Accessibility links

Advertisements

صادق الحراسي
المكان مظلمٌ جدًّا هنا، أعيش بمفردي منذ سُرقِت الموسيقى من العالم.. لا أستطيع استحضار ذكريات ذلك اليوم، فقدتُ وعيي، وعندما استيقظتُ وجدتُ نفسي وحيدة أحاول النجاة والبقاء على قيد أغنية.
أدركت نفسي للمرة الأولى في متجر لبيع الآلات الموسيقية.. كنتُ أستيقظ على أغاني الزمن القديم، وصوت (أيوب طارش)، أما في العصرية فكنا نجالس الدان الحضرمي والأغنية الصنعانية، ولم أكن استطيع النوم إلا على ألحان يهود اليمن، وجمال (عفراء هزاع).
أستطيع القول بأني وُجِدتُ في محيط فني بامتياز.. دائمًا ما كنتُ أحلُم بأن يدخل أحدهم إلى المتجر ويحتضن العود الذي أكون فيه، وبعنفوان يبدأ في بث الروح فيه، فأُصبح إحدى نوتات لحن “ظبي اليمن”، أو أن أكون بداية مطلع “رِدّ السلام”، لا.. لا، بل خاتمة “وَقَفْ ووَدّع”، ماذا لو كنتُ في لحن “يا هِزلي”..؟!
لا مشكلة، ففي الموسيقى لا توجد فوارق إِثْنِيّة أو مذهبية، الموسيقى مشاعر وأحاسيس لا أكثر، لذا وُجِدت في هذه الأرض لترجمة تلك المشاعر التي لا يستطيع الناس قولها بسهولة، لتجربة الإحساس بشيء ما، مختلف، لم يعتادوا عليه، مثل الشعور بسعادة طفلة تمسك بيد أبيها، الأمان، اللقاء بعد سنين عِدّة، والاحتضان من شخصك المفضل وأنت في أسوأ حالاتك..
في كل مرة يدخل أحدهم إلى المتجر أُنصِتُ على وقع أقدامه بصمتٍ، أتوارى خلف الوتر الثالث – حين أقطن – وأَشَدُّ ما أخشاه أن يأخذني شخص اعتيادي لا يفقه في العزف على العود شيئًا، كانت هذه أسوأ كوابيسي، فأنا تمنّيت دائمًا لو أنني أنتمي لحزن (الحارثي)، إلى إحدى أغنياته الصنعانية، أن يحنو على العود بجسده، ومن ثَم يداعبني بخفة جاعلاً مني بطلة موسيقاه، أن يصفّق الجميع عند سماعي، وأن يتراقص الجميع عند سماعهم لي (ذكورًا وإناثًا).. (واحد، اثنان، ثلاثة)، القدم اليُمنى إلى الأمام ثُم إلى الخلف، الآن القدم اليُسرى تتقدم خطوة، مرة أخرى، وهكذا.
لِحُسن حظي كان معظم مرتادي المتجر من محبي الآلات الغريبة فقط: (الغيتار، الكمان، الأورغ).. لكن بالرغم من ذلك لم أسلم من مضايقتهم المتكررة وعبثهم بأوتار العود الذي أنتمي إليه.
لم أستطع نسيان اليوم الذي أتى فيه شاب يبلغ الخامسة عشرة من عمره، ما زلتُ أتذكر نبرة صوته، وهو يشير: “نعم ذلك العود.!، لم أستطع رؤية وجهه، ولكن أكاد أُجزم بأن ابتسامةُ كانت تملأ محياه.
بدأت أتخيل حياتي مع هذا الشاب، وأيّ شيء عظيم سيكون له.. نعم، فهو لم يحصل على العود فقط، ولكنه حصل على إحدى أهم النوتات في عالم النغم، التي هي “أنا”.
وصلنا إلى المنزل، وحدث ما لم أكن أتوقعه.. فقد حُبسنا في غرفة مظلمة تمتلئ برائحة الخوف والأغراض المتكدسة فوق بعضها البعض، ولم أستطع تمييز الوقت هنا؛ حيث لا وجود لأيّة موسيقى أو أغنية.. أين أنا!!
إنها المرة الأولى التي يخرجنا فيها ذلك الشاب منذ أيام، وبدأ العبث من الأسفل.
إنه مزعج جدًّا – على عكس تمنياتي – فهذا الشاب سيخلق النشاز في الموسيقى، فلمّا وصل إلى المنتصف – إليّ تحديدًا – أحسستُ أنه يضربني ويؤلمني بشدة.
صرختُ: “كفى أيها الشاب الأحمق، أرجوك توقف، أنت ترتكب جريمة موسيقية، لم يكن علينا ترك المتجر والقدوم معك”.
ذلك الأحمق أفلتنا بصعوبة بالغة، بعد أن أعادنا إلى تلك الخزانة مرة أخرى.. لم تكن هذه هي الحياة التي حلمتُ بها، أنا أستحق أن يستمع إليّ العالم وليس البقاء في غرفة مزدحمة بأحلام لن تتحقق.
ماذا لو كنتُ في آلة أخرى، في نحيب نأي، أو بكاء كمان..؟!، أعتقد أنّي كنتُ سأنجو من هذا المغفّل الذي لا يملك صوتًا، ولا موهبة تحريك الأوتار.
ها نحن ذا نمرّ بالتجربة نفسها، ثانية، وثالثة،… وعاشرة.. هذا الشاب لا يتعب من محاولاته الفاشلة في العزف!، مغفّل، لكن إصراره الجاد جعلني أُعجب به.
وبعد حين بدأ يُتقن احتضان العود والتنقل بين أوتاره، وبخفة متناهية كان يداعبني برقة محاولاً الوصول بي إلى النشوة، أنه يكاد ينجح..!!
له صوت أيضًا، تفاجأتُ عندما سمعته يدندن: “خلاص حِسّك تقُلِّي روح راعي لي وباجي لك”، صوته جميل لماذا يخفيه..؟!!
بدأتُ أعتاد النمط الذي أعايشه، يأتي يوم فيختفي في الآخر، وفي إحدى الأيام التي كان متواجدًا فيها تسلل صوت أنثوي عذب أضاء الغرفة، صوتُ مَن يكون..؟!!
في الليلة التالية للتي زارنا فيها، لم يكن موعد زيارته المعتاد..!!، احتضَن العود بشدة وكأنها المرة الأخيرة التي سيحتضنه فيها، وفجأة… أحدهم قادم.
***
“سلام دار قوم مؤمنين”، لا أحد في المنزل، وصوت أمي ليس له أثر، مرت سنوات عدة، توقفتُ عن عدها منذ فقدتُ شغفي وأشياء كثيرة أخرى..
عندما جئتُ إلى هذه الدنيا حصلتُ على صوتُ أمي ووجهها، وخوف أبي واختبائه الدائم من كل شيء، العائلة، الجيران، الناس، الله..!!
في حين أن أمي كانت تغرق في الحياة، كان أبي يطفو مفزوعًا شديد الحذر، دائم التوبيخ لها: أين ذهبتِ..!، مع مَن كنتِ..!، اخفضي صوتك، ضعي حجابكِ دائمًا؛ لذا فالِغناء طريقة أمي الوحيدة في الهرب، ولاحقًا طريقتي أنا أيضًا.
أبي له وجهة نظر مختلفة، وقد اتخذ من غِناء أمي حجة للزواج من أخرى.. لم يكن الشخص الوحيد الذي يكره الموسيقى أو يخافها، الجميع هنا يكرهونها مع اختلاف الأسباب، بعضهم يرونها من المحرمات، والبعض يظن أن الموسيقى للمزايِنة(1)، لكن هل يعلم هؤلاء أن الموسيقى هي طريقة الله في إخبارنا أن كل شيء على ما يرام..!!، استغفر الله ماذا أقول..؟!، كانوا على حق..!
قررتُ التمرد على كلّ ما يخيف أبي، ابتعتُ عودًا دون عِلمه، وأخفيته في المخزن المجاور لغرفتي، اعتدتُ أن اختبئ ليس كأبي، بل منه، عشتُ معظم حياتي في ذلك المخزن، أعزف وأستمع إلى الموسيقى كل ما أُتيحت لي الفرصة حينما يكون أبي خارج المنزل.
وفي إحدى الليالي التي لا تزال محفورة في مخيلتي، كما لو أنها البارحة، ليلة باردة، جافة الملامح، ظننتُ أبي قد ذهب إلى منزله الذي تسكن فيه زوجته الأخرى، ولم أعرف أنها تضع مولودها الأول، لذا عاد أبي إلى المنزل، بعد أن تركها تعاني آلام المخاض في أحد المستشفيات، أحسستُ فجأة بحرارة تنبعث من خلفي، التفتُّ، جسد يرتدي الأبيض، وشرر يلفح وجنتي، يتطاير من عينيه.. إنه أبي..!، صاح في وجهي: “لعنك الله يا فاجر، تدخل المعازف إلى منزلي لتملأه بالشياطين أمثالك؟”، اجتث العود من بين أحضاني ورماه إلى زاوية المكان، حاولتُ إنقاذه، لكنه جذبني من قميصي وقذف بي إلى الخارج، كنتُ أتسابق أنا وأدمعي في التساقط على سلالم المنزل.. وفكرتُ أنني أستحق كل ذلك، يا لحماقتي..!
اليوم تخرجت في الجامعة الاسلامية لعلوم الشريعة، فصادف موت والدي، وموت شغفي بالعود أيضًا.. رُحتُ أتجول في المنزل، وقفتُ أمام المخزن، 13 سنة منذ آخر مرة كنتُ فيها هنا، الغبار يغطي المكان بطبقة ترابية تجعل كل شيء باهت اللون.. كل تفاصيل الغرفة كما تركتها سابقًا، زاوية المكان تحتضن صديقي القديم بعد أن انتُزِع من أحضاني، العديد من الشتائم تكدست عليه من ذلك اليوم بزعم أنه متسخ ومحرّم ويجب أن أتخلص منه.
سأجرب العزف عليه مرة أخيرة.. اللعنة؟!.. الوتر الثالث انقطع..!

(1) المَزايِنة: إحدى الطبقات الدنيا في المجتمع الدنيا.

  • 5
    Shares
Advertisements

تعليقات