Accessibility links

Advertisements

فكري قاسم*
أول ما أصدرتُ صحيفة حديث المدينة، منتصف سنة 2009م، قلت شعمل أخبار صحفية مغايرة تعدل مزاج القارئ وتساعده في الخروج من حالة الأكشن التي طبع عليها بسبب طبيعة حال الوضع السياسي في البلد خلال تلك الفترة من الزمن.

قلت سأكتب أكثر من افتتاحية عن الحب وعن الجمال وعن الفن والأدب والموسيقى وعن النظافة وعن الحدائق وعن المتنزهات وعن مراهقات الصبا وعن البناء والتطور والأمل والطموح، وعن ممكنات الذهاب المريح إلى العصر زي بقية خلق الله.  

في أول ثلاثة أشهر دورت فعاليات فنية، نشاطات محفزة للطاقات الإيجابية في الميدان، قصص نجاح ملهمة تغير من نمط التفكير السائد، أو أي مشاريع عملاقة بوسعها أن تخطف اهتمام القارئ.

مالقيتش مثل هذه الفعاليات في ساحة الصراع السياسي السائد في البلد، ومع هذا اخترعتها وكتبت عنها بطريقتي الساخرة عشان أقدر أسحب القارئ إلى ملعبي اللي أشتي أتميز فيه بعيدًا عن أخبار السياسة اللئيمة وعن مماحكاتها الكثيرة التي تعطل التفكير وتجلب للناس الإحباط والسأم، ولكن من دون جدوى.

كان المزاج اليمني العام قد أصبح مزاجًا تالفًا وخربانًا، ولا يهمه موسيقى ولا حب ولا أي شيء من هذا الهدار الفاضي والقارئ بحقه الستين الريال اللي يشتري بها الصحيفة يشتيك في كل عدد تبطح الرئيس والحكومة وتبطح كم من رأس في البلد وإلا والله ما يشتري الصحيفة، ولا حتى يعبرها !

ولو شاف العدد في المكتبات بلا أكشن، يحنق منك فيسع ويقهر على حقه الستين الريال، ويقول إنك خلاص قد بعت القضية وإن قدك مُهادن وقدك في الجيب!

فشلت خطتي الرومانسية في سياسة التحرير اللي كنت أحلم بها، وبمرور الخمسة الأشهر الأولى أصبحت الورطة الكبيرة اللي أعيشها أنا وطاقم التحرير في الصحيفة قبل كل إصدار لما يمشي الأسبوع ومافيش أكشن،  ولا في أخبار عن قتلى أو اغتصاب أو نهب أو مضرابة أو انفجار في المكان الفلاني أو فضيحة تقشعر لها صلعة جدي – رحمه الله. 

مرة واحنا سهرانين نجهز العدد الأسبوعي، كانت الأخبار كلها عادية، وما معانا ولا حتى خبر واحد عن أيّ مقتول، أو عن أيّ جريمة، أو أيّ انفجار هنا أو هناك.

ما هذه السكينة الحاصلة هذا الأسبوع؟

الساعة قد هي 5 فجر، وبعد ساعة لازم نشل العدد إلى المطبعة والدنيا بواااار ومابوه حتى قارح واحد يمكن أن نعمل منه مانشيت يدهف لنا العدد ويخليه ينفذ سريعًا من الأكشاك، وانا حانب بشدة ومش داري من أين أسير أدبر للقارئ مقتول هذي الساع؟

من أين اخترع له جريمة في هذا الوقت المتأخر من الليل.. من أين اخترع له مصيبة ترضيه عشان يشتري الصحيفة؟

فكرت أقتل أحد محرري الصحيفة واتخارج؟!

ومر الوقت فجر هذاك اليوم وانا أتلبج بين طاقم التحرير، واقولهم: 

– دبروا لنا مقتول يا شباب.. دبروا لنا أي فضيحة، أي جريمة على الطائر، أي شيء أكشن يخلينا نبطح الحكومة ونبطح الرئيس والسلطة منسب القارئ يكون مبسوط! 

قبل أن أصدر صحيفة حديث المدينة، بالمناسبة، كنت اكتب خمسة مقالات في الأسبوع لصحيفة عكاظ السعودية، وألقى منها مكافأة جيدة وأكثر بكثير مما كنت أكسبه من صحيفتي الخاصة اللي أتلفت لي مزاجي تمامًا، وأنهكت لي روحي الساخرة بمرور الوقت.

وكنت اكتب الخمسة المقالات الأسبوعية لجريدة عكاظ بكل أريحية، واتناول فيها قضايا اجتماعية بسيطة جدًّا، لا تنهك الروح، ولا تتلف الأعصاب، ولا تأخذ مني وقتًا كثيرًا على الإطلاق. 

وبعد كل مقال منشور ألقى من القارئ السعودي تفاعلًا كبيرًا ولطفًا وفيرًا لأنه في الأساس كان قارئًا مرتاح البال، ويعيش بمزاج جيد، مزاج رائق وغير معصود بالمناكفات السياسية المدمرة للذائقة وللروح.

لا ألوم القارئ اليمني أبدًا على مزاجه السيئ سابقًا، وحتى الآن على أية حال، قدر ما ألوم رجال السياسة ورجال الدين الذين عبثوا بذائقة اليمنيين دهرًا طويلاً، وشحنوا أرواحنا وأذهاننا بخطاب كراهية مستدام ومستمر في التدفق إلينا حتى هذه اللحظة من الزمن.

خطاب كريه ولئيم خلانا، كشعب، في خصومة دائمة مع بلادنا، وخلانا بين الخلق كائنات تائهة تتنفس الويلات والبارود، ونشتي في كل مقال غريم، وفي كل خبر مقتول، والا حرام ما سبره؟! 

*كاتب يمني ساخر.

   
 
Advertisements

تعليقات