Accessibility links

زيد مطيع دماج.. القاص والروائي والسياسي اليمني


صنعاء – “اليمني الأميركي” – أحمد الأغبري

Advertisements

مثلت تجربة زيد مطيع دماجّ (1943-2000) السردية منعطفًا مهمًّا في مسيرة  السرد اليمني؛ فتجربته القصصية بدءًا من مجموعة “طاهش الحوبان” عام 1973م، واستمرارًا في “العقرب” عام 1982م، و”الجسر” عام 1986م، و”أحزان البنت مياسة” عام 1990م، و”أزمة البنت بشرى”، و”المدفع الأصفر”.. تتجلى أفقًا جديدًا للقصة القصيرة في اليمن والوطن العربي لا سيما في قُربها من المجتمع واقتداره على ملامسة همومه ومشاعره وتحسس معاناته من التخلف والعبودية وفق رؤية وتقنية ذكية.

تلك الرؤية ظلت محور المشروع الأدبي لزيد دماج؛ وهو ما عبّرت عنه بوضوح روايته الوحيدة الصادرة باسمه بعنوان “الرهينة” عام 1984م، والتي عكست مدى وعيه السياسي ونضجه الطليعي وحساسيته العالية تجاه القضايا التي يمكن من خلالها استفزاز كمون المجتمع ودفعه للاقتراب من مشكلته والانطلاق صوب تغيير واقعه، وفي كل ذلك تجلت مهارته كسارد مغاير.

وكم كان زيد مدهشًا في قصصه وروايته، وهو يقتربُ من الناس ويستنطق أرواحهم المكلومة، بل كان ذكيًّا جدًّا في ترجمه ما يريد أنْ يقوله هؤلاء الناس للأجيال المقبلة.. وهو بذلك تجلى ساردًا ماهرًا وحاذقًا قدّم من خلال قصصه وروايته إضافات سردية يمنية وعربية، وتحتاجُ تقنيتها وموضوعها مساحة كبيرة جدًّا لبسطها ليس مكانها هنا.

قد يشعرُ القارئ أنّ رواية “الرهينة” التي تم اختيارها كواحدة من أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين لم تكن سوى انتقاد لوضعٍ بائدٍ متمثلٍ في الحكم الإمامي لشمال اليمن قبل ستينيات القرن الماضي؛ وهي وإنْ كانت كذلك، إلا أنّ الاشتغال عليها كان من خلال رؤية مغايرة وتقنية مختلفة وجديدة حينها كشف من خلالها حقيقة، ربما كانت وارتها الذاكرة لاحقًا، عن فصلٍ من فصول الألم اليمني، وذلك من خلال الاقتراب من القاع الاجتماعي عبْر مناوشة قمة ذلك الحكم؛ وبالتالي فتقديم صورة لمعاناة المجتمع اليمني وما يجب أن يكون هذا المجتمع اليوم من يقظة.. وكانت تلك رسالة في غاية الأهمية صاغها روائيًّا زيد مطيع دماج قبل نحو ثلاثة عقود وفق تقنية ستظل مدهشة في علاقتها بالإنسان والمكان معًا، وستظل تتجددُ قراءتها عبر الأجيال المقبلة.

ترجمة الرواية لعددٍ من اللغات، بما فيها الإنكليزية والفرنسية والروسية والصربية والألمانية والهندية وغيرها.. كان دليلًا على خصوصية هذا العمل السردي الذي يكتشفُ من خلاله القارئ في بلدان مختلفة ما كان عليه اليمن وما يجب أن يكون عليه في رزحه تحت نير التخلف ونزوعه نحو الانعتاق.. وذلك ما كان ليصل إلى القارئ العالمي إلا من خلال أديب يمتلك أدواته السردية، ويشتغلُ عليها بمهارة عالية قادرة على الاقتراب من المشاعر الإنسانية وترجمتها وفق رؤية ما زالت تحتاجُ لمزيدٍ من الدراسات لإعادة قراءة خصوصيتها.

 

تتجلى التجربة السردية لزيد مطيع دماج أفقًا جديدًا للقصة القصيرة في اليمن والوطن العربي لا سيما في قربها من المجتمع واقتداره على ملامسة همومه ومشاعره وتحسُّس معاناته جراء التخلف والعبودية وفق رؤية وتقنية ذكية.

 

  • ما هو دور زيد مطيع دماج في مسيرة الرواية اليمنية؟

لقد كان له دور فارق ومحوري؛ فتجربته في رواية “الرهينة” في الثمانينيات مثّلت مرحلة متطورة في الرواية اليمنية، وشكلت امتدادًا ذكيًّا للتطور الذي خلقه محمد عبدالولي في عقد السبعينيات من خلال روايتي “يموتون غرباء” عام 1971م و”صنعاء مدينة مفتوحة” عام 1978.. وبالتالي فما شهدته الرواية اليمنية في هذين العقدين كان قد مهّد لتجربة مختلفة في عقد التسعينيات، والتي مثلت الأساس الذي انطلقت منه الرواية في هذا البلد خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين.

 

  • وماذا عن تجربته القصصية؟

مَن يقرأ قصص زيد مطيع دماج ويقارنها بما كانت عليه القصة القصيرة في اليمن وما أصبحت عليه سيشعر أن تجربة زيد أسهمت بلا شك في تطوير السرد القصصي اليمني، وبالذات في علاقته بالمجتمع اليمني البسيط كموضوع،  والسرد السهل كتقنية في سياق (السهل الممتنع)، وفي كل ما يمكن أن يراه العالم في هذا المجتمع ويعرف عن معاناته.. وهذه العلاقة لم يكن من السهل الاشتغال عليها إلا من خلال ساردٍ متمكن كزيد قريب من الناس، ويمتلكُ رؤية واعية لِما يريد أنْ يقوله للعالم عن هذا المجتمع بسرديته المبهرة التي تمكن من خلالها من الغوص في أعماق النفس واستنطاق مشاعرها تحت نير العبودية والتخلف؛ وبالتالي إعادة ترجمة معاناتها ونزوعها نحو الحرية والانعتاق والتقدم بما يفهمه القارئ بمختلف مشاربه ولغاته.. وقد نجح في ذلك.

وقال المترجم والناقد والكاتب السوري كمال أبو ديب: يقدّم لنا دماج صورة اليمن التي تسعى إلى الانعتاق والتحرر من الظلم وذلك بطريقة لماحة لا تسقط في الخطابة أو الشعارات أو المقولات العامة الرائجة.

فيما قال الشاعر والباحث اللبناني جودت فخر الدين: وحده زيد مطيع دماج مَن يمتلك القدرة على الغور في دواخل المكان يستخرج ما هو أصيل وغريب ومدهش.

وقال الأديب الجزائري الدكتور عبدالملك مرتاض: ستكون لأعماله مكانتها الخاصة دون شك.. وسيترك زيد وراءه الكثير.. فلم يكن عابرًا في عصره أو متفرجًا أو معتزلاً.. بل كان في الصميم من نبض الحياة بشجاعة وجراءة ومسؤولية، وتلك صفات نفتقدها في زماننا الصفيق الذي قُدِّر لنا أن نحياه.

أما الناقد السوري الراحل الدكتور إبراهيم الجرادي فقال: لقد حمل زيد ضمير الأمة في صراعها مع العبودية والتخلف، وفي سعيها إلى الحرية والتقدم، وهذا يعني أنه سيمس أحاسيسنا ووعينا باستمرار، لأنّ المعركة مستمرة وإنْ تغيرت تسميات الأعداء. ولما كانت المعركة واحدة من المحيط إلى الخليج، فإن “الرهينة” لا تُمثل للقارئ العربي حالاً فردًا معزولاً مكانًا وزمانًا، بل واقعًا اجتماعيًّا وسياسيًّا متفشيًا في أرجاء الوطن العربي.

فيما قال نقيب الصحافيين اليمنيين الأسبق الكاتب عبدالباري طاهر: الأسلوب المرهف الشفاف الذي كتبت به قصصك والمغلف بروح إنسانية حنون، والبساطة المقرونة بالعمق التي تعاملت بها مع شخوصك والبراعة في التقاط دقائق الحياة اليومية المؤثرة في مصائر البشر وحيواتهم.. كل ذلك سيوفر لقصصك المكانة اللائقة بها إنْ عاجلاً أم آجلاً.

أما الشاعر والكاتب اليمني عبدالكريم الرازحي؛ فقال: زيد مطيع دماج مؤرخ المشاعر البشرية، مؤرخ المكان في ظلامة أيامه المستشرية بالعذاب الإنساني، والظلم، وفقدان شروط الوجود والسعي لفتح نوافذ البيت المهجور لهواء الحرية والإبداع والأمل.

 

قد يشعرُ القارئ أنّ رواية “الرهينة” التي تم اختيارها كواحدة من أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين لم تكن سوى انتقادٍ لوضع بائد متمثل في الحكم الإمامي لشمال اليمن وهي وإنْ كانت كذلك، إلا أنّ الاشتغال عليها كان من خلال رؤية مغايرة وتقنية مختلفة قدّمتها كرواية عالمية بامتياز.

 

  • وماذا عن تجربة زيد السياسية والدبلوماسية؟

كان زيد بجانب كونه أديبًا سياسيًّا وبرلمانيًّا ودبلوماسيًّا، وهذا النبوغ السياسي الذي رافقه ليس بغريبٍ عليه؛ فهو نجل المناضل السياسي الجمهوري الراحل الشيخ مطيع دماج.

وقد يستغربُ القارئ أنّ الرجل على الرغم من مشاغل الوظيفة العامة سياسيًّا ودبلوماسيّا كان يجدُ وقتّا لكتابة الأدب.. بل لقد كان لوظيفته وثقافته السياسية مسحتها وتأثيرها في وعيه الذي انعكس في نصوصه السردية القريبة من الناس وتطلعات مجتمعه نحو المستقبل.

ولد زيد مطيع دمّاج عام 1943 م في عزلة النقيلين، ناحية السياني، لواء إب – اليمن. تلقى تعليمه الأولي في المعلامة “الكتّاب” مع أقرانه في القرية فحفظ القرآن الكريم، وبعد ذلك تولى والده عملية تعليمه وتثقيفه من مكتبته الخاصة التي عاد بها من عدن فقرأ كتب الأدب والتاريخ والسياسة، وكان من أهمها “روايات الإسلام” لجرجي زيدان. ألحقه والده بالمدرسة الأحمدية في تعز، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية سنة 1957م. استطاع والده بواسطة صديق له إرساله إلى مصر عام 1958م، فحصل على الشهادة الإعدادية من مدينة “بني سويف” بصعيد مصر عام 1960م، والشهادة الثانوية من مدرسة “المقاصد” بطنطا عام 1963م. التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1964م، لكنه تركها بعد سنتين والتحق بكلية الآداب، قسم صحافة، بعد أنْ برز توجهه الأدبي. بدأ يكتب المقالات السياسية وبواكير أعماله القصصية في مجلة “اليمن الجديدة”.

في عام 1968م استدعاه والده إلى أرض الوطن، فغادر مصر إلى اليمن للمشاركة في العمل الوطني وبقائه مع والده الذي كان رافضًا التنازل عن أهداف الثورة اليمنية والصلح مع الملكيين. ولم يكمل دراسته لظروف والده الصحية واعتكافه للعمل السياسي.

تم انتخابه عضوًا في مجلس الشورى، أول برلمان منتخب في البلاد سنة 1970م عن ناحية السياني، وكان رئيسًا للجنة الاقتراحات والعرائض وتقصّي المظالم.

في 14 يناير 1972م رحل والده إلى مثواه الأخير، وكان لذلك أثر كبير في حياته الشخصية والأدبية والسياسية. في يناير 1976م عُيِّن محافظًا للواء المحويت، وعضوًا في مجلس الشعب لفترتين متتاليتين منذ عام 1979م. وفي 1980 عُيِّن وزيرًا مفوضًا وقائمًا بالأعمال في سفارة اليمن الشمالي لدى دولة الكويت، كما عُيِّن مستشارًا لوزير الخارجية ثم وزيرًا مفوضًا في سفارة اليمن لدى بريطانيا عام 1997م. وهو بالإضافة إلى كل ذلك كان عضو مجلس السلم العالمي، وعضو اتحاد الأدباء والكتّاب اليمنيين، واتحاد الأدباء والكتّاب العرب.

كما كان مؤسس، وصاحب امتياز، مجلة “أصوات” الأدبية، والتي كانت واحدة من أهم المجلات الأدبية في اليمن، وتخصصت في إبراز الأجد في الأدب العربي، وكان يرأس تحريرها الشاعر محمد حسين هيثم. (وفق السيرة الذاتية المنشورة في موقعه الذي يديره ابنه الروائي همدان زيد دماج).

عُيّن مستشارًا لوزير الخارجية، ثم وزيرًا مفوضًا في سفارة اليمن لدى بريطانيا عام 1997م. توفي في 20 آذار/ مارس 2000م في مستشفى ميدلسكس في لندن.

  • 97
    Shares
Advertisements

تعليقات