Accessibility links

Advertisements

بقلم: عبدالباري طاهر*

أصدرت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة في 17 فبراير ميثاقاً وطنياً يطالب بالجلاء التام، وتدويل القضية المصرية، والتحرر الاقتصادي.

ينُسب إلى الزعيم الهندي أنه قد تعلم النضال السلمي من التجربة المصرية. واللافت أن مظاهرات 21 فبراير 46 كانت يوم كفاح سلمي مشترك بين مصر والهند… فقد خرج الشعبان في مظاهرات عارمة انخرط فيها العديد من الطلاب والعمال ومختلف فئات الشعبين، واصطدمت بالقوات الاستعمارية البريطانية هنا وهناك، وقتل العشرات وجرح المئات. وربما مثل القمع الشديد ضد الشعب المصري بمثابة إغلاق الباب أمام التطور السياسي السلمي، وإنهاء للحياة الديمقراطية، وساد قمع أسود ضد اللجنة الوطنية، واعتقل عقبها المئات من الصحفيين والأدباء والكتاب والمثقفين والعمال والسياسيين.

معركة فبراير والمواجهة الدامية التي قتل فيها العشرات، وجرح أكثر من مئة وما أعقبها من حظر النشاط السياسي والصحفي للجنة الوطنية – فتحت الباب أمام معركة القنال، ومهدت- إضافة إلى حرب 48 مع إسرائيل- لتطور جديد.

في عام 1950 عاد حزب الوفد بعد حصوله على أغلبية مريحة في الانتخابات، وبرزت ثلاثة اتجاهات في الحياة السياسية المصرية: الاتجاه المحافظ والتقليدي الذي تزايد وزنه في هذه الانتخابات، والتيار المدني الديمقراطي، وكان قوياً في الشارع؛ فرفض أي مساومات غير مبدئية لأي معاهدة جديدة مع بريطانيا، وبدأت دعوات الجلاء تعميق الحياة الديمقراطية، وهو ما أشار إليه النحاس باشا أن “أعين الشعب مفتوحة”، ولا يمكن توقيع اتفاقية لا يرضاها الشعب، والاتجاه الثالث محدود يميل إلى الكفاح المسلح، ويتشكل من اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة.

ثم اتجاه قومي في صفوف الجيش المصري ضاق ذرعاً باللعبة السياسية، ولا يرى أفقاً لمعركة القنال، وقد أكسبته معركة 48 والحرب مع إسرائيل خبرة كبيرة، وفتحت وعيه على أبعاد المعركة القومية ضد الاستعمار وضد الأحلاف، والترابط بين العروش الرجعية والاستعمار؛ فاتجه للعمل السري، وبدأ الإعداد لتنظيم الضباط الأحرار مستفيداً من تجربة الشيوعيين، وحركة التحرر الديمقراطي المصري (حدتو)، ومن تجربة الإخوان المسلمين التي استعادت حضورها في العمل السري بعد استشهاد مرشدها العام حسن البنا.

هناك تداخل بين الاتجاهات الثلاثة، ويتقاطع كفاحها الوطني من حول الجلاء والدستور والحريات العامة والاستقلال التام والناجز، وقد استجدت عوامل عديدة في المستوى؛ فهناك تزايد نفوذ البلدان الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفيتي، واستقلال الهند، وبزوغ فجر الصين، وحركات التحرر الوطني من مراكش إلى الجزائر وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

اقتراب قيادة الوفد اليمينية من الإنجليز، وفرضها على القصر قد ضاعف السخط الشعبي، وزعزع ثقة الجماهير أكثر فأكثر بالانتخابات الزائفة والمسيطر عليها من قبل الإنجليز، وعجزها عن تحقيق الاستقلال بعد أن تحولت إلى أداة ضغط بيد الإنجليز ضد القصر. الحربان الكونيتان خلقت أوضاعاً دولية مغايرة ومختلفة عما عرفه العالم قبلها، خصوصاً في المستعمرات، وفي بلدان ما يسمى حينها بالعالم الثالث، وتحديداً في القارات الثلاث: آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية. فالعديد من شعوب هذه القارات بدأت قضيتها (الاستقلال الوطني) تحتل صدارة كفاحها الوطني، وكانت مصر والهند والصين وإندونيسيا في صدارة هذه البلدان والتي شكلت لاحقاً حركة عدم الانحياز كقيادة لحركات التحرر الوطني؛ ففي مصر أطاح تنظيم الضباط الأحرار بالملكية، وبدأ خطوات بطيئة باتجاه التحول الثوري؛ فطرح قضية الإصلاح الزراعي، ومحاربة الفساد…

قراءة حالة السياسية المصرية عشية الثورة تبرز فساد الحكم كأداة بيد الاستعمار البريطاني، وشيخوخة الوفد، وفساد أحزاب الأقليات: السعديين، والأحرار الدستوريين، وانغماس الإخوان المسلمين والماركسيين في العمل السري، والمرارات الكبيرة في صفوف الجيش بسبب هزيمة 48 وما شابها.

الضباط الذين شارك بعضهم في حرب 1948، ومروا بالتيارات السرية الإخوانية والماركسية، واقترب بعضهم من جهات أخرى- اتجهوا لتشكيل تنظيمهم (الضباط الأحرار).

كثير من دارسي تجربة الثورة المصرية 23 يوليو، وبعضهم عناصر قيادية في تنظيم الضباط الأحرار، والبعض من التيارات الفكرية السياسية القريبة أو المختلفة مع التنظيم- يتوافقون على الجذور الشعبية للضباط الأحرار؛ إذ لم يكونوا من أبناء الباشوات أو الرأسمالية الكبيرة، أو من كبار ملاك الأراضي، وينتمي معظمهم للطبقة الوسطى، وأبناء الفلاحين، وموزعين سياسياً على الاتجاهات الفكرية والسياسية الناشطة، وبالأخص الإخوان المسلمين، والتيارات الماركسية المتعددة، وبالأخص التيار الماركسي الرئيس؛ الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني (حدتو)، والعديد من هؤلاء الضباط مروا بالإخوان المسلمين وحدتو، وقطع غالبيتهم علاقاتهم بهذين التيارين الكبيرين نسبياً باكراً، وتزعم جمال عبد الناصر التيار القومي المستقل. الأمر الثاني والمهم أيضاً أن تنظيم الضباط الأحرار الذي تأسس عام 1947 عقب الحرب الكونية الثانية قد تأسس نتيجة عوامل مختلفة.

ويشير الدكتور أنور عبد الملك في كتابه (الجيش والحركة الوطنية) أنه خلال الأعوام 1936- 1940 تضافرت عناصر كثيرة على دفع عدة مئات من الشبان المصريين والطبقات الوسطى نحو الجيش، مشيراً إلى مجموعة الضباط الأحرار. وحقاً، فإن التنظيم قبل 52 غيره بعد 52، وأيضا غيره بعد حرب السويس والعدوان الثلاثي 56، والإجراءات الاشتراكية، وتأميم القناة، والإصلاح الزراعي، ومرحلة ما بعد باندنج 1955 – 1961، والوحدة مع سوريا والانفصال 1959- 1961، وتحرير الجزائر 1962، والثورة اليمنية 62-63 ودور الثورة المصرية فيها.

في كتابه (ثورة يوليو.. قضايا فكرية) قال زكي مراد نقلاً عن صحفي فرنسي إن مصر أم العجائب، وأن الثورة أحدى العجائب؛ فقد بدأت انقلاباً تحول إلى استقلال حقيقي، ثم إلى ثورة وطنية واجتماعية عميقة. ويشير إلى أن العديد من المفكرين الأوربيين والثوريين لم يستطيعوا في مصر والعالم العربي هضم هذه الهزة بسهولة.

في كتابه الصغير حجماً الكبير معنى يؤكد زكي مراد أحد قادة حدتو: “لم يكن الحدث انقلاباً، وإنما كان انفجاراً وطنياً عميقاً، ينفذ من خلال تمرد عسكري نظمه قادة صغار ومتوسطو الضباط وصف الضباط والجنود باسم الشعب كله”، مشيداً بنهج الميثاق 62، وراصداً بموضوعية وصدق الأخطاء المتبادلة في الفعل ورد الفعل في تجربة الثورة العربية وداخل ثورة يوليو.


*نقيب الصحافيين اليمنيين

Advertisements

تعليقات