Accessibility links

وجدي الأهدل*
مفاجأة سارة وضارة في الوقت نفسه: اليمن بمقياس الذكاء IQ تحتل المركز الثالث عربيًّا بعد العراق والكويت، والمركز الثاني والعشرين عالميًّا.

Advertisements

يُقال إن الأذكياء غالبًا ما يكونون فقراء مع الأسف، وهذا أمر غريب بعض الشيء، ولكن لديّ تفسير معقول لهذا التلازم بين الذكاء والفقر.

لا شك عندي أن اليمني أذكى من صاحب العمامة الإيراني والعِقال الخليجي، ومع ذلك نجده يوظف ذكاءه لصالحهما، ويخوض بالنيابة عنهما الأعمال الشاقة الخطرة التي لا يريدان القيام بها.

ولكن لماذا لا يحدث العكس؟ المنطقي أن الأكثر ذكاءً هو الذي يتحكم في الأغبياء، أو من هم أقل منه ذكاءً أليس كذلك؟ المفترض وفقًا لمقياس IQ أن يتفوق ذكاء اليمني على الإيراني والخليجي معًا، ويجعلهما يخوضان نزالهما بنفسيهما، وينأى ببلده وشعبه بعيدًا عنهما..

عندما ننزل إلى مستوى الفرد، نجد أن الإنسان الذكي يمتلك الفطنة وسرعة البديهة والقدرة على ابتكار الحلول، والفهم في وقت قياسي أسرع من غيره، وهو يخطط جيدًا للمستقبل، ويتفوق على الآخرين في اتخاذ المسارات الاحتياطية عند الطوارئ، وهو بارع في الوصول إلى الأهداف التي يضعها لنفسه.. بالمجمل إنه إنسان يثير افتتاننا وإعجابنا، إنه نموذجي فأين الخلل إذن؟!

الخلل أن الذكاء نوعان: الأول الذكاء العقلي، والثاني الذكاء الروحي.

بالنسبة للذكاء العقلي، فإن اليمني يحقق تفوقًا ملحوظًا، كما أسلفنا، فلا يمكن لأحد أن يستغفله، أو ينجح في خداعه، ولكن بالنسبة للنوع الثاني من الذكاء، أيّ الذكاء الروحي، فإن اليمني يحتل مرتبة متدنية جدًّا بين شعوب العالم، وتقديري الشخصي أنه يمتلك قدرًا ضئيلاً للغاية من الذكاء الروحي.. فإذا ابتكرنا مقياسًا مشابهًا لـ IQ لقياس الذكاء الروحي، فربما نكتشف أن اليمني أغبى حتى من القرود!

ما هو الذكاء الروحي الذي يفتقر إليه الإنسان اليمني بشدة؟ ليس المقصود بالذكاء الروحي الصلاة والصيام والحج، فاليمني يصلي ويصوم ويحج، وهو يعد نفسه تقيًّا، ولذلك يحسب نفسه ذكيًّا.. يقوم بتسوية حساباته مع الله، ويظن نفسه قد خرج رابحًا.. ولكن الذكاء الروحي شيء مختلف، ولا علاقة له بهذه الحسابات الشخصية الصغيرة.. إنه ذكاء كوني عظيم جدًّا ولا نهائي.

لقد وقع النبي موسى، عليه السلام، في هذا المأزق، فهو تقريبًا أذكى إنسان على الاطلاق، فإذا كان ألبرت أينشتاين قد بلغ معدل ذكائه 170 درجة، وويليام سيديس 300 درجة، فإنني أخمن أن النبي موسى، عليه السلام، قد بلغ معدل ذكائه 400 درجة! والدليل على ذلك أنه الإنسان الوحيد الذي تكلم الله معه، وكأنما أحب سبحانه وتعالى أن يتجاذب أطراف الحديث مع أكثر مخلوقاته ذكاءً على مر العصور، لذلك اختصه بتلك الميزة.

وُهِبَ النبي موسى عليه السلام العقل البشري الأكثر كمالاً وذكاءً، لكن بالرغم من ذلك، كان هناك خللٌ ما.. كانت تلك القوة العقلية الهائلة التي تمتع بها تمنعه كقائد للأمة من رؤية أكثر شمولاً وعمقًا للقوانين السارية في الكون والطبيعة والقدر.. لأن العقل بطبيعته يمكنه فهم ما هو “ثابت”، ومن ثم الحكم عليه، ولكن لا يمكنه فهم “التحولات” لأنها لم تحدث بعد، وهذا خارج مدى قدراته المحدودة.

إن “التحولات” هي القانون “الثابت” في الكون والطبيعة والأقدار البشرية.. فكل شيء يحمل في داخله نقيضه، وهذا تناقض لا يقبله العقل البشري أو بالأحرى لا يفهمه.

هناك قصة طاوية توضح بيسر قانون “التحولات” الذي يَعْسُر فهمه على العقل البشري العادي:

“يحكى أن فلاحًا صينيًّا فقدَ حصانه الوحيد الذي يساعده في أعمال الحقل.

فجاء إليه جيرانه في العشية يواسونه في مصيبته قائلين: أية مصيبة حلّت بك! هز

الفلاح رأسه قائلاً: ربما.. من يدري! في اليوم التالي رجع الحصان إلى صاحبه

ومعه ستة جياد برية أدخلها الفلاح إلى حظيرته، فجاء إليه الجيران يهنئونه

قائلين: أيُّ خير أصابك! هز الفلاح رأسه قائلاً: ربما.. من يدري! في اليوم الثالث

عمد الابن الوحيد للفلاح إلى أحد الجياد البرية فأسرجه عنوة واعتلى صهوته،

ولكن الجواد الجموح رماه عن ظهره، فوقع أرضًا، وكسرت ساقه، فجاء الجيران 

إلى الفلاح يواسونه قائلين: أية مصيبة حلت بك! فهز الفلاح رأسه قائلاً: ربما..

من يدري! في اليوم الرابع جاء ضابط التجنيد في مهمة من الحاكم لسوق شباب 

القرية إلى الجيش، فأخذ من وجدهم صالحين للخدمة العسكرية، وعف عن ابن 

الفلاح بسبب عجزه، فجاء الجيران إلى الفلاح يهنئونه قائلين: أيُّ خير أصابك!

فهز الفلاح رأسه قائلاً: ربما.. من يدري!”.

هذا الفلاح البسيط الأمي على الأرجح، امتلك فهمًا عميقًا للحياة، فلم يكن يحزن عندما تحدث أمور محزنة، ولم يكن يفرح عندما تحدث أمور مفرحة، بل كان ينظر إلى أعمال الله ولا يعترض على مشيئته.. ربما بدا لنا الفلاح شخصًا غبيًّا بعض الشيء، وربما هو كذلك بالفعل، ولكنه من جهة الذكاء الروحي يتفوق على ملايين من البشر.

وفي القصة الطاوية تلميح بديع إلى الثروة، فقد حصل الفلاح الغبي ظاهريًّا على ثروة جيدة في بضعة أيام، بينما الأذكياء كانوا إما يشمتون به أو يحسدونه!

لقد تحدث الله مع النبي موسى، عليه السلام، ولاحظ أنه ذكي عقليًّا للغاية، ولكنه من ناحية الذكاء الروحي بليد، ولا يختلف عن أيّ شخص آخر.. فكان النبي الوحيد الذي تكلف الله عناء تعليمه.

موسى، عليه السلام، الذي اغتر على ما يبدو بقدراته العقلية الخارقة، أرسل الله إليه رجلاً عاديًّا، لا هو نبي، ولا هو ذكي، ليعلمه ماهية الذكاء الروحي، وكيف يُغلِّب هذا الذكاء الكوني اللا نهائي على ذكاء عقله الصغير المحدود.

امتلك المعلم الذي أرسله الله لتعليم موسى الذكاء الروحي الكافي لفهم القوانين الخفية المبثوثة في الكون، وفي هذه الأرض التي نحيا عليها، تلك القوانين التي قد تبدو للوهلة الأولى عمياء وظالمة أو غير ذات جدوى.

وقصة النبي موسى عليه السلام مع المعلم الروحي معروفة، ولا داعي لإعادة سردها، والعبرة أن أذكى العقول البشرية على مر التاريخ وقف حائرًا أمام القوانين الكونية، ولم يستطع تقبلها في البداية، بل إن عقله رفضها بشدة.

وعلى سبيل المثال عندما قام النبي موسى والمعلم بإعادة بناء جدار كان على وشك السقوط، فإن موسى اقترح مجرد اقتراح أن يطلبا أجرًا مقابل مجهودهما الشاق، ولكن المعلم أنبأه أنه مخطئ.. لأن القائد الذي تعول عليه الأمة في قيادتها يجب أن يبني دون أن ينتظر مقابلاً من أحد.

إن الذكاء الروحي يعني أن يبني الإنسان ويُعمِّر الأرض دون أن ينتظر جزاءً من أحد.. ويتضح هذا المعنى أكثر في حالة الحاكم أو رئيس الجمهورية، الذي يجب ألا يفكر في نفسه وفي مصلحته الشخصية، بل أن يُضحي بجهده ووقته من أجل بناء وطنه وخدمة أبناء شعبه.

لقد تلقى النبي موسى درسًا لن ينساه، فإن كنت تطمح لقيادة شعب ما، فإنه يجب عليك تحمّل المتاعب وشظف العيش والجوع، وتُواصل البناء دون التفكير في نفسك، لأنه في يوم ما سوف يبلغ الشعب اليتيم سن الرشد، وينهض لأخذ حقه واستخراج كنوزه.

*روائي وكاتب يمني

Advertisements

تعليقات