Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*

النجوم لا يغادرون الملاعب من دون مباراة اعتزال معتبرة تظل عالقة في أذهان جماهير كرة القدم.

والرؤساء كذلك لا يغادرون أنديتهم من دون وداعية مهيبة في الميدان يستضاف إليها كبار النجوم.

وكان عليّ أن أرتب لذلك الوداع جيدًا بالاعتماد على روح الزمالة مع زملائي الرؤساء النجوم أصحاب الضمار الكبير.

ومن المهم معرفة أسمائهم لتتضح لجمهور الكورة الصورة النهائية لتشكيلة فريق مخارجة النادي الأهلي من حنبات الضمار، وهم كالتالي:

– الزميل الزعيم/ علي عبدالله صالح

(الرئيس السابق للبلاد، والرئيس الأسبق من فترة طويلة للنادي الأهلي أيام ما كان قائدًا للواء تعز).

– الزميل/ جلال عبد ربه منصور

(نجل الرئيس هادي، رئيس مجلس إدارة مدري أيش من الشركات الحديثة العاملة في المجال النفطي).

– الزميل الشيخ/ سلطان البركاني (رئيس الكتلة البرلمانية لمحافظة تعز).

– الزميل الحاج/ عبدالجبار هائل سعيد (رئيس مجلس الإدارة لـ 70 شركة تجارية ناشطة حول العالم).

– الزميل/ نبيل هائل سعيد أنعم (الرئيس الإقليمي لمجموعة شركات هائل سعيد).

– الزميل فتحي توفيق عبدالرحيم (رئيس لشركات نفطية خيرات).

– الزميل مدين ياسين (رئيس مجلس إدارة مؤسسة الرأفة للأدوية).

كلهم نجوم كبار ومقتدرين ومؤثرين، ولديهم في الميدان ما يكفي من الضمار لتسجيل هدف رئاسة النادي الأهلي الفقير.

حددت مواعيد للقاء بهم على واحد واحد طيلة أسبوعين متواصلَين من الركض اليومي المستمر في ملاعبهم لطرح الموضوع عليهم.

وثابرت في تمارين الخلاص النهائي والأخير من حمولة الأهلي الثقيلة لتسجيل هدف إقناع واحد منهم على الأقل ليكون اليد الأمينة على طاقات الشبان والرئيس المأمون الذي شاباصيه بالاستقالة في الميدان وقلبي مطمئن على مستقبل النادي الأهلي.

وفي حسبة المخارجة النهائية لتسجيل الهدف سيحتاج النادي الأهلي من اليد الأمينة المأمونة على طاقات شبان المجتمع الفقير إلى دعم سنوي بخمسين مليون ريال على أقل تقدير، وما هي شيء في بحر الأصفار المرصوصة في أرصدة المباصيين المحتملين في فريق المخارجة النهائية من حنبة ضمار الهدف.

انطلقت صافرة مباراة الاعتزال في ميدان الشهداء أمام جماهير غفيرة، أصواتهم تهتف ملان المدرجات، والأجواء حماسية، وكل لاعب من نجوم فريق المخارجة النهائية واخذ مكانه في الملعب، والجول قدام عيونهم متاح، وفي داخله أهم وأعرق وأكبر أندية المحافظة، والهدف المأمول نبيل وسهل وبسيط على أي واحد فيهم لديه شوية ضمار أخلاقي وشوية إحساس بالواجب الوطني تجاه مجتمعهم المحلي.

ونزلت إلى الملعب وانا منتعش ومتحمس بقوة، وبي نشوة كبيرة وأمل كبير لمخارجة الأهلي، وركضت أجري بالكورة بينهم كأي نجم مودّع يتهيأ لتسجيل الهدف الأخير.

وباصيت الكورة للزميل الزعيم:

– شوت يا فندم.. الجول مفتوح، والهدف متاح وسهل جدًّا، وأهلي تعز ناديك الأول، وانت قادر تعمل منه أحسن نادي، وتهزم به دول الخليج كلها.

لم يتحمس الزميل الزعيم لوضع الكورة في الجول، وكان هو نفسه حانب في الميدان يدوّر المخارجة المأمونة من خصوم في السياسة لعبهم غير نظيف، وسددوا في مرماه سفالات كثيرة، ونسفوا تاريخ كل هدف أحرزه للبلاد أيام ما كان رئيس.

تفهمت وضعه كرئيس سابق مجروح ويلعب مع خصومه في الميدان مباراة المناورة السياسية الأخيرة، وماعد بينه طافة لتسجيل هدف كان يتوجب عليه أن يسجله من قبل، ولم أيأس، وركضتُ أجري بالكورة إلى حيث يقف زميلي جلال هادي، نجل الرئيس، باصيته:

– شوت الكورة يا كابتن جلال.. الجول مفتوح، والهدف مش صعب، وانت شاب في موقع القرار والنفوذ، والنادي الأهلي كل اليمن تلعب فيه.

وكنت أظنه سيتحمس لتسجيل الهدف النبيل، ولكنه كان زميل جديد على هيلمان السلطة، وعلى ضخامة المال الذي أصبح لديه في ظرف وجيز من الزمن.. أنا أباصيه الكورة، مهموم بالنادي، وهو مشغول بالخصومة مع صالح وعائلته يباصيني كرة سمجة في الميدان، ويشتيني أسجل أهدافه الخاصة في مرماهم!

تفهمت وضعه وطبيعة المرحلة السياسية الوسخة، ولم أيأس، وركضت أجري بالكورة إلى الزميل رئيس كتلة تعز في البرلمان، باصيته:

– شوت الكورة يا شيخ سلطان البركاني، وسجل الهدف، لي منع ابوك.

تحمس الزميل الشيخ وباصى بي فيسع لا عند الدكتور رشاد العليمي، نائب رئيس الوزراء…

– شوت الكورة يا دكتور رشاد

كان الدكتور رشاد ما يزال حينها مصابًا إثر حادث تفجير جامع دار الرئاسة، ومقدرش يشوت الكورة للجول، ولم أيأس، وركضت أجري بالكورة إلى الزميل الكبير القدير الحاج عبدالجبار هائل، وباصيته:

– شوت الكورة يا عم عبدالجبار..

خارِج النادي الأهلي الفقير بالأفلاس المتراكمة في أرصدة 70 شركة تجارية حول العالم.

العم عبدالجبار ثري، متدين بطبيعته، وما يخلي أي جامع يحتاج شيء… لكن مش خائف خالص على شبان مجتمعه الفقير، ولم أيأس.. ركضت أجري بالكورة في الميدان إلى الزميل القدير نبيل هائل، وباصيته:

– شووووت يا عم نبيل، سجل الهدف النبيل، والأهلي كبير، والأهلي مش قليل.

العم نبيل مشغول جدًّا بتسجيل أهداف أخرى في الميدان، وإن سخّره الله وتحمس معك في مباراة يرضحك من بعد ذلك في دكة الاحتياط بقية مباريات الدوري!

ولم أيأس ولم أفكر حتى مجرد التفكير باليأس، وركضت أجري بالكورة إلى الزميل العزيز فتحي توفيق عبدالرحيم، وباصيته:

– شووووت يا عم فتحي.. الجول متاح، والهدف سهل عليك.

كان الزميل فتحي في هاذيك الأيام مشغول جدًّا بتنمية المصاهرة الجديدة مع بيت الأحمر، وقد هو بيدعم الثورة الشبابية، ومشو فاضي لشوية شبان يلعبوا طبّة.

وباصيت الكورة للزميل مدين ياسين:

– قوي قلبك وشووووت يا عم مدين، وانت كنت في يوم من الأيام تطمح لرئاسة الأهلي.. هوذا هاه يتكعدل لاعندك، والجول مفتوح، والهدف سهل وفي متناول يديك.. ولكنه لم يفعل.

سار وقت شوطي مباراة الاعتزال وانا منهك مرهق في الميدان اتبرطع وراء فريق الضمار الأخلاقي بكل ما عندي من طاقة، وهم يتباصوا بي من واحد إلى واحد، وفلتوني كلهم واقف أمام جول في داخله نادي كبير، اليمن كلها تلعب فيه، وضمار المدينة الأخلاقي يلعبوا بالمال، ويدعموا به كل تافه متمكن في الميدان من الوصول إلى الجول بأهداف تسلل.

وكانت مباراة اعتزال صعبة، انتهت بنتيجة مخيبة للآمال، وأعادت لي مشاعر الخيبات القديمة في عدم مقدرتي على تسجيل الهدف، وباصيت باستقالتي مكتوبة لراعي الشباب والرياضة من بعد ذلك، وتقبّلها مني من دون نقاش، وقطع حبل المودة، وسيّح دمه.

وغادرت الأهلي بعد سنتين من اللعب والتعب الشاق في الميدان من دون وداع للاعبين.

وتركت رئاسة النادي وانا حزين على تصوراتي عن ضمار المدينة الأخلاقي.

وبعد عام قرحت حرب طاحنة في الميدان، أُهدِرَت فيها طاقات الشبان، وفرّ الجميع من المدينة، ومن داخل البلاد، وبقى النادي الأهلي يزاول نشاطه إلى اليوم، رغم كل الظروف وكل المآسي التي خلفتها الحرب وراءها.

والكورة الآن في ملعب زميلي فخامة رئيس البلاد الدكتور رشاد العليمي.

– شوت يا دكتور.. أنا لي منع ابوك.. سجل كل الأهداف النبيلة لكل الأندية الرياضية في طول وعرض البلاد؛ لأن الرياضة أفضل الأماكن المأمونة لتصريف الطاقات، وما الحرب وكل هذا الدمار إلا لإنّ البلاد عاشت الماضي بلا ضمار أخلاقي في الميدان.

* كاتب يمني ساخر.

   
 
Advertisements

تعليقات