Accessibility links

وجدي الأهدل

هذه ليست نظرية عِلمية موثّقة بالأدلة الأثرية، ولكنها فرضية مبنية على شواهد جغرافية متفرقة.

أُسمّي هذه الفرضية بـ”تغريبة بني إسرائيل الجنوبية”، وهي تقوم على احتمال نسبته 5% أنّ رمسيس الثاني قد عاقب الذين اتبّعوا النبي موسى – وهم أقلية صغيرة من الجالية اليهودية الكبيرة العدد التي فضّلت عدم الإيمان – بالنفي إلى منطقة صحراوية نائية فقيرة في الساحل الإريتري.

وتقعُ هذه المنطقة تحديدًا جنوب مدينة مصوع بحوالى خمسين كم.. هناك استقرّ النبي موسى مع اليهود المؤمنين برسالته في تلك المنطقة القاحلة، وأسسوا مدينة (عدوليس).

ولدينا دليل تاريخي موثوق على أنّ موسى ومَنْ معه هم الذين أسسوا هذه المدينة:

يذكُر أشهر مؤرخ يوناني، وهو بليني الأكبر، أنّ مدينة (عدوليس) أسسها عبيد مصريون آبقون.!

هذه المدينة ما تزال آثارها موجودة، وهي موقع أثري معروف لكلّ علماء الآثار في العالم، وتحتاجُ إلى مزيد من التنقيب لاكتشاف البقايا الأثرية للجالية الإسرائيلية التي أسست المدينة.

لماذا نفى فرعون مصر رمسيس الثاني النبي موسى والمؤمنين الذين اتبعوا رسالته إلى أقصى الجنوب؟ تُظهر الخرائط التاريخية أنّ الدولة المصرية في عهد رمسيس الثاني حققتْ أقصى اتساع لها، وسيطرتْ عسكريًّا على كامل حوض النيل في مصر والسودان، وخضع الساحل الإريتري كاملاً لنفوذ مصر إلى ما يُسمّى حاليًّا بدولة جيبوتي، أي أنّ الضفة الغربية للبحر الأحمر كانت تحت السيطرة المصرية من خليج السويس وحتى مضيق باب المندب.. هذا يعني أن رمسيس الثاني قد نفى اليهود إلى منطقة تقع تحت سيطرته عسكريًّا وسياسيًّا.

قد يجادل أحدهم، ويقول: إن المؤرخ بليني الأكبر لم يُحدد قومية أولئك العبيد، ولم يقُلْ إنهم يهود.. نعم هذا صحيح، ولكن دعونا نُفكّر هل يُمكن لأفراد محدودي العدد تأسيس مدينة جديدة من الصفر؟، هل يُمكن أنْ يتوافق عبيد من قوميات غير متجانسة على التحضير لمشروع كبير كهذا لِنَيل حريتهم مبتعدين مسافة 1400 كم عن أسيادهم؟، حدوث شيء على هذه الدرجة من التنظيم والتفكير الحضري يحتاجُ إلى جماعة بشرية كبيرة العدد نسبيًّا، ومتجانسة دينيًّا وعرقيًّا.

لا أعرفُ إنْ كان هناك أحد من المثقفين الإسرائيليين قد كتب شيئًا ما حول هذه الفرضية – المحتملة بنسبة 5%، ولكنني أستبعدُ ذلك؛ نظرًا لأنّ الكتابة التأريخية في القرن الماضي كانت محصورة في نطاقٍ ضيّق، وتقتصرُ على نخبة صغيرة من الأكاديميين المتخصصين، ما يجعلُ طرح فرضية خارج المألوف التاريخي المكرّس عبر أزمنة وقرون عملاً سخيفًا قد يُعرّض صاحبه لفقدان مكانته العلمية.

لماذا نَفاهُم رمسيس الثاني إلى الجنوب وليس إلى الشمال؟؛ لأنّ نفيهم إلى الجنوب يعني عدم قدرتهم على الفرار من قبضته، أو الالتجاء إلى مملكة قوية تُوفّر لهم الحماية السياسية.. إنّ الساحل الإريتري المحصور بين البحر الأحمر شرقًا والهضبة الحبشية غربًا التي تسكنها قبائل محارِبة شرسة يُشكّل سِجنًا طبيعيًّا يصعبُ الفكاك منه. وأما العكس فإن نفيهم إلى الشمال يسمحُ لهم بسهولة أنْ يرتحلوا إلى الأراضي الواقعة شرق المتوسط، وهي أراضٍ خصبة ومعتدلة مناخيًّا، وفيها ممالك مستقلة وقوية يُمكِنها توفير الحماية السياسية لمن يلجأ إليها.

ما الذي حدث بعد ذلك؟، قد أُفسح المجال هنا للخيال الروائي، وأزعُمُ أنّ مدينة (عدوليس) التي أسسها النبي موسى قد تحولت إلى مركز متعاظم للمعارضين السياسيين لحكم رمسيس الثاني، وأيضًا لعلّ تدفّق العبيد اليهود الهاربين من الاضطهاد قد أخذت وتيرته بالتصاعد، وهذا الاستنزاف لليد العاملة الرخيصة قد أثر على الاقتصاد المصري، وأدّى إلى تراجُع الإنتاج وأرباح الطبقة المصرية الغنية. ربما تعالي أصوات الساخطين والمحرضين من مواطنيه، جعل رمسيس الثاني يندم على قراره بنفي موسى والذين اتبعوه إلى الساحل الإريتري، فقرر أن يقود بنفسه حملة عسكرية للقضاء نهائيًّا على بؤرة المعارضة التي أنشأها النبي موسى في بلاد بنط – إريتريا حاليًّا.

إذًا وفقًا للفرضية التي نطرحها فقد ارتحل نبي الله موسى وقومه جنوبًا نحو الساحل الجنوبي الغربي للبحر الأحمر، عبروا ساحل دولة السودان الحالية، وتابعوا رحلتهم في أراضي دولة إريتريا الحالية (بلاد البنط قديمًا)، وأدركهم الجيش المصري في منطقة تقع على بعد خمسين كيلو متر، جنوب مدينة مصوع الحالية (باضع قديمًا).

ويجبُ أنْ نلاحظ هنا أنّ الفرعون رمسيس الثاني وجيشه كانوا يتحركون ضمن نطاق الأراضي الخاضعة للامبراطورية المصرية، وبالتالي لم تكن هناك عوائق سياسية أو عسكرية تحُول دون تقدّم الجيش المصري بمركباته وأسلحته وجنوده إلى عمق أراضي إريتريا الحالية.

أين منطقة العبور؟، لقد عبَر نبي الله موسى وقومه البحر الأحمر من منطقة ورد ذكرها في التوراة باسم “فم الحيروث”، ومعنى الحيروث في اللغة العبرية “الكهف”، وهذا يُشير إلى مَعْلَم جغرافي لا لَبس فيه: لقد عبَر بنو إسرائيل من ساحل فيه كهوف بحرية، وهذه ظاهرة جيولوجية معروفة، ونحتاجُ إلى مسح جغرافي في شبه جزيرة بوري الإريترية للعثور على هذه الكهوف أو الكهف البحري.

يذكُر الكتاب المقدس أنّ الإسرائيليين عبَروا بحر “سوف”، وجميع المصادر التاريخية تُجمعُ على أنّ المقصود ببحر “سوف” هو البحر الأحمر، ولكن بحسب هذه الفرضية فإن المقصود ببحر “سوف” هو البحر الواقع بين شبه جزيرة بوري على الشاطئ الإريتري وجزيرة دهلك.. ولدينا شاهد معقول من التوراة: كلمة “سوف” العبرية تعني “بحر الغاب”، فهل يوجد هذا الوصف الجغرافي في خليج السويس؟، كلا لا ينطبق هذا الوصف الجغرافي على خليج السويس، ولكنه ينطبق على جزيرة دهلك!.. يذكر أهالي جزيرة دهلك أنه كانت بشواطئ الجزيرة غابات من أشجار تُسمّى الشورة (المنجروف – Mangrove)، وكانت كثيفة جدًّا، ولكن البرتغاليين أزالوها لمحاربة تجارة الرقيق. المسافة ما بين جزيرة دهلك وشبه جزيرة بوري في أقرب نقطة بينهما تصل إلى 16 كم.

علينا أنْ نأخذ في الاعتبار أنّ بعض أسماء الأماكن الواردة في التوراة هي أوصاف جغرافية، يمكِن بشيء من البحث العثور عليها في الخرائط الجغرافية لسواحل وجزر إريتريا، وتحديدًا في المنطقة الممتدة من مدينة مصوع شمالاً وحتى مدينة مرسى فاطمة جنوبًا.

ما هو الاسم القديم لجزيرة دهلك؟، ذُكرت الجزيرة في الكتب التاريخية على النحو التالي: التاجر اليوناني المجهول الاسم مؤلف كتاب “الطواف حول البحر الإريتري” سماها (إليوس)، والمؤرخ اليوناني ارتميدس سماها (إليا)، وهذا الاسم القديم يُذكّرنا باسم موضع جغرافي ورد ذكره في التوراة اسمه (ايليم)، وهي من المواضع التي انتقل إليها بنو إسرائيل بعد عبورهم البحر.

جاء في التوراة: “ثم ارتحل موسى بإسرائيل من بحر سوف وخرجوا إلى برية شور”.

ألا تُذكّرنا “برية شور” المذكورة في التوراة بأشجار “الشورة” التي كانت تنمو في جزيرة دهلك؟، أليس معقولاً أنّ “الشورة” هي اسم الشجرة، وجمعها “شور”؟

 هذه ملاحظة عابرة قد تكشفُ أخيرًا عن الموقع الجغرافي الصحيح لـ”برية شور” التي أعيى الدارسين البحث عنها عبثًا في جغرافية شبه جزيرة سيناء.

بعد تلك الهزيمة العسكرية الساحقة، تقوض نفوذ الامبراطورية المصرية على الساحل الإريتري – بلاد بنط – ما أتاح للإسرائيليين العيش بأمان نسبي لمدة أربعين عامًا، وهي الفترة التي يُشار إليها في الأدبيات الدينية بـ”التيه”.

أنْ يتوه شعب ضخم العدد في شبه جزيرة سيناء أربعين عامًا وهي ليست نائية، وهي في قلب الطرق التجارية بين آسيا وأفريقيا، يبدو أمرًا غير قابل للتصديق..!، هناك أيضًا مسألة في غاية الأهمية: إذا كانت شبه جزيرة سيناء هي أرض التيه، وهي تخم من تخوم الامبراطورية المصرية ومنطقة ذات قيمة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها، فكيف نُفسّر عدم انتقام المصريين من تلك الهزيمة العسكرية.. لماذا لم يشعروا بالعار ويحركوا جيوشهم للبطش بالإسرائيليين؟، حين ننظر إلى خريطة مصر نجدُ أنّ شبه جزيرة سيناء ليست مكانًا مناسبًا للاختباء من عدو قوي باطش يقع على مقربة شديدة منهم.. والحل لهذه المعضلة، هو أنّ أرض “التيه” تقع جغرافيًّا في مكان بعيد جدًّا عن فيالق الجيش المصري، والمكان الأنسب هو أنّ أرض “التيه” تقعُ جنوبًا، في المناطق التي يفقد فيها المصريون الكثير من مزاياهم الحربية، وعلى رأسها نهر النيل الذي يُقدّم لهم مزايا لوجستية عظيمة الفائدة.

هل اسم مدينة (مصوع) هو تحريف لاسم (موسى؟، يبدو ذلك ممكنًا، فالأسماء ينالها التحريف بمرور الأزمنة وتباعدها، وكذلك الأسماء تتعرض للتحريف بانتقالها من لغة لأخرى.

أين دُفِن النبي موسى؟، أحد الاحتمالات أنه دُفِن في مدينة باضع، التي تغيّر اسمها بعد دفنه فيها إلى (مصوع – Massawa)، الاحتمال الأكثر ترجيحًا أنه دُفِن في جزيرة دهلك، ويبدو أنّ قيام إسرائيل ببناء قاعدة بحرية في الجزيرة له أغراض متعددة، منها أن إقامة منطقة عسكرية محظورة يُساعد في أعمال الحفر والتنقيب عن قبر النبي الأشهر في التاريخ بعيدًا عن أنظار السكان المحليين والصحافيين المتطفلين.

إذا قال أحدهم إن هذه الفرضية غير صحيحة، فسوف أوافقه الرأي ببساطة دون جدال، لكن ما أُعوّل عليه هو ظهور المزيد من الأدلة والشواهد في المستقبل.

  • 51
    Shares

تعليقات