Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*
في الحسبة المعتادة لضمار الهدف، فإن مباراة دِربي نهائي الكأس بين أهلي تعز وفريق نجل راعي الشباب والرياضة ستكون مواجهة مأمونة ومريحة بالنسبة لي.

 

 

لا سفر فيها، ولا تمارين ابتذال، ولا أي هموم أخرى ضاغطة في الميدان والجول قدامي في ميدان الشهداء مفروش بالورود ولكن منو شيخلي لك تراهن على حظوظ اللعب داخل الأرض وانت هاجع وآمن ومتخفف من هموم ضمار الهدف.

وماهو، وكيف، وأيش اللي حصل؟

رفض اتحاد الكورة إقامة مباراة دربي نهائي كأس رئيس الجمهورية في المدينة داخل الأرض بين جمهور الفريقين، وأصر على أن تُقام بالعاصمة صنعاء وحدد موعد انطلاقها بعد ثلاثة أسابيع من الآن، وجالي المشرف الرياضي ومعه هدار كثير عن طبيعة استعدادات نجل راعي الشباب في ما يخص مباراة التتويج، وقال يكلمني:

– فريق النجل مسافرين سيئون نهاية الأسبوع بيعملوا فيها معسكر إعداد داخلي لمدة أسبوعين، وفريقنا كيف؟

– أعضاء مجلس إدارة فريق النجل العشرة كلهم بيلتحقوا بالفريق إلى صنعاء قبل المباراة بيومين لمؤازرة فريقهم، واحنا كيف؟

– نجل راعي الشباب ضاعف لفريقه المكافأة في حال الفوز من 80 ألف إلى 160 ألف ريال، واحنا كيف؟

– نجل راعي الشباب دعا جماهير فريقه يطلعوا صنعاء قبل المباراة بيوم لمؤازرة فريقهم، وبيدفع لهم من 20 ألف ريال لكل مشجع، مصروف السفر، واحنا كيف نعمل جمهور الأهلي؟

أيوااااه والحنبة !

يعني كنت من قبل أحنب بسفر الفريق لوحده؟

وماذلحين قدنا مهموم بسفر جماعي لأعضاء مجلس إدارة الأهلي مع الفريق والجمهور !

وسار المشرف الرياضي من عندي يومها وفلتني مهموم في الميدان واقف أمام جول ملانه أصفار متروسة وأرقام تتقافز داخل رأسي المدووش مثل شرار من جمرة تلصى بين الريح.

وفي الحسبة المتقشفة لضمار الهدف الطارئ للمخارجة من حنبة التزامات مباراة النهائي أشتي لي خمسة ملايين ريال إسعافية على أقل تقدير  أحسبها بدقة رفقة أعضاء الإدارة، وانا مطنن وضايق من حظ المنافسة غير المتكافئة مع رئيس شابع من بيتهم مكور بأقوى قوته لإحراز الكأس دون هموم!

وليش با يهمّ من أصله وهو متركّي في الميدان على ضمار أثرى مجموعة تجارية في البلد، وبوسعها أن تباصيه بكل سخاء بضمار الفوز بكأس العالم بكله، مش إلا كأس بطولة رئيس الجمهورية.

عكسي أنا رئيس متركّي في الميدان على ضمار طايح في قسم الطوارئ، ولا عد معي حتى مباصي واحد للمخارجة من ضمار الهدف الصعب!

وانت لو كنت مكاني في الميدان وأمامك داخل الجول سفر ومعسكر إعداد للفريق، وبدلات سفر لهم ولأعضاء مجلس الإدارة وللجمهور، واستحقاقات أخرى كثيرة عالقة من قبل في ذمة الأهلي ومكافآت مالية مضاعفة في حال الفوز في مباراة التتويج المرتقبة في نهائي بطولة الكأس، هل ستفكر بالفوز؟

بالنسبة لي شعرت بمرارة الفقر وبالفارق الطبقي الكبير في الميدان بين ظروف الأهلي وظروف فريق النجل المنافس الأقرب لخطف كأس البطولة، واعتبرت أن وصول الفريق الأهلاوي إلى النهائي هو الإنجاز الكبير والفرصة الثمينة لإقناع راعي الشباب والرياضة بأن الوقت أصبح مناسبًا جدًّا الآن لإنْ يتبنى ويرعى نادي أهلي تعز، أسوة بجاريه الناديين المحظوظين اللذين يرعاهما ويتبناهما  ويرأس مجلسي إدارتيهما هو نجله المحظوظ، وأن يسخّر الله قلب المجموعة للأهلي الفقير، وما أشتي شي من نتيجة مباراة النهائي غير أن أسجل هذا الهدف الكبير للمخارجة النهائية من تمارين الابتذال المهينة المذلة للنفس، ومن حمولة أهلي تعز الثقيلة التي فصعت لي ظهري وأرهقتني بهموم ما كان لها أي داعي لو أن ضمار المدينة الأخلاقي يقوم بواجبه الوطني والاجتماعي والإنساني في تقديم الدعم والإسناد للأندية الرياضية لتصريف طاقات شبان مجتمعهم المتعثر والفقير في أنشطة مأمونة تلبي حاجة البلد الواقع في فخ إهدار الطاقات، ورسمت خطة اللعب في الميدان مع فريق الإدارة الأهلاوية وفق تكتيك “على قدر فراشك مُدّ رجلك”، ولكن كيف؟

وبالاعتماد على ما توفر من رصيد زهيد في حساب النادي أقررنا دخول الفريق الأهلاوي في معسكر إعداد متواضع في صنعاء لمدة أسبوع، وصرفنا لهم مليون ريال، ويسدوا هم وأنفسهم !

واعتمدنا صرف 50 ألف ريال لكل عضو بالإدارة، مصروف سفر شامل لصنعاء لمؤازرة الفريق، ويسدوا هم وأنفسهم.

واعتمدنا صرف 500 ألف ريال لمواجهة كافة احتياجات رابطة مشجعي الأهلي، ويسدوا هم وأنفسهم.

وسافر فتيان الأهلي بالموعد المحدد، ودخلوا في معسكر إعداد بسيط جدًّا، سكنوا خلاله في داخل أرخص وأقدم وأردأ فنادق العاصمة.

وقبل المباراة بيوم وصلت رفقة أعضاء الإدارة الأهلاوية إلى صنعاء بالتزامن مع وصول أعضاء مجلس إدارة فريق نادي النجل.

أنا وأعضاء مجلس الإدارة الأهلاوية نزلنا كلنا في فندق متواضع، ومش عارف أين نزل أعضاء مجلس إدارة نادي النجل، وأغلب الضن أن رئيسهم المحظوظ سيكون كريمًا معهم، وسيرتب لهم إقامة فندقية لائقة بضماره الكبير في الميدان.

وعشية ليلة المباراة وصل جمهور فريق النجل إلى صنعاء راكبين باصات سياحية فخمة ومريحة، بينما وصل جمهور أهلي تعز وهم مترافسين فوق هيلوكسات ودينات وعكابر ومتورات.

عصر يوم المباراة رحت إلى ملعب مدينة الثورة الرياضي وانا محاط تمامًا من كل الجهات بمشاعر غبن طبقي مرير، وجلست في مكاني المخصص لكبار الضيوف في كراسي منصة الملعب، وإلى جواري زميلي المحظوظ نجل راعي الشباب والرياضة.

أجواء مباراة نهائي الكأس في ملعب مدينة الثورة كانت حماسية بين الفريقين والجمهور يهتف ويشجع بلا توقف في المدرجات وزميلي النجل جالس في مكانه المخصص بكل أريحية وهدوء نفسي شديد يشاهد مجريات شوطي المباراة وهو في مأمن من كل الحنبات، وعينه على الكأس، وانا أشوف المباراة إلى جواره وحواسي وعيوني الثنتين في المنصة على والده راعي الشباب والرياضة، وهو عندي في حسبة المخارجة النهائية من حمولة أهلي تعز الثقيلة، الكأس الأعظم اللي أشتي أرفعه واتحمله واجري به فرحًا بين الجماهير وبين اللاعبين في الميدان، وهو الفوز الأهم الذي أشتي أحققه للنادي.

وطول وقت المباراة وقلبي مهموم ورأسي مدووش، أفكر كيف يمكنني سخسخة مشاعر راعي الشباب لصالح أهلي تعز، وحسابات الفوز والخسارة عندي متساوية، ولا أنتظر من نتيجة المباراة أي شيء أكثر من أن يكون رب الضمار قد اقتنع تمامًا بأن الوقت أصبح مناسبًا جدًّا لتقديم كل الرعاية والتبني للأهلي بعد كل النتائج التي حققها فتيان أهلي تعز خلال مشوار تصفيات بطولة الكأس بغض النظر عن الهزيمة المتوقعة والوشيكة  التي تنتظرهم في مباراة النهائي.

وتحدث في مباريات كورة القدم على أيّ حال مفاجآت سارة وغير متوقعة في حسابات إمكانات الفوز، كتلك التي فجّرها فتيان الأهلي في الربع الساعة الأخيرة من الشوط الثاني في أستاد مدينة الثورة الرياضي بالعاصمة صنعاء عندما هزّ أهلاوي شاب شباك مرمى فريق النجل من كرة قوية خارج خط الثمنتاعش لتنتهي نتيجة مباراة النهائي بفوز ثمين رفع معنوياتي من حظيظ الأرض إلى السماء السابعة، وركضت أجري في الميدان بكل قوتي بين اللاعبين وجمهور الأهلي المحتشدين بفرح داخل  أرضية الملعب، وصوتي يصيح “هييييه”.

كان فتيان الأهلي يرقصون فرحًا محمولين فوق أكتاف الجمهور وانا اتبرطع جري في الملعب أدوّر راعي الشباب أينوه في زحام الميدان، ودموع الفرح تنسكب من حدقات عيوني غزيرة وتطير مع الريح من فوق خدودي وصوتي في خلدي يردد “خلاص ماذلحين وقته”.

وفي تلك الأثناء بينما كان راعي الشباب يقول لمراسلي القنوات التي تغطّي الحدث بأنه اليوم أسعد محافظ في الدنيا، كنت أنا أتنقل بين اللاعبين في الميدان، وكل من لقيته قدامي أقول له:

– “وقت التكريم وانت في منصة التتويج أول مايلبّسوك ميدالية الفوز اخلسها من رقبتك مباشرة واطرحها بامتنان في رقبة راعي الشباب والرياضة عرفانًا له من الفريق أمام الملأ على دعمه ووقوفه إلى جانب النادي الأهلي”.

وسارت فعالية التتويج كما خططت لها بامتياز، وترصّع عنق راعي الشباب والرياضة أمام كبار الضيوف في المنصة بخمسة وثلاثين ميدالية ذهبية تدلت فوق صدره، وظهر بين الجميع محفوفًا بكل الامتنان من لاعبي وإدارة وجمهور الأهلي، وشعرت حينها بطعم الفوز المأمون، الفوز الذي يفتح لك الابواب والآفاق.

ونمت هذاك اليوم لأول مرة منذ رئاستي للأهلي وانا آمن ومبسوط ومرتاح، كأيّ رئيس مرهق كان يجري بلا توقف في ماراثون طويل، وسجل في نهاية المطاف هدف المخارجة النهائية من حمولة الأهلي الثقيلة، ووضع على عنق الداعم الأكبر، ربّ الضمار، راعي الشباب والرياضة، ميداليات الفوز لتذكّره بأن فتيان الفريق هم أبناؤه، ولتخبره أيضًا بأنهم وناديهم الكبير العريق أمانة في عنقه مدى الحياة.

*كاتب يمني ساخر

   
 
Advertisements

تعليقات