Accessibility links

Advertisements

وجدي الأهدل*
للعام الثاني على التوالي تُنير جائزة الربادي للقصة القصيرة المشهد الثقافي المُعتم في اليمن.

ثماني سنوات من الحرب نزف خلالها اليمن ثقافيًّا حتى الموت، ولكن دومًا هناك أبطال يظهرون في اللحظات التاريخية الحاسمة لينقذوا ثقافة هذا البلد من الزوال.

قليلون جدًّا الذين انتبهوا إلى الخطر الذي نتعرض له في المجال الثقافي، وماذا يعني أن يفقد بلدٌ ما قاعدته الثقافية.

إن عددهم لمحدود للغاية، أولئك الذين أدركوا أن خسائر اليمن الثقافية باهظة أكثر من خسائره السياسية والاقتصادية، وإذا كانت الخسائر الاقتصادية يمكن تقديرها بالأرقام بدقة تقريبية، فإن الخسائر الثقافية لا يفي أيّ رقم بتقديرها مهما علا؛ لأنها خسائر معنوية، مخصومة من روح الشعب.

رشيد النزيلي المهاجر اليمني المقيم في ولاية ميشيغان، هو أحد أولئك الأبطال، ممن امتلك البصيرة الثاقبة والرؤية البعيدة المدى للكوارث القائمة والقادمة، فاستمع لنداء ضميره وتحرك على الفور لإنقاذ الوضع الثقافي في بلاده.

رشيد النزيلي الذي أسس صحيفة اليمني الأمريكي ليحافظ على هوية الجالية اليمنية والعربية في قلب الغرب، هو مثقف أصيل عاشق لأرض أجداده، ويحمل الحب الصادق لبني قومه.

لقد كان بإمكانه أن يدير ظهره لبلده التعيس المبتلى بالمشاكل والحروب وشتى ضروب المعاناة، ويتمتع برغد العيش وينسى جذوره، ولكن القيم الإنسانية التي يحملها بين جنبيه هي التي دفعته للتفكير والبحث عن فعل شيء إيجابي من أجل الثقافة والأدب في اليمن.

ومن هنا ولدتْ فكرة إحياء الرموز الثقافية اليمنية، ومحاولة ربط الأجيال الشابة بتلك الرموز لتقتدي بها وتسير على دربها، فجاءت جائزة الربادي للقصة القصيرة معبرة عن كل المعاني والرسائل التي أراد رشيد النزيلي إيصالها لجيل المبدعين الجدد الشبان في سائر أرجاء اليمن.

ولا يخفى على أيّ مثقف يمني من هو محمد علي الربادي، الذي مزج بصورة عبقرية بين الفكر الإنساني الرفيع والدين الإسلامي الحنيف، وضفَّرهما في ضفيرة واحدة لا انفصام لها، فأحرز نجاحًا مذهلاً في اكتساب قلوب الناس إلى صفه وصف الأفكار السامية التي يحملها، فكان أنموذجًا حيًّا للمثقف العضوي الذي دعا إليه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، ومدافعًا صلبًا عن الحقوق المدنية ومعارضًا شجاعًا للسلطة، مُجسدًا في سلوكه وأفعاله صورة المثقف التي حددها ونظَّر لها المفكر الأمريكي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد.

شهد عام 1993 رحيل الفقيد العظيم في مرحلة تاريخية حرجة، وفي ظرف وفاة تحيط به الشبهات.. وعلى الأرجح فقد دفع ثمن انحيازه للضعفاء والمساكين.

لا شك أن الربادي شخص مكروه من السلطة، لذلك لم تحفظ لنا شيئًا من إرثه الثقافي، ولكن واحدًا من أنجب تلاميذه قد تصدى لهذا الإهمال المتعمد، وسعى إلى تخليد ذكراه عن طريق إنشاء جائزة أدبية تحمل اسمه.

ها هي جائزة الربادي للقصة القصيرة تبلغ عامها الثاني، وتراكم رصيدها المعنوي في المشهد الثقافي اليمني، وقد ازداد عدد المتقدمين لها، وتضاعفت المبالغ المالية المرصودة للفائزين بجوائزها.

ونحن نؤمن مع مؤسس الجائزة أن هذه الجائزة سيُكتب لها التطور والاستمرارية، لتكون بمثابة الشجرة الطيبة التي تطرح ثمارها في كل عام أسماء جديدة في الأدب والإبداع.

هذه البذور الصغيرة التي يُلقيها رشيد النزيلي في تربة اليمن، وقد لا تُلاحظها العين العابرة، سوف تصنع التغيير الثقافي المنشود، وسوف تساهم في ظهور العديد من القادة الثقافيين في المستقبل.

إن مشكلة اليمن ثقافية في الأساس، ونحن نرى أمام أعيننا كيف صار الدين مصدرًا للفرقة والخلاف وتمزيق المجتمع وتخريب الوطن، والمؤكد أن الحل في اليمن لن يأتي عن طريق البندقية، ولكن عن طريق القلم والكتاب والثقافة الحديثة.

أبارك لأصدقائي الخمسة الفائزين بجوائز الربادي للقصة القصيرة في دورتها الثانية وهم: (طه العزعزي، وجدان الشاذلي، غسان خالد، ذكريات عقلان، كوثر الشريفي).. وآمل منهم أن يتحلوا بالعزيمة والإصرار لمتابعة كتابة الأدب مهما كانت الصعوبات، ولربما بدت الرحلة طويلة وشاقة، ولكنها تستحق التعب.

*روائي وكاتب يمني.

   
 
Advertisements

تعليقات