة الأهلاوية الحمراء، ولكني كنت قد أصبحت في مرحلة الإرهاق النهائي، وماعد بيني طافة لأيّ تمارين قادمة، وقررت أن أنهي مشواري الكروي الصعب مع الأهلي، واتخذت قرار تقديم الاستقالة هربًا من حمولة النادي الثقيلة التي فصعت ظهري في الميدان.

كانت الأجواء السياسية في البلد ملخبطة في تلك الأيام من منتصف 2013، والكل في حالة احتقان، وتعز المتمدنة عاصمة الثقافة اليمنية، وقبلة الضمار الوطني الكبير، كانت قد أصبحت ميدانًا مفتوحًا على مصراعيه لكل الجماعات المتطرفة التي حظيت أنشطتها بالدعم الكبير في أخطر موسم لصيد الرؤوس ولإهدار طاقات الشبان في أنشطة غير مأمونة، بينما كانت البلد تسير في طريقها إلى حرب تغلي على مهل.

وانت لو كنت صحفيًّا مخلصًا لمدينتك مؤمنًا بأن ناديك الرياضي قلعة حصينة للطاقات، وتشوف شبان مجتمعك المحلي يتساقطون دفعات متلاحقة في فخ الاستقطابات الحاشدة للحرب من قِبل جماعات متطرفة تتواجد بشكل مكثف في الميدان، ولا تشاهد في المقابل أيّ تحركات لأيّ ضمار أخلاقي يقوم بدوره الوطني والإنساني في تحصين طاقات شبان المجتمع الفقير، ولا في دعم مواهبهم.. كيف ستقدم الاستقالة؟

هل ستهرب..؟

بالنسبة لي قررت أن تكون استقالتي من رئاسة أهلي تعز مباراة اعتزال على غير المألوف سألعبها في الميدان رفقة فريق معتبر من كبار نجوم السياسية ومن نجوم ورؤوس المال في مدينة الضمار، لتسجيل هدف تسليم النادي إلى أيادٍ أمينة مأمونة على طاقات الشبان، لديها ضمار أخلاقي في الميدان، ولكن كيف؟

*كاتب يمني ساخر.

   
 
Advertisements

تعليقات